الدولة في أمريكا تتحول إلى جهاز إمبراطوري

فريد زكريا –
ترجمة قاسم مكي –

بدأ الكونجرس جلسات استماع أواخر الشهر الماضي عن الإخفاقات الأمنية التي أفضَت إلى غزو مبنى الكابيتول بواسطة مثيري شغب مسلحين يوم 6 يناير. هذا شيء ملائم ومفيد. لكنني أخشى أن هذه الأنواع من التحقيقات تنتهي دائما تقريبا بإضافة المزيد من الإجراءات الأمنية ووضع المزيد من الحواجز وجعل الحكومة الأمريكية أقرب إلى أن تكون إدارة إمبراطورية أكثر تسلحا ونأيا عن مواطنيها.
أذكر أنني أقمت في واشنطن لفترة قصيرة في أعوام الثمانينيات. كان من السهل دخول مبنى الكونجرس والتجول بين غرفه الفخمة وتماثيله المهيبة وأحيانا مصادفة أعضاء في مجلس الشيوخ. حتى البيت الأبيض كان يمكن نسبيا الدخول إليه، كما صُمِّم على أن يكون دائما كذلك. لكن لم تعد الأمور هي الأمور. فبعد تفجير ميدان أوكلاهوما عام 1995 وإطلاق النار في مبنى الكابيتول عام 1998 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر صار من اللازم للمواطنين الذين يرغبون في الذهاب إلى الكابيتول القيام بذلك عبر جولة خاضعة لسيطرة مُحكَمة تبدأ من مركز واسع للزوار تحت الأرض يلزمون فيه بمشاهدة فيلم سينمائي ( ألا يمكننا أن نشاهده في بيوتنا؟). وخلال الفترة نفسها نصبت حواجز قبيحة حول البيت الأبيض مع إغلاق جزء من شارع بينسلفانيا.
ومنذ الاحتجاجات التي جرى تنظيمها تحت شعار «حياة السود مهمة» في الصيف الماضي وضعوا المزيد من الحواجز حول البيت الأبيض. ومن المؤكد أنها ستكون أسوأ بعد أحداث 6 يناير.
أنا أفهم أن هنالك حاجة إلى الأمن. لكن في نظام حكم ديمقراطي ينبغي موازنة ذلك مع الحاجة إلى الانفتاح وارتفاع القيود. فمهندس العاصمة واشنطن بيير لانفانت خطَّط شوارع المدينة الواسعة بحيث يتمكن الناس دائما من مشاهدة المباني الحكومية الجليلة والتي كان يعتقد أنها رموز الديموقراطية.
أنفقت الولايات المتحدة بإسراف في تشييد مبنى الكابيتول (الكونجرس) وثابرت في بنائه حتى أثناء الحرب الأهلية لأنه كان صرحا لمواطنيها وليس بناية مكاتب للسياسيين.
والوضع أسوأ كثيرا في الخارج. فالمقار الدبلوماسية الأمريكية كانت بنايات أنيقة في مراكز المدن حيث يمكن أن يلتقي الناس وتقام المناسبات. أذكر أنني كنت أذهب لمشاهدة أفلام هوليوود الكلاسيكية برعاية الخدمات الإعلامية الأمريكية في مبنى القنصلية الساحر على ساحل البحر في مدينة مومبي. لكن تلك الجوهرة المعمارية تم التخلص منها بالبيع مثلها مثل أخريات.
والدبلوماسيون الأمريكيون الآن كثيرا ما يعملون داخل مبانٍ أشبه بالقلاع وخلف جدران واقية من شظايا الانفجارات مع إجراءات أمنية متعددة. ونادرا ما يصدف أن يلتقوا بمواطني البلد الذي يعملون فيه.
إذا أردتم أن تعرفوا لماذا الولايات المتحدة، بعد عشرين عاما وإنفاق تريليونات الدولارات، ليست مفهومة جيدا أو محبوبة في العراق أو أفغانستان عليكم بزيارة سفارتيها في عاصمتيهما.
لدى الولايات المتحدة أجهزة إمبراطورية أكثر مما كان لدى العديد من الإمبراطوريات الفعلية. ففي بريطانيا وعلى مدى عقود، حتى عندما حكمت لندن العالم، كان يمكن لأي أحد الذهاب مباشرة إلى 10 داوننج ستريت، حيث يقيم ويعمل رئيس الوزراء البريطاني. وبعد سلسلة من تفجيرات الجيش الجمهوري الآيرلندي في أعوام الثمانينيات، أقامت الحكومة بوابات بسيطة وأغلقت شارعا صغيرا واحدا. بل حتى الفرنسيين الذين يعجبون بالأُبُّهة والفخامة، لديهم مجموعة متواضعة من الحواجز المتحركة والخفيضة حول قصر الأليزيه الذي يأوي الرئيس.
في السياسة الأمريكية اليوم، يُكافأ المسئول فقط حين يكون من أنصار فرض المزيد من القيود الأمنية. لذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رفضت السفارات والقنصليات حول العالم منح تأشيرات لمئات الآلاف من الزوار المؤهلين لأن المسؤولين المعنيين لا يدفعون أي ثمن سياسي مقابل رفضهم هذا. لكنهم لو كانوا قد سمحوا بدخول شخص واحد ارتكب هجوما إرهابيا لجرجروا أمام الكونجرس ووبخوا بقسوة.
نفس هذه العقلية تفسر الأعداد الضخمة من الوثائق التي تصنَّف روتينيا بأنها مواد سرية يُحظر الاطلاع عليها. وكما أوضح لي صديق يعمل في الحكومة «لم يُفصل أي أحد من وظيفته أبدا لأنه قرر أن وثيقة ما سرِّية». والنتيجة هي الإفراط في السرية والذي وضع قيودا على اقتسام المعلومات داخل الحكومة ومع الناس. ( يذكر مايكل هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أنه في إحدى المرات تلقي رسالة تصنيفها الأمني سري للغاية ومكتوب فيها «عيد ميلاد سعيد»).
هذا الإفراط في إجراءات الأمن جزء مما يسميه العالم بول لايت «تضخم « الحكومة. ويعني بذلك إضافة طبقات فوق طبقات من الهرمية والمزيد من الإجراءات مما يجعل منها تنظيما أكثر انغلاقا وبيروقراطية وافتقارا إلى المرونة.
كتب بول لايت أن كوفيد-19 أظهر صعوبة تحديد موضع المحاسبة في الهرمية الفيدرالية. « فأبطال الرعاية الصحية الذين ينتظرون معدات الحماية الشخصية واجهوا 18 إجراء (وظيفة أو مسئول بيروقراطي) بين قمة وزارة الصحة وإدارة الخدمات البشرية ومعدات الحماية الشخصية في مستودعات المخزون الوطني الاستراتيجي. ومؤسسات الأعمال الصغيرة التي تنتظر دعم برنامج حماية الرواتب والأجور واجهت 16 إجراء بين أعلى سلطة في وزارة الخزانة ومكتب برنامج إدارة المؤسسات الصغيرة».
لِمَن يحاول فهم سبب بؤس أداء أمريكا في أوضاع مثل وضع الجائحة وأيضا لماذا لا يثق بها مواطنوها ربما أن هذا جزء جوهري من الإجابة.
الولايات المتحدة الآن شبيهة بالديناصور. حيوان ضخم وأخرق بجسم كبير وعقل صغير. إنها دولة تحظى بحماية جيدة ومتزايدة. لكنها بعيدة عن الناس العاديين ولا تتصدى للتحديات الحقيقية التي تواجه الأمة.

  • عن واشنطن بوست