نوافذ: حدود فاصلة

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

يتخذ مفهوم الـ “حدود” في الذاكرة الجمعية أهمية بالغة، فهو يذهب إلى معاني كثيرة: سياسية، اجتماعية، أمنية، جغرافية، ويندرج تحت مفاهيم: معنوية ومادية، قيمية وعرفية، أنظمة وقوانين، وبالتالي فالمعنى خاضع وفق السياق الذي تذكر فيه الـ “الحدود” ومن خلال المعنى يمكن الحكم على حساسية المعنى، وأهميته، ومكانته في هذه الذاكرة، وإذا كانت الـ “حدود” الدولية (جغرافية/سياسية) كانت هي الشاغل، ولا تزال في كثير من الممارسات السياسية؛ على وجه الخصوص؛ فإن الـ “حدود” الاجتماعية؛ وخصوصياتها العلائقية؛ هي الأخرى تأتي في المرتبة الأولى؛ وفق تقديري الشخصي؛ ذلك لأن جل المعاملات، والتعاملات اليومية بين الأفراد قائمة على الـ “حدود” الاجتماعية، وحساسيتها تنبرئ من أهمية العلاقات القائمة بين الأفراد، لأن أي تجاوز لهذه الـ “حدود” في إطارها الاجتماعي، معناه الدخول المباشر في خصوصية الآخر، وهي خصوصية لها مكانتها الكبرى، وقد حصنتها النصوص الدينية، والقيم الاجتماعية، والأعراف الأسرية، حيث يحرص كل الناس على بقائها، إذا تم تجاوز الاستثناءات القليلة بحكم الثقافة البيئية، والتنشئة الاجتماعية في بعض التجارب الإنسانية، ولذلك فلا يوجد على سبيل المثال؛ منزل ليس عليه سور يحميه، وكل الغرف التي بداخل المنزل عليها جدران أربعة، وباب مزود بأقفال، إذن والحالة هكذا، فإن مسألة الـ “حدود”مسألة جوهرية لا تنازع فيها، ولا اختلاف عليها عند كل الناس، استحضرها هؤلاء الناس كمادة ملموسة، أو مفاهيم معنوية، أو لم يستحضروها، ستبقى حاضرة بحكم الضرورة في حياتهم اليومية.
تفرض القيم الاجتماعية حدودا معنوية، أكثر منها مادية، وهذه الحدود المعنوية هي ذات محفزات الضمير الإنساني الذي يجيز شيئا ويتحفظ على شيء آخر، ولا أحسب ذلك إلا مناعة مكتسبة من مجموعة التوجيهات، والإرشادات التي تدفع بها مجموعة المصادر المتمثلة في النصوص الدينية، والأعراف الأسرية، وما يؤمن به أفراد المجتمع من ممارسات كثيرة يقر بعضها؛ لأنها متوافقة مع الضمنات التي تحفظ للمجتمع كرامته وطهره، ويرفض بعضها الآخر، لأنها بخلاف ذلك، ومن هذا المنطلق تتخذ هذه الـ “حدود” هذه الأهمية، وتتناقلها الأجيال تلو الأخرى، في إشارة ضمنية إلى ضرورة المحافظة عليها، وعدم التفريط فيها، حفاظا على أشياء كثيرة، ومن هنا يأتي بيت الشعر الذي يقول فيه صاحبه: “ألا والله ما في العيش خير؛ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء” والحياء هو واحد من الـ “حدود” المعنوية المهمة في المسألة الاجتماعية، وفي العلاقة الفاصلة بين المرأة والرجل على وجه الخصوص.
تأتي الأنظمة والقوانين لتضع حدودا؛ هي الأخرى؛ في تنظيم مختلف العلاقات بين الناس، سواء في أنشطتهم الرسمية ذات الصيغة المؤسسية، أو في علاقاتهم العامة بين بعضهم البعض في الحياة اليومية، وكل ذلك حتى لا يحدث اعتداء، من شأنه أن يربك مختلف هذه العلاقات، أو يحدث فيها “مثلمات” فتقوّض هذا التشابك والتآزر والتعاون بينهم، لأن الهدف من وضع هذه الـ “حدود” هي إيجاد مجتمع آمن تسوده المحبة والإخاء، وتجفيف منابع النزاع والتفرقة، للوصول إلى المحصلة العامة، وهي الأمن الاجتماعي الذي يأمن من خلاله كل الأفراد على أعراضهم، وأموالهم، واعتباراتهم، ويقوي وحدتهم لبناء الوطن الكبير، والذي هو الآخر تحميه حدود مختلفه، تعزز من مكانته الجغرافية، وتقوي من تمكناته الوطنية المختلفة: في السياسة والاقتصاد، والمجتمع، والثقافة، ومعنى ذلك أنه بدون تقوية هذه الـ “حدود” للوطن، فإنه معرض لمخاطر كثيرة، سوف يدفع ثمنها أبناؤه، إن هم فرطوا في شيء من هذه الـ “حدود” المهمة للبقاء، والتقدم، والنماء.
يقال إن الصين تعرضت للغزو ثلاث مرات، بعد بنائها لسورها العظيم، ولم يكن ذلك لضعف بناء السور، وإنما لضعف بناء الإنسان الذي؛ من خلاله تمكن الغزاة من (رشوته) والدخول إلى عمق الصين.