ماهي حاجة الأدب للنقد، وهل لدينا نقاد حقيقيون لا يقتلون الإبداع ؟

من الظالم ومن المظلوم بينهما، وعلى أي سكة تسير العلاقة بين الناقد والكاتب..
تحقيق: بسام جميدة –

قبل عدة سنوات فتح الكاتب العراقي صموئيل شمعون النار على النقاد في الوطن العربي، وسألته حينها عن السبب في هذا الهجوم فقال لي: «أنا أعرفهم جيدا، وأعرف أنهم فاسدون»، رده كان تعليقا على ما كتبه في الـ«فيسبوك» حينها: «فيصل دراج لا يقرأ. محمد برادة لا يقرأ، صبري حافظ لا يقرأ. صلاح فضل لا يقرأ. نبيل سليمان لا يقرأ. هؤلاء هم النقاد العرب. يكتبون عن أصدقائهم فقط، يكتبون عمن يدعوهم إلى المطاعم… بئس النقد الأدبي العربي، بالنسبة لصديقنا عبده وازن، فهو كريم ولطيف، ولكنه لا يقرأ».
وعندما عاودته الآن عن ذات الموضوع أجاب: «إن وقتي الثمين لا يسمح لي في الخوض بالموضوع لأنهم لا يستحقون، الأهم أن نوجد البديل هي المهمة المطلوبة، يجب منح الفرصة لبروز نقاد شباب وأسماء جديدة، هذه أفضل طريقة للتخلص من تلك «…» التي تم ذكرها»
هذا صورة من سجال دائم بين طرفي معادلة لم تكن متوافقة إلا في أوقات قليلة، بل قليلة جدا، ومن هذا المنطلق بدأت هذا التحقيق لاستطلع آراء الطرفين وطرحت عدة محاور، البعض أجاب بواقعية والبعض بدبلوماسية، والبعض اعتذر لأن علاقته مع النقاد ليست على ما يرام، وهناك كثر رفضوا الإجابة ولم يبرروا الرفض.
وتلخصت محاوري حول: كيف ترى موضوع النقد الأدبي وتعامل النقاد مع الأدباء؟ وهل النقاد مظلومون؟ وهل النقد يواكب ما يكتب بشكل منطقي؟ وهل لدينا نقاد حقيقيون؟ وكم هي حاجة الأدب للنقد؟…وكيف تتعامل مع النقد والنقاد..؟

حالة الإبداع والنقد متصدعة في الأغلب والعلاقة بينهما متوترة

الأديبة العمانية عزيزة الطائية «ما أصعب الحديث عن المشهد النقدي في الوطن العربي كافة، وما أكثر ما يدور عنه ويلتبس بعضه ببعض! ذاك النقد الذي يؤسس لنظريات، يحتاجها الكاتب قبل الناقد لتنقيح نصه الإبداعي، ويلقي به إلى رؤية الناقد. وإذا سلمنا أن الغاية من النقد هي تقويم النص بما فيه من جمال وقبح، قوة وضعف سيظفر المبدع والقارئ معا بالمعنى الحقيقي لجماليات النص الأدبي، وقيمة النص المقروء وما يحمله من خصائص وثيمات تتجلى بنيتها كجنس قولي يتسم في بنائه ومعطياته ومستويات تطوره».
وتابعت الطائية «هناك نقاد عرب لهم إسهاماتهم في تجلي الخطاب النقدي والتعريف بنظرياته، ولكن عندما نقارب المشهد النقدي بشكل عام تواجهنا معضلات كثيرة منها ما يتعلق بالكاتب، وأخرى يتعلق بالناقد. النقد حالة فاعلة تواكب الحراك الأدبي وهي حالة تأتي تاليا، بعد الكتابة الإبداعية لتستشرف المنجز الأدبي في كل فنونه وصنوفه من الشعر والرواية والقصة وتضيء عليه بما أمكنها من أدوات إجرائية وجمالية ورؤيوية، وأن للنقد دوره المهم والضروري والمفصلي في المتن الأدبي، نستطيع أن نشخص واقع الحال الذي عليه النقد، والعلاقة الملتبسة بين الكاتب والناقد من جهة، والنص وقارئه من جهة أخرى، علاوة على أثر الترويج للكاتب ونصه في آن».
وأضافت: «حالة الإبداع والنقد متصدعة في الأغلب والعلاقة بينهما ليست على ما يرام في أكثر الأحوال والحالات، فهي متوترة ومهتزة ومربكة وشائكة بشكها وإشكالاتها وفي الأحايين الأقل مقبولة ومعقولة ومنهجية بعض الشيء، وتبقى الأسئلة مشتغلة ومشتعلة بينهما في وسط لا يستقر على توافقات وترافقات وتآلفات قوية ومهنية وجمالية تخدم المنجز الأدبي عموما، وهذه التصادمات المتواترة بينهما تجعلنا نوقن أن هذه الحالة المشتبكة المربكة مصدرها مجموعة مؤشرات تحدد لنا المدرسة التي ينتمي إليها الناقد، بل فكر الناقد نفسه ونظرته أثناء قراءة العمل الأدبي ونوعه. لذلك نجد العلاقة بين الناقد والمبدع تتشكل على أشكال متنوعة:
علاقة سياجها التوافق، أو التضاد، أو الحياد، أو التجاهل، أو التحامل، أو المجاملة، حتى يغدو النص الأدبي لا مصداقية فيه عند نقده، ولا تتشكل الثقة بين الكاتب والناقد والقارئ؛ وتصبح كل علاقة من هذه العلاقات محاصرة ومربكة ويتطلب بحثا ودرسا ليتضح لنا مسار المشهد الثقافي بإشكالياته بين الصدق والمجاملة والحياد والنفور والتجاهل.
العلاقة بين طرفي المعادلة تنعكس على مجمل النشاطات الثقافية لما تتميز به من دقة وحساسية. وكلما كان الطرفان على جانب من الوعي ونكران الذات لخدمة الإبداع والأدب ارتفع مستوى الأداء الثقافي والفكري».

أتذمر من السلفية والأصولية النقدية والأدبية

الكاتب السوري هوشنك أوسي قال: «لستُ ناقداً. وبحكم متابعتي واشتغالي في حقل الكتابة الإبداعيّة، يمكنني القول: واقعُ النقد في عالمنا، هو مِن واقع الفساد الثقافي الذي نعيشه. ولئلا أوقع نفسي في إطلاق الأحكام العامّة، (لأن التعميم يفيد التعتيم)، النقّاد الحقيقيّون قلّة في كل العصور. أولئك الذين يتناولون النصوص في معزل عن صيت وبهرجة وسطوة وقداسة أسماء أصحاب النصوص، سواء أكانوا أصدقاء لهم، أو خصوم أو على خلاف معهم. «النقّاد قلّة. وجرى ذلك عبر التاريخ» أجدُ هذا القول للناقد خالد حسين، في محلّه. لأن الفلاسفة، الأنبياء، المصلحين، المبدعين، حصيلة نتاجاتهم كانت تفسيرا للحياة، الموت، الوجود، الأنا، الآخر، الخير، الشرّ، القبح، الجمال، الفضيلة والرذيلة. وعليه، أرى النقدَ فعلاً إبداعيّاً، لأنه يرى في الأشياء والظواهر ما لا يمكننا رؤيته. النقد ملحُ الآداب والفنون. فإن فَسُدَ الملح، عن أيّة آداب وفنون يمكننا التحدّث؟!
شخصيّاً، لا أتذّمر من قلّة النقّاد، بل من السلفيّة والأصوليّة النقديّة والأدبيّة التي يؤسسها لها أغلبهم. الكثير من النقّاد يتذمّرون من غزارة الكتابات وما يُنشر، وأن هناك استسهالا واستعجالا في الكتابة. ويتّخذون من ذلك، تبريراً لعدم متابعتهم ما هو جديد. ويحصرون الإبداع في السلف الصالح من أدباء القرن الماضي. أحد عتاة وفطاحلة النقد العربي قالها في ملتقى الرواية في القاهرة أنه «لا يقرأ 10 روايات في السنة. ويفضّل قراءة الروايات الأجنبيّة على العربيّة». هكذا رأي ساخط، ناقم، متذمّر، لا يشتبك مع ما هو جديد، بشكل جاد، كيف له أن يفيد حركة النقد والإبداع معاً؟!
أعتقد أن النتاج الأدبي بات سابقا على النتاج النقدي، وعلى النقد اللحاق به. ومن يوصد الباب أمام الاجتهاد في الأدب، كمن أوصد الباب أمام الاجتهاد في الفقه، قبل قرون (الغزالي). الغلو هو هو، والسلفية ذاتها، هنا وهناك. فمَن اجتهد بدون علم، سقط وأسقط، ولا يحتاج لإيصاد الباب أمامهُ، بحجّة تجنيب الناس غثّه ورثاثته. ومَن اجتهد بعلم، رفعَ وارتفعَ، ولن تنفعَ في شيء أبوابك الموصدة في وجهه. عن الناقد الحداثوي – (السلفي) أتحدّث.
علاقتي بالنقد جيّدة. أقرأه، ولا أحبّه كثيراً. النقد يفسد فطرة الكتابة، عبر النظريات والمناهج. علاقتي مع النقّاد مقبولة. آراؤهم تهمّني، وليست مجبراً على الأخذ بها، مائة بالمائة».

لكل إبداع قالبه النقدي الخاص

الأديب والناقد الأردني محمود الرجبي: «أعتقد أن المهم عند قراءة أي نص، سواء أكانت نظرتنا إليه نابعة من نظرية نقدية أو مفاهيم وقناعات حديثة أو تقليدية، أو حتى من خليط أو كوكتيل من كل الآراء والمصطلحات والمدارس النقدية التي تأثرنا بها، وبالتالي الحكم عليه بعد مضغه ومحاولة هضمه أو بصقه خارج معدة العقل، أن نتذكر دائما: أن أية محاولة نقدية أو حتى أية نظرية نقدية خاصة بنا أو بغيرنا، لا تبلغ مهما بلغت من الكمال بالنسبة لنا، هي ليست أكثر من وجهة نظر خاصة بصاحبها فقط، قد يتفق معه بخصوصها الكثيرون أو يرفضها الكثيرون، وأي حكم على نص بأنه سيء، ولا يحقق شروطا أو تجنيسا محددا، سوف يسقط عند قدمي أي قارئ جديد مهما كان مستواه المعرفي، إذا صفق للنص الذي لا يعجبك، فإذا اتفق الذوق الهابط لمليون قارئ، على روعة نص ما، فماذا ستفعل بسمو ذوقك الخارق، في العصر الخطأ ؟!»
وتابع الرجبي قائلا: «القراءة النقدية تحتاج إلى معرفة في أصول النقد، وإلى تجاوز أسوار وأبواب ونوافذ سجن الفهم والأفكار المسبقة عن الكاتب، والغوص عميقاً فيها، والسفر في ما بين السطور وما وراء الظاهر من النص، أو حتى ابتكار نظرية نقدية جديدة خاصة لها، فكل إبداع له قالبه الخاص به، وعلى الكاتب أو المبدع أن يتطور ويجرب دائماً، وإلا أصبح أقل من مستوى قارئه، الذي يزداد مستواه الثقافي مع كل قراءة سانحة.
عند القراءة النقدية لأي نص، يجب أن تحدد النظرية النقدية التي ستقرأ النص من خلالها، أو تعتمد على رؤيتك الخاصة بك التي تكونت نتيجة دمج النظريات النقدية في رأسك مع بعضها، أو حتى القفز عنها كلها، ولكن تبقى ضرورة امتلاكك الشروط الخاصة بالنقد، والتي تؤهلك للقيام بالحفر في تربة النص وإخراج الكنوز الكامنة، وأدوات الحفر هي: فؤوس ومعاول اللغة والثقافة والحيادية والعدالة في الحكم والبعد عن الهوى والأحكام المسبقة.. النقد ليس مجرد شعور وإحساس فقط أو ترديد لأوهام بعض الفاشلين في الأدب الذين يحاولون تصغير أو تحويل كل شيء على مقاسهم أو مجاراة لبعض الجاهلين الذين لك مصلحة في إرضائهم، وإلا لكان الببغاء من أعظم النقاد، وكانت كلمة (أعجبني) تكفي عن أيِّ كتاب نقد».

نمتلك مواهب نقدية ولا نمتلك مدارس ومذاهب نقدية

د. يوسف حطّيني أكاديمي فلسطيني في النقد الأدبي الحديث: «الإبداع يحتاج إلى النقد، مثلما يحتاج النقد إلى الإبداع، فكلّ منهما يصقل الآخر ويهذّبه؛ فعندما أمارس النقد الموضوعي أقدّم للمبدع عصارة تجربة وفكر، وسيكون طبيعياً أن يفيد منه في تجاربه القادمة، ومن جهة أخرى فإنني أفيد من إبداعه في تطوير أدواتي النقدية، وربما أفيد أيضا، في تطوير مدرسة النقد وتجديد مفاهيمها.
فالعلاقة بين النقد والإبداع علاقة جدلية يقدّم كلّ من طرفيها للآخر معرفة وذائقة وثقافة، شريطة أن يقوم الإبداع على روح الجمال والمعرفة، وأن يقوم النقد على الذائقة والثقافة: فالنص بلا جمال جسد بلا روح، وهو بلا معرفة مجرد زخرف لفظي، وأما النقد فإنه يتحول حين يفقد الذائقة الشخصية إلى عبارات منهجية مكرورة، وحين يفتقد المعرفة يتحول إلى انطباع شخصي يتراوح بين المجاملة والإساءة.
ليس هناك نصّ إبداعي سيئ تماماً بكل ما فيه، وليس هناك نص سبكته الآلهة؛ فنحن نتعامل مع نصوص بشرية، وربما كان من الأفضل للنقاد أن يبحثوا عن مكامن الجمال وعن مواطن الضعف في أي عمل يقفون إزاءه؛ لأنّ من الظلم للنقد والإبداع معاً أن نؤخذ بالأسماء الكبيرة، ونكتب في حضرتها تقريظات ومدحيات ترفعهم إلى مرتبة القديسين، وحين نأتي إلى المبدعين الشباب نستعرض أمامهم عضلاتنا النقدية، وثقافتنا ومصطلحاتنا، ونجني عليهم وربما نقتل فيهم روح الإبداع دون أن ندري.
حتى يتطور النقد نحن بحاجة إلى التعامل مع غير الراسخ وغير المستقر؛ فليس ثمة فكرة جديدة في أن تتحدث عن براعة محمود درويش في اختيار رموزه ودلالاتها، وليس شيئاً سابقاً لعصره أن تتغنى بأسلوب نجيب محفوظ، ولكنّ الجديد والمفيد أيضاً أن نلتفت، دون أن تهمل هؤلاء، إلى الكتاب الجدد وتعمل على ترسيخ من يستحق منهم في خارطة الإبداع. هكذا نصنع النقد الحقيقي، وهكذا يقوم النقد بدوره المنوط به.
ثمة أمر آخر تنبغي الإشارة إليه هو أننا نمتلك مواهب نقدية في الوطن العربي، ولكننا لا نمتلك مدارس ومذاهب نقدية، كما يفتقر نقدنا الأدبي في أغلب الأحيان إلى الممارسة النقدية لصالح التنظير الذي يتم استيراده غالباً مما أنجزه النقد الأجنبي. وأرى أن النقد العربي لا يمكن أن يتطور إلى الحد المقبول إلا إذا استنتج نظرياته من ممارساته النقدية التطبيقية».

المجاملات والشللية تحكم الأوساط الثقافية والنقد ميت

الكاتب والشاعر المصري الشربيني عاشور: «النقد الجاد حاليا يمر بوعكة صحية ربما يكون من أسبابها أنه فقد الاهتمام من جانب القراء ومن حيث النشر. وقد فاقم من هذه الحالة، انزلاق كثير مما يكتب في هذا المجال إلى دائرة المجاملات والشللية التي تحكم كثيرا من الأوساط الثقافية. حيث يجري الاهتمام ببعض الأعمال على أساس «العلاقات الطيبة» بين الكتاب وكثير ممن يتصدى للنقد اليوم! كما أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي سمح بتقليص دور الناقد الجاد، ليحل محله القارئ الذي أصبح ناقدًا انطباعيًا بالأساس بوسعه أن يقول رأيه في العمل بصورة مباشرة. وهي حالة استغلها بعض الكتاب المعروفين لتسويق أعمالها عبر متابعيهم في صفحات الفيس بوك ـ على سبيل المثال ـ دون الحاجة إلى الناقد الجاد الذي يمكن أن يفصص أعمالهم ويبين ما فيها من جمال أو خروقات إبداعية.
إن بعض الكتاب يمتلكون من الأصدقاء آلاف المتابعين الذين يتواصلون معهم بوسائل أسميها «جر رِجْل» ويسمونها «تفاعل» فيخيرونهم في لون الغلاف وعنوان الكتاب، وأحيانًا الموضوعات التي يودون الكتابة فيها! وبذلك يخلقون حالة من الصداقة الافتراضية التي يضمنون بها مزيدًا من المبيعات. مما يؤدي إلى استغنائهم عن النقد الذي كان من الممكن (في الماضي) أن يعلي من شأن الكتاب أو يخفضه.
ولا أعتقد أن النقد أصبح باستطاعته مواكبة كل ما يكتب. إما بسبب ما أشرت إليه من قيام كثير من النقد على العلاقات الطيبة وإما بسبب كثرة الإنتاج المنشور الذي وفرته وسائل وكيفيات الطباعة الحديثة. وبخاصة في دور النشر التي لم يعد يعنيها جودة العمل مقابل أن الكاتب نفسه يتحمل تكاليف الطباعة، مما أدي إلى امتلاء سوق النشر بالرديء وفي الوقت نفسه «توهان» الجيد وسط هذا الكم، وعجز الناقد الجاد عن الملاحقة والمتابعة.
نعم هناك نقاد حقيقيون، ولكنهم للأسباب السابقة وغيرها لم يعودوا نجومًا كما كان النقاد في الماضي، وأغلبهم آثروا الصمت والسلامة عن أن يخوضوا في هذا «الزحام الإرجافي» والسوق المنصوبة للتقريظ المجاني في كثير من الأحيان.
فيما مضى كان الناقد وسيطًا بين القارئ والكاتب، الوضع اختلف الآن حيث يمكن إعلان «موت النقد» بمعناه الكلاسيكي والأكاديمي ليحل محله «النقد التيك آوي» أو نقد القارئ الانطباعي على شاكلة «جميل ، ورائع، وأنصح بقراءته» أو على طريقة «كل العزَّاب غير متزوجين»!

أما كيف أتعامل مع النقد والنقاد؟ فبوسعي أن أجيبك: «اعطني عناوينهم لأتعامل معهم»!»

لدينا نقاد حقيقيون والأدب بحاجة للنقد والبعض مزاجيون

انتصار السري كاتبة من اليمن: «النقد الأدبي مهم كثيرا بالنسبة للأعمال الأدبية، فهو يمثل مرآة للنص، ويعكس ما وراء الحروف، ويقدم النص للقارئ المهتم، بالنسبة لتعامل النقاد مع الأدباء فهناك نقاد لا يكتبون نقدا إلا في مناسبات حفل توقيع الكتاب، أو محاباة لصديق، والقليل منهم من يعمل قراءة نقدية تخدم النص وللنص فقط ، قد يكون الناقد مظلوم وقد يكون هو من يظلم نفسه.
وتابعت السري قائلة: ما يقدم من أعمال أدبية كثيرة لا أظن أن النقد يتمكن من مواكبة كل ذلك الجديد، وخاصة عندما نجد أعمال ضعيفة ويصاحبها قراءة ترفع من أهمية تلك الأعمال التي لا ترقى إلى مستوى العمل الأدبي الجيد.
نعم لدينا نقاد حقيقيون ويقدموا نقدا جادا وله مكانته، ويصدرون قراءاتهم في كتب يستفيد منها الكاتب والناقد المبتدئ الراغب في تعلم فنون النقد ومدارسها النقدية المختلفة من نقاد كبار لهم شأنهم.
نعم الأدب بحاجة للنقد وتقديمه للأعمال الأديبة، وتسليط الضوء على الأعمال الأدبية الجديدة بما يخدمها ويستفيد منه الكاتب.
نحن هنا في اليمن قد يكون النقد مغيبا وأعمال كثيرة تخرج إلى النور ولا تجد الناقد الذي يواكبها، قد يكون بسبب ما يحدث في اليمن من حصار وحرب واتجاه النقاد للبحث عن لقمة العيش، وخاصة أن الأدب لا يأكل عيش في وطن الحروب والصراعات السياسية، فنجدهم يتقاعسون عن حضور الفعاليات الأدبية التي تحتفل بكل إصدار جديد للأدباء، وأن وجد ذلك الناقد فإما يمدح في مكان الضعف أو يقدح في مكامن القوة، وبعض النقاد تكن قراءتهم حسب مشاعره من الكاتب، وليس للنص دون النظر إلى شخصية صاحب ذلك العمل الأدبي.
أي كاتب يفرح بالنقد البناء الذي يخدم نصه، وبما يقدمه ذلك النقد من فائدة له في تطوير نصوصه، بالنسبة لي النقد قدم لي الكثير واستفدت منه الكثير في تطوير نصوصي ومن خلال ذلك أحاول أن أواكب وأقرأ كل جديد في النقد العربي والنقد المترجم».

هناك اختلاط ما بين القراءة النقدية وطقوس الاحتفاء

الناقد والإعلامي الفلسطيني أحمد هلال: «لا يمكن النظر إلى موضوع النقد الأدبي بوصفه مستقلاً إلا بفعالياته الإجرائية وأدواته المفهومية، فهو جزء حيوي من الثقافة ومكوناتها لا سيما على مستوى العلاقة مع الإبداع بأجناسه المختلفة، كما الفنون الجميلة، وأي نظرة تفصله عن فعاليته الثقافية والحضارية تنطوي على نقص فادح، وتجزيئ مخل وتبسيط له من الخفة ما له، وهذا ما وقر في الخطاب النقدي – كما يُفترض- والمستشرف لآفاقه على الرغم من أن النقد الأدبي العربي هو غابة الشجن بامتياز، نظراً لما تمر به حركته من مفارقات وانعطافات وانخطافات بعينها، فما نبحث عنه هو فكر النقد وثقافة النقد التي تتطلب من الناقد أن يكون صاحب ذائقة فنية وعلمية، لأن النقد هو فن وعلم بآن معاً، فضلاً عما يتطلبه من حساسية ضرورية للناقد في مقاربته للأثر الإبداعي، طبعاً دون أن ينتهي إلى أحكام نهائية وقطعية، بل إلى معايير تمكنه من إعطاء حكم القيمة المرتبط بصيرورة النص الإبداعي.
ويزعم الكثير من المبدعين بمظلوميتهم مع النقاد، ويردون ذلك إلى عدم امتلاك الناقد لأدواته وثقافته، وذلك ما يُبرز شكلان من تعامل النقاد مع الأدباء، الشكل الأول: هو النقد الشللي/ الإخواني، والثاني: هو النقد الحصيف، وعلى ذلك علينا أن نتبين من خلال تلك الطرائق مرجعيات الناقد وثقافته وحساسيته في نقده وكم هو على مسافة من المبدع، بل نص المبدع.
ونتيجة طغيان النقد الصحفي وانكفاء النقد الجامعي قليلاً، ثمة مواكبات تتطير إلى الصحافة أكثر ومنها إلى المراكز الثقافية، إذ ثمة اختلاط ما بين القراءة النقدية وطقوس الاحتفاء، فمن الصعوبة بمكان أن يواكب النقد كل ما يُكتب، لكن السؤال الرئيس هو هل كل ما يُكتب نقداً سيعني الإبداع واستشرافه والقبض على قيمته؟.
الناقد الحقيقي موجود بالضرورة لكنه نادر بسبب اختلاطات المشهد الثقافي وقلق صيرورته، والهواة الذين يقتحمون المشهد وبعضهم يقتحم المشهد بالكثير من التخريب تحت مسمى التجريب.
حاجة الأدب للنقد هي أكثر من حاجة أخلاقية، هي حاجة معرفية بامتياز ستنعكس على تطور المشهد الثقافي، بل الثقافة بعامة، فالعلاقة جدلية هنا ومن شأنها أن تثري الناقد والمنقود، وتضيف قيماً حضارية لابد منها من أجل الارتقاء بالفكر والإبداع».
اتهامات بالجملة
بوست شمعون دفع أكثر من 150 كاتبا عربيا لاتهام النقاد بأنهم يكتبون عمن «يطعمهم ويسقيهم ويقدم لهم وللأصحاب فقط وغالبا ما تكون مجاملات».
ورد الكاتب العراقي محمد علوان «أضف إلى القائمة الكثير الكثير من النقاد ممن لا يقرؤون ولكنهم يكتبون».
ووصف الكاتب هيثم حسين برده الأمر بـ»نقد تحت الطلب». وكتب الكاتب المغربي لطيف عدنان «عكس نماذج من تراثنا كالآمدي للمثال لا الحصر، لم تترسخ ثقافة التفكيك والنقد بعد فينا، ولا زلنا نقارب النقد كعملية تأويل تتحكم فيها الذائقة ومدى انفتاح النص على إمكانية إسقاط عدتنا التأويلية الملقنة تلقينا من إحدى المدارس. بكل بساطة نفتقد فن القراءة والاستسلام للنص بما فيه وليس بما نود أن يكون فيه أو لعلاقتنا مع من وضع ما فيه».
ورد الشاعر السعودي محمد الدميني بالقول: نعم.. نعم لا يقرؤون يا صموئيل.. القراءة لدينا فقدت وظيفتها التاريخية، وليس بريقها وصداها المعتاد..! هذا خطر حقيقي لكن لا أحد يكترث.. فالمهم أن يقرأك الآخر على تويتر والفيسبوك وأن تزداد صورك البرمائية على الانستجرام» فيما أشار الشاعر المصري عبدالله السمطي قائلا «من واقع معرفتي ببعضهم أضيف أيضا: أنهم إذا قرؤوا لا يقرؤون العمل كاملا، وبعضهم يطلب من تلامذته تلخيص العمل المراد نقده ثم يكتب هو مقالة معتمدا على خبرته النقدية. ثم إن هذا الجيل قدم ما عليه ولا معول عليه الآن لأنهم تحولوا من مسؤولية النقد إلى العلاقات العامة. حتى عبده وازن ناقد صحفي بوظيفة: محرر علاقات عامة».
دعوة للتكاتف
ليس بوارد الوقوف مع هذا الطرف ضد ذاك، ولكن من خلال متابعتي وحواراتي مع الكثيرين لمست فجوة عميقة نابعة من عدم الثقة، فلا الناقد يرضي الكاتب، ولا الأديب يقتنع بما يكتب ضد ما كتب. المجاملة موجودة، وحالة من التهشيم المتعمد أحيانا لبعض الكتاب، وكذلك الشللية، وحالة النرجسية لدى بعض النقاد الذين يحملون صكوك الإبداع ليوزعوها على من يشاءون مستفيدين من نفوذهم في الوسط الإعلامي، بل إن بعضهم يرفض النقاد الجدد.
بالمقابل هناك نقاد يعملون بجد واجتهاد، يُقيّمون ويشجعون بأساليب راقية، دون أن يحاولوا قتل الحالات الإبداعية التي لا تتوافق مع النظريات النقدية، وهناك أدباء تحملوا الكثير، بل ومضوا في رسالتهم الإبداعية رغم كل الصعاب.
ويمكن الإشارة إلى مبدعين عالميين وعرب قدموا أدبا «شعرا ورواية وقصة ونثرا» غير مبالين بالنظم الصارمة للنقد ولا للأجناس الأدبية التي يعتبرها البعض مقدسة، فتابعنا أدبا تم الاعتراف به على أنه تجديد في المسار الأدبي رغم أنف كل الذين عارضوه بالنقد اللاذع.
الجدل سيبقى مستمرا، مادام الإبداع موجودا ونأمل أن يتعاون ويتكاتف الطرفان من اجل خلق حالة إبداعية تصل بمبدعينا وأعمالهم للعالمية بدل البقاء داخل الأسوار متجادلين ومتباغضين.