عُمان.. جماليّات الإنسان والمكان

فتحية الصقرية

تفتتح أناييس نن حديثها في “ماذا حدث للفرح في أمريكا؟” بـ: “أنا مستلقية على أرجوحة من الشبَّاك، في شرفة غرفتي بفندق ميرادور، مذكِّرتي مفتوحة فوق ركبتيّ، تسطع الشمس فوقها، ولا أملك أيَّ رغبة للكتابة. الشمس، الأوراق، الظلال، الدفء، جميع هذه الأشياء حيَّة إلى درجة تُخمِد كلَّ حواسِّي، وتُهدِّئ خيالي. هذا هو الكمال. لا حاجة للوصف، لا حاجة للحماية. هذا أبديّ، إنه يغمرني، إنه كامل”. تنقلني إلى لحظة مشابهة، وأنا أفترش العشب في حديقة القرم، على صدري كتاب (عُمان وجوه وأماكن)* عيناي توزِّعان النظرات، تارةً على صفحات الكتاب، وتارة أخرى إلى السماء، وأغصان الشجر الكبير المتمايلة، والمتقاطعة مع الزُّرقة الداكنة وأجنحة الطيور التي تمارس الالتفاف والدوران، الارتفاع والانخفاض، الانبساط والانكماش؛ كمن لا يأبه لأيِّ شيء آخر، سوى التماهي في عالمه الخاص.
لا شيء، لا أحد، سوى قلبٍ متوحِّد، وذاكرة ملوَّنة، وهواء بارد يلاعب مخيِّلة مثقَلة بالحكايات والمَشاهد، ها أنا مجدَّدًا، أسير بخطى متباطئة في الزقاق المؤدِّي لبيت جدِّي؛ البيت الطِّيني القديم المُكَوَّن من طابقين ومِساحة زراعية شاسعة، تضمُّ أنواعًا مختلفة من الأشجار (النخيل، المانجو، الليمون، النارنج، المستعفل، المشلي، التين، العنب ) البيت الذي، ومنذ الوهلة الأولى، سيشغلك بابُه الخشبيُّ الثقيل المزيَّن بالنقوش والألوان، ستجد نفسك أمام تحفة فنية، تقودك إلى بهو واسع، ينقلك بسلاسة، عبْرَ سلالم حجرية، إلى بهو آخر مفتوح على السماء، ومحاطٍ بغرف مشغولة بنوافذ مطلَّة على المزارع؛ بأخضرها المغسول بالشمس، وأبوابٍ خشبية ملوَّنة، وأسقُف منقوشة ومزيَّنة بالأشعار العربية، وأنت داخل هذه التحفة المعمارية، ما إن تتلفَّت حولك ستجد بهجاتٍ صغيرةً في انتظارك؛ مراوح اليد، بتصاميمها الرائعة التي شكَّلتها أمِّي، على مهل، كمن يلعب بأصابعه الماهرة على آلة موسيقيَّة، المناديس في غرفة جدَّتي، ذات النقوش الذهبية، بمحتوياتها الأنيقة، صينيَّة الجمال، كما أُسمِّيها التي تقدِّم في كلِّ زيارة للنساء، وهي عبارة عن (عطور ودهان -يوضع على الجبين، وورس لليدين والوجه )* هدايا الكانغا المصمَّمة بعناية، كحدائق صغيرة متنقِّلة التي يُحضرها جدِّي لبنات العائلة، بعد كلِّ زيارة لزنجبار.
سأجلس، كالعادة، في السجَّاد الأنيق، مع أمي وجدّتي، مصغيةً لحديث شائق عن الحياة العمانيَّة التي تخطف القلب؛ ببساطتها وجمالها، كلُّ شيء في هذه الحكايات يشير إلى حياة ملوَّنة، وإنسان مشغول بالفن والجمال.
أفراح متتالية، وجوه مبتسمة، نساء يخرجن بأزياء مبهجة، يرتدين القلائد الفضيَّة، يضعن صبغة صفراء على الجبين، يُزَيِّنَّ أعينهن بالكحل، يضعن شالًا خفيًفا على الرأس، تتقدَّمهنَّ ابتسامة.
مأخوذة بذلك العماني الجميل؛ العماني الذي لا يمكن إلا أن يكون إنسانًا مُحِبًا للجمال، ميَّالاً للبهجة، وعاشقًا للحياة، بَدءًا بالمِعمار والصناعات اليدوية واليوميَّات الضاجَّة بالعمل، والمشغولة بتفاصيلها الصغيرة، وانتهاءَ بالزِّيِّ الحافل بالألوان المشرقة، والتناغم الروحي مع الطبيعة.
في الحلم كان بهو الطابق العُلويِّ حاضرًا، وكمن ينتظر أحدًا، كنت أقف بجانب إحدى الغرف، رأيت جدَّتي الغائبة مقبلةً نحوي، ناولتْني مفتاحًا، ركضت مبتهجة نحو شرفة مطلَّة على حديقة، تغمرني سعادة كبيرة، برغم أن الشرفة والحديقة كانتا جزءًا جديدًا في البيت، ظهرتا في الحلم فقط..
مع رنَّة الهاتف، تذكَّرتُ أنِّي قد بعثت رسالة أذكرُ فيها بعض التسميات التي أطلقها السلطان قابوس -رحمه الله- مثل بهجة الأنظار، المَسرَّات، الطيِّبات، البركات، الخيرات؛ اهتمام السلطان قابوس بإطلاق أسماء جديدة مبهجة، أو إعادة تسمية الأماكن والشخوص، إلى أسماء باعثة على السعادة والإيجابيَّة كان لافتًا، ويدعو إلى التفاؤل، أو حتى على مستوى نمط الحياة اليوميَّة، هناك كميَّة من البهجة في كلِّ شيء تقريبًا، كمن لا يريد أن يرى سوى عُمان السعيدة، والمبتهجة على الدوام.
أعدتُ ترتيب جلستي، أغلقت الكتاب، في حين ظلَّ جرَيَان الذاكرة منسابًا، متوافقًا مع عالم الطيور، بضجيجه المحبَّب للنفس، مواصلةً العمل واللهو، حتى اللحظة. اعتدلتُ متأهِّبةً للنهوض، لكن عادت أناييس بحديثها عن أمريكا والمكسيك: “في كلِّ مكان توجد قيتارات. حالمَا يبتعد قيتار ما، يأخذ مكانَه صوتُ قيتار آخر، لتستمرَّ هذه الشبكة من الموسيقى التي ترتفع بالإنسان في رحلة، تنقذه من الحزن، وتعلِّقه في مملكة من الاحتفالات.
احتفالات. مراسم. عطلات. تنفجر بالألوان والسعادة. احتفالات جماعيَّة. طقوس.
أعياد هنديَّة، وأعياد كاثوليكيَّة. كلُّ الأسباب صالحة هنا لإقامة احتفال.
حتى الفقراء يعرفون كيف يتأنقُّون في مدينة من قصاصات الأوراق الملوَّنة، الراقصة في الريح. ماذا حدث للفرح في أمريكا؟”.