الادخار القهري

حمدة بنت سعيد الشامسية
hamdahus@yahoo.com

كان هناك رجل بخيل اعتاد على دفن كل ما يكسب تحت شجرة في طرف أرضه، وكان كل صباح قبل أن يذهب إلى عمله يمر بتلك الشجرة يطمئن على ماله، لاحظ أحدهم البخيل وهو يحفر كل يوم تحت الشجرة فقرر مراقبته، وعرف بوجود المال وسرقه، عندما جاء البخيل لم يجد أمواله فبدأ بالصراخ بشكل جنوني حتى اجتمع عليه أهل القرية، فأخبرهم بما حدث لماله، فسأله حكيم القرية: هل كنت تأخذ منه شيئا؟ فأجاب لا، إنما كنت آتي للاطمئنان عليه فقط، فأجاب الحكيم: إذن استمر فيما كنت تعمل، فطالما لا تستخدمه فلا فرق بين وجوده وعدمه.
يوجد الكثيرون حولنا مثل صاحبنا هذا، يدخرون لمجرد الادخار، ويعيشون على الكفاف، يطلق على هذا النوع من السلوك (الادخار القهري)، الشخص الذي يعاني منه يعشق الادخار، فهي هوايته المفضلة، يجد الأمان في الادخار، يتسم بالبخل الشديد، يجيد فن المساومة والمفاوضة.
تكمن متعة الشخص المصاب بالادخار القهري في رؤية حسابه البنكي يتزايد باستمرار، فيما ينظر إلى الاستمتاع بالرفاهية على أنها عدو قاتل، ومن النادر أن تتضمن هوايات هذا النوع من الناس أو أنشطتهم الترفيهية إنفاق المال.
وربما تجد من حولك الكثير من الأمثلة التي تعيش في عوز ظاهر، في الوقت التي يذهب غالبية دخلهم في شراء العقارات، وتكديس الممتلكات، فيصبح الادخار لديهم هو الغاية، لكن المشكلة أنه كلما زادت المدخرات زاد معه الشعور بالخوف وعدم الإحساس بالأمان، وغياب الثقة في المستقبل والآخرين، فالفرد من هذا النوع في الغالب، أقرب المقربين لا يعرفون مقدار ما يملك حتى يتوفاه الله.
غالبا ما يكون مصدر هذا السلوك ذكريات مؤلمة من أيام الطفولة لها علاقة بالمال، إذا كنت من هذا النوع هي فرصة للتعمق في أسباب هذا السلوك وجذوره، ويرى الخبراء أن وراء هذا السلوك يكمن شعور بالخوف، حاول معرفة دوافع هذا الخوف، من خلال الرجوع بذاكرتك لأيام الطفولة، وحاول أن تعرف الذكرى التي ولدت لديك هذا الخوف، لأنه ما لم تعالج خوفك لا يهم مقدار المال الذي تكتنزه فأنت لن تشعر بالبهجة أبدا.
من السهل أن تنسيك مخاوفك الحلم الذي من أجله بدأت الادخار، فلا تعيشه، وتقضي حياتك كلها دون صرف ريال واحد على الهدف الذي من أجله ادخرت، غافلا عن أحلام طفولتك والمستقبل الجميل الذي تخيلته لنفسك، ولماذا بدأت في الادخار من الأساس.