اللقاح والإجراءات الاحترازية سبيل حفظ الأنفس وتخفيف آثار الجائحة

د. كاظم بن جعفر سليمان

كورونا يحصد أرواح 1583 شخصا في السلطنة –
كتب : عاصم الشيدي ومزنة الفهدية –

في كل يوم يفتح وباء فيروس كورونا «كوفيد-19» قبورا جديدة، ويرحل أحباء دون نظرة وداع أو حتى مجالس عزاء يواسي فيها المحب حبيبه على رحيل حبيب مشترك بينهما. ورغم أن الضوء الواضح في آخر النفق ما زال يعوّل عليه كثيرا مع إجازة أكثر من لقاح «فعّال» إلا أن الموجات الجديدة والمتلاحقة ما زالت ترعب البشرية، وما زال الوباء قويًا وقادرًا على تطوير نفسه ويتحور إلى سلالات أكثر قدرة على العدوى وأكثر قدرة على الأذى. ومع عودة الوفيات في السلطنة إلى ارتفاع بعد أكثر من شهرين من التراجع التدريجي كان لا بد من فهم موضوع الوفيات والعوامل المساعدة فيها.. وهل فيروس كورونا «كوفيد-19» وحده الذي فتح تلك القبور أم أن عوامل أخرى ساهمت بشكل كبير في ذلك الرحيل لتلك الأعداد.
في السلطنة رحل عن عالمنا جراء هذا الوباء أكثر من 1583 شخصا حتى لحظة إعداد هذا التقرير، وهو رقم كبير في مجتمع صغير مثل المجتمع العماني، وكل وفاة أعلنت عنها وزارة الصحة كانت بمثابة خبر سيئ ومساحة حزن للجميع.
وإذا كان العالم قد ودّع أكثر من 2.6 مليون إنسان صنفوا بأنهم ضحايا للفيروس، فإن المساحة الزمنية منذ بدء الوباء حتى الآن باتت تتيح فرصة لطرح الكثير من الأسئلة والبحث عن إجابة دقيقة لها. هل كان فيروس كورونا وحده السبب الرئيسي لكل تلك الوفيات؟ ألم تكن تلك الوفيات مصابة بأمراض أخرى أغلبها مميت أو يؤذن بالموت؟ هذا سؤال جوهري.

حملنا أسئلتنا ووضعناها على طاولة النقاش مع الدكتور كاظم بن جعفر سليمان مدير عام الرعاية الطبية التخصصية بوزارة الصحة.
لم يستغرب الدكتور كاظم من الأسئلة أو يفاجأ بها، إنها أسئلة تدور في محيطه العلمي والعملي بشكل يومي، بل هي أسئلة مطروحة على مستوى منظمة الصحة العالمية.
يقول الدكتور: هذه أسئلة مهمة جدا، والإجابة عنها حتى الآن ليست قطعية ولكن الأرقام والإحصائيات تعطي مؤشرات مهمة في هذا الجانب.
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد أن نسأل: هل الوفيات في عام 2020 الذي حلت فيه الجائحة أكثر من وفيات السنوات الماضية؟ ويجيب الدكتور كاظم عن سؤاله: نعم كانت هناك زيادة ملحوظة جدا بين وفيات عام 2020 وبين السنوات السابقة ما يعني أن تأثير الوباء على عدد الوفيات تأثير ملحوظ.
يستطرد الدكتور كاظم بالقول: عدد وفيات عام 2020 وصلت إلى 10495 وفاة رغم أن وفيات كورونا في السلطنة بدأت في شهر أبريل تقريبا، فيما كان عدد وفيات السنوات الخمس السابقة على النحو الآتي: في عام 2015 كان عدد الوفيات 7774 وفي عام 2016 ارتفع عدد الوفيات إلى 8202 وفي العام التالي كان عدد الوفيات 8482 وفاة وانخفض في عام 2018 إلى 8091 وفاة أما في عام 2019 فكان عدد الوفيات في السلطنة 8329 وفاة.
وبالمقارنة بين عام الوباء 2020 والعام الذي سبقه فإن عدد الوفيات في السلطنة ارتفع بزيادة قدرها 2166 حالة بينها 1499 وفاة صنفت أنها بسبب فيروس كورونا.
ويكمل الدكتور حديثه بالقول: كانت نسبة الزيادة في عدد الوفيات عام 2020 مقدارها 0.5% لكل ألف شخص مقارنة بعام 2019 مؤكدًا أن 69% من الزيادة سببها فيروس كورونا والباقي جارٍ دراسة أسبابه. وشكلت نسبة الوفيات المسجلة في السلطنة العام الماضي بسبب كورونا 14% من إجمالي الوفيات وهي نسبة تعتبر عالية.
وحول عدد الوفيات لكل 1000 شخص في السلطنة قال الدكتور كاظم كانت تتراوح بين 1.8 و1.9 لكل ألف وفي عام 2020 ارتفعت لتكون 2.3 لكل 1000 شخص وهذا ارتفاع يدل على خطورة الفيروس.
وحول الدراسة التي أجرتها سابقا وزارة الصحة لتدقيق أسباب وفاة أول 1000 حالة فقد تبين أن 15% من تلك الوفيات لم يكن فيروس كورونا السبب المباشر لها.
وتشير أرقام حصلت عليها «عمان» إلى أن نسبة الوفيات في السلطنة بسبب «كوفيد-19» من بين مجموع الوفيات كانت 1.3% في شهر أبريل، ثم ارتفعت لتكون 4.3% في شهر مايو، و16.2% في شهر يونيو و25.2% في شهر يوليو بل إنها وصلت في شهر أكتوبر لتكون 27.2% قبل أن تتراجع إلى 8.7% في شهر ديسمبر من العام الماضي.
ويعلّق الدكتور كاظم على هذه الأرقام بالقول إن هذه النسبة فارقة جدا وتشكل نسبة مهمة، لكن لا يمكن قراءتها بمعزل عن تصور الحقيقة الكاملة، والحقيقة تقول: إننا بسبب الجائحة أوقفنا الكثير من الخدمات الطبية التي كانت تقدم للمرضى، طبعا عدا الخدمات الطارئة وشبه المستعجلة التي لم تتوقف طوال العام، وهذا السبب لا شك أنه انعكس على المرضى وربما كان له الأثر في زيادة عدد الوفيات ولو بنسبة معينة. أما السبب الآخر الذي تحدث عنه الدكتور كاظم فيتمثل في خوف بعض المرضى من زيارة المستشفى خلال الجائحة تجنبًا للعدوى مما أدى ذلك إلى تفاقم المرض وهذا بدوره ربما انعكس على معدل الوفيات العام.
يصمت الدكتور كاظم قليلا ويتأمل بعض الإحصائيات أمامه قبل أن يعود للقول: رصدنا دخول بعض المرضى للمستشفيات نتيجة مضاعفات تأخرهم عن زيارة المستشفى. ما يعني في النهاية أن مرض «كوفيد-19» أثر على المعدل العام للوفيات التي لا تسجل على أنها «كوفيد-19» وهذا ما يمكن أن نسميه تأثيرا غير مباشر.
وعندما طرحنا عليه سؤالا حول البروتوكول المعتمد في تحديد وفيات «كوفيد-19» أجاب الدكتور كاظم قائلا: هناك إشكالية في هذا الجانب، لأن إرشادات منظمة الصحة العالمية التي نتبناها تحدد متى تسجل حالة الوفاة بسبب «كوفيد-19» ومتى لا تسجل، ولكن هناك منطقة رمادية واسعة.
ويوضح الدكتور ماهية هذه المنطقة بالقول: يدخل مريض «كوفيد-19» للمستشفى ولديه التهاب في الصدر، ثم يتوفى بسببه، وهذا واضح أنه يقيد وفق الإرشادات أن سبب وفاته فيروس «كوفيد-19»، ويدخل مريض آخر المستشفى بسبب إصابته بفيروس «كوفيد-19»، ثم يشفى منه وتتحسن صحته وبعد شهر يتوفى ولذلك لا تقيد وفاته بأن سببها «كوفيد-19».. لكن هناك منطقة رمادية على سبيل المثال: أتى عامل وافد للمستشفى وقد سقط من فوق بناية حيث كان يقوم بأعمال الصبغ وحصل معه نزيف في الرأس وتلقى العلاج ولكن وجد أن لديه حرارة مرتفعة وأجري له فحص كورونا وجاءت نتيجته إيجابية، وتوفي الرجل، فهل تسجل وفاته «كوفيد-19» أم تسجل وفاة بسبب النزيف؟ هذه منطقة رمادية غير واضحة حتى الآن وقيدت بسببها بعض الوفيات باعتبارها «كوفيد-19».
هناك مرضى آخرون يدخلون المستشفى مصابين بفيروس كورونا، وتحصل لديهم التهابات أخرى أو مضاعفات بعض الأدوية تؤدي إلى الوفاة، هنا يحدث أيضًا اختلاف في تعريف السبب المباشر للوفاة، الذين يقولون إن السبب هو الفيروس يعتمدون على فكرة أنه لو لم يكن مصابا بالفيروس لما حصل له التهاب آخر ولما أخذ الدواء الذي سبب له المضاعفات!
وعندما سألنا الدكتور عن الأمراض المزمنة التي كانت تعاني منها وفيات كورونا قال: 988 حالة وفاة كانت لأشخاص أعمارهم 60 سنة فما فوق، و574 أعمارهم أقل من 60 سنة، وثلث المتوفين لديهم ثلاثة عوامل خطورة أو أكثر مثل: السكري وضغط الدم على سبيل المثال.
أما التاريخ المرضي لهذه الوفيات فتتمثل في أن 53% من عدد المتوفين مصابون بمرض السكري، و55% لديهم ارتفاع في ضغط الدم، و25% لديهم أمراض القلب، و18% لديهم أمراض الكلى المزمنة، و9% لديهم سمنة مفرطة و6% لديهم ورم خبيث أو يتناولون أدوية تقلل المناعة.
وعندما سألنا الدكتور كاظم عن الحالات التي تصاب بـ«كوفيد-19» وتشفى وبعد فترة يتوفاها الله.. هل هناك آثار تركها الفيروس ساهمت في الوفاة ولو بعد وقت؟ أجاب: هذا المرض جديد، وليست لدينا معلومات كثيرة عنه حتى الآن رغم مرور عام على ظهوره، ولكن توضح بعض الدراسات أن هذا الفيروس ربما تكون له آثار تستمر لفترة طويلة.
ومن ناحية التعريف فالشخص الذي أصيب بالفيروس ومرت عليه عشرة أيام وليست لديه أعراض يعتبر قد شفي حتى لو كان فحصه ما زال موجبا، لأن الفحص الذي نجريه لا يوضح ما إذا كان الفيروس حيًا أو ميتًا، بل يوضح ما إذا كان الفيروس موجودًا أم لا، ولكن لا نستطيع تصنيف من توفي بعد هذه المدة بأنه قد توفي بسبب كورونا ولكن أيضًا لا نستطيع الجزم بأن كورونا بريء من الوفاة أيضا، إلا أن الحالة لا تقيد في سجل الوفاة بأن سببها كورونا وفق التعريف المعتمد عالميا.
وحول نسبة الوفيات في السلطنة يقول الدكتور كاظم: نسبة الوفيات في السلطنة منخفضة مقارنة بالنسبة العالمية وما زالت حتى الآن تدور حول 1.1% فيما النسبة العالمية هي 2.5% وبعض الدول وصلت نسبة الوفيات فيها إلى 12%.
ويعطي الدكتور كاظم إحصائية عن عدد الذين دخلوا المستشفى بسبب هذا الفيروس حتى لحظة كتابة هذا التقرير حيث وصل عددهم إلى 10706 دخل منهم 2867 للعناية المركزة أي ما نسبته 26.7%، بينما ينوم في المستشفى بين 5 و6% من عدد المصابين بعدوى الفيروس.
وقال الدكتور كاظم بن جعفر سليمان مدير عام الرعاية الطبية التخصصية بوزارة الصحة: إن وزارة الصحة تراقب بكثير من القلق الحالة الوبائية في السلطنة والحالة الوبائية في المنطقة بشكل عام وهي مقلقة أيضًا ولكنه أكد أن السلطنة مستعدة لكل السيناريوهات التي يمكن أن تحصل بسبب السلالات الجديدة التي دخلت للسلطنة.. ولكن مدير عام الرعاية التخصصية يرى أن الحل الأمثل أن يلتزم الناس بالإجراءات الاحترازية ويقبلوا على أخذ اللقاح لأنه يرى أن هذا هو السبيل الوحيد لحفظ الأرواح والتخفيف من آثار الجائحة وتجنب السيناريوهات الصعبة التي عشناها في العام الماضي.
ما زال الوباء يفتح قبورا كل يوم، ليس في السلطنة وحدها، ولكن قبورا في كل بقاع العالم، وعندما يفتح قبر جديد يفتح معه باب من أبواب الحزن والألم، وتذهب أرواح إلى عالم آخر ولا نعود نراها مرة أخرى ولا تبقى منها إلا الذكريات.