فرقة المسرح الشعبي تعاين “الفرجات الشعبية من التأصيل إلى التحديث”

“عمان” – في ملتقى أقامته فرقة المسرح الشعبي عاينت من خلاله مجموعة من المشاركين “الفرجات الشعبية من التأصيل إلى التحديث”، والذين هم ممن أثروا المشهد المسرحي بالعديد من النشاطات المسرحية كانت ذات أثر في المجتمع كالدكتور نبيل بهجت والفنان العرائسي ومحمد قطامش من مصر والدكتور رشيد أمحجور من المغرب والدكتورة عزة القصابية من سلطنة عمان والفنان ناصف عزمي من مصر، وأحمد جاسم من البحرين، وعبدالسلام عبدو وفيروز أنسطانيس من فلسطين ولسعد المحواشي من تونس، وأدارت الجلسات الدكتورة آمنة الربيع، وختام السيد، نستعرض في السطور القادمة أبرز ما جاء في الأوراق النقدية التي قدمها المشاركون.

من يصنع المعنى يصنع القوة المعرفية

نبيل بهجت

في ورقة الدكتور نبيل بهجت المُخرِج والكاتب وصانع لـ«دُمَى الأراجوز وخيال الظل»، والأستاذ الجامعي بقسم علوم المسرح بجامعة حلوان بجمهورية مصر العربية بعنوان: “المسرح الشعبي: المفهوم. الوظيفة. الدلالة”، أكد على أن الحديث عن المسرح الشعبي، يجعلنا نقف أما مفردة “مسرح” ومفردة “شعب”، وهذا يساعدنا في فهم وتأطير مصطلح (المسرح الشعبي) وتفسيره على أنه – أي المسرح الشعبي- هو الأدب المنطوق بلغة الشعب في الفن والموسيقى مع الأخذ بفكرة مجهولية المؤلف.
مشيرا إلى ضرورة التفريق بين كلمة “شعبي” أي جماهيري و”شعبوي”، حيث إن أهمية إدراك الفرق والمعنى بين المصطلحين تجعلنا أكثر قدرة وبراعة في استعادة نصوصنا التراثية – الشعبية على وجه الخصوص -. ومنوها إلى ضرورة أن نقف بقدم في التراث وأخرى في الواقع، بخاصة؛ أننا نتعامل مع نصوص مجهولة المؤلف، والمشترك ما بينها تكثيّف مشهدية الفرجة الشعبية كحكايات ألف ليلة وليلة وبابات إبن دانيال.
وأكد على أنَّ من يصنع المعنى يصنع القوة المعرفية، وهذه الجملة مهمة جدا لأنها كانت السبب في عدم التوثيق للمسرح المصري، فلو كانت هناك نخبة وثقت وأرخت لمعنى المسرح في التاريخ المصري لما حدث ما حدث من جدل حول الريادة، وهناك الكثير من الأشكال المختلفة للأراجوز وخيال الظل وألعاب مسرحية قدمت ما بعد عصر الفراعنة وفي عصر الفراعنة نفسه، وعلماء الحملة الفرنسية وصفوا الأراجوز وأشكاله المسرحية في وثائقهم.

صنع مسرح عربي ينطلق من الواقع ويسعى إلى تأكيد هوية المسرح

عزة القصابية

وفي ورقة الدكتورة عزة القصابية بعنوان “المسرح الشعبي في الوطن العربي”، أكدت على أن مشروع التأصيل في المسرح العربي اتصف بالانزياح نحو توظيف التراث والتاريخ بغية البحث عن هوية له، مثلما حدث في الكثير من البلاد العربية، حيث اتكأ المسرحيون العرب على المورث الشعبي، ما جعل المسرح العربي يكتسب أسماء مختلفة على غرار أشكال المسرح الشعبي بصورة عامة، والنص الاحتفالي بصورة خاصة، من خلال الاهتمام بمظاهرها الموروثة التي تتيح للكاتب المسرحي الخروج عن أصول الدراما التقليدية. بحيث اتجه المسرحيون إلى مخاطبة المتلقي العربي عن طريق إثارة خياله، ومناقشة قضاياه المعاصرة بطابع تراثي احتفالي فرجوي يمزج بين الزمان والمكان. ويتجلى ذلك في نصوص كثيرة، ومن منطلق ذلك، جاء البحث عن هوية المسرح العربي المقترن باستثمار الأشكال التراثية والاحتفالية في النصوص الدرامية، ومحاولة التعرف على الأشكال المستغلة في التعبير عن الواقع المعاصر.

فن الحكواتي المغربي (فرجة الحلقة)

وتناولت ورقة (فرجة الحلقة) للدكتور رشيد امحجور الرواية الشفاهية أو فن الحكواتية، الذي يعتبر من الفنون القديمة، مشيرا إلى أنه إذا أخذنا في الاعتبار أن المسرح أبو الفنون فإن الرواية هي أمّ الفنون، فما من فنٍ إلا ولهُ نصيبهُ من الخيال السردي شفاهيا أو كان غير ذلك. وبهذا المعنى فإننا ننطلق إلى عمق تاريخية الفنون السردية، والتي مارستها الكثير من المجتمعات القديمة، وهذا ما جعل شخصية السارد تأخذ أكثر من اسم كـ”الحكواتي والسارد والراوي والحلايقي والسامر”.
وعرف فن الحكي في المغرب “بفرجة الحلقة”، نسبة إلى حلقة يشكلها الجمهور بشكل شبه دائري حول السارد/ الممثل الحكواتي، والذي نسميه الحلايقي بالمفرد والحلايقية بالجمع، وهو بهذا المعنى يجمع الناس من حوله ويستنفر طاقاته الأدائية والابداعية الخلاقة في جذب الجمهور والتنقل داخل الحلقة من ركن إلى ركن كما يتنقل بكل سهولة من حكاية إلى حكاية ومن موضوع إلى أخر، وهو يقوم بعمله التحليقي هذا كممثل وراوٍ وعازف ومغنٍ وربما كراقص، وهو بتلك القدرات والمواصفات كحليقي – محترف – يرفع من قيمة الفرجة الجمالية التي تتفاعل مع جميع الفنون، وذلك لكون (الحلايقي) يتمتع بقوة في الأداء أكثر من الممثل على خشبة المسرح. أما فيما يتعلق بفنون السرد أو فن (الحكي)، فالحلايقي في الفرجة الشعبية المغربية، لديه أساليب حكائية إما على شكل ملاحم وقصص تاريخية أو قصائد مغناة أو حكي تهريجي وهزلي أو تمثيلي وتشخيصي إلى غير ذلك من أساليب سردية.
وأضاف أن أداء الحلايقي وبالرغم من تميزه في أداء نصه السردي، الذي يحفظه ويتقنه إلى حد التمكن والتصرف به كما يريد ويرغب ويشتهي في ذلك على امتداد الفرجة، حيث يقوم بإعداده بطريقته فيضفي عليه لحظاتٍ مسلية، يطرزها بارتجالات هزلية، غنائية، تمثيلية، إلى غير ذلك من الأمثال والأشعار والنكات، وهي جميعا، مكونات يضيفها أما تنظيما أو ارتجالا.
وفي ما يتعلق بطبيعة إتقان هذه المهنة، أوضح أنها غالبا مهنة يتم تعلمها، داخل إطار الأسرة الواحدة. فيتم تكزين الحلايقي مبكرا وهو في مقتبل العمر على يد أستاذه من ذوي الخبرة الطويلة. حيث يتولى – الحلايقي الأستاذ – تدريب شاب أو أكثر، وبذلك يتبع التلميذ أستاذه ويرافقه في عروض الفرجة وينسجان معا حلقتهما وفرجتهما الخاصة، والتي من شرطها الأساسي أن تقدم في فضاء عُمومي.

فن الحالاتية – فن من الإنسان إلى الإنسان

محمد قطامش


أكد الفنان المصري محمد قطامش في ورقته النقدية بعنوان (فن الحالاتية) أنه قبل أن يكون مسرحا هو منهج، حيث تجمع الحالاتية أنواعا عديدة من فنون الشارع والفرجات الشعبية، وهو فن من الإنسان إلى الإنسان، وهو مسرح يستغل ما هو باطن للتركيز على ما هو ظاهر.
وأوضح كذلك أن الحالاتية من فنون الارتجال التي تعتمد على الطقس والرقص الشعبي، وبأنه عندما بدأ في تأسيس فرقة “الحالاتية” طور رؤيته لتشمل استخدام العرائس وتوظيفها في مسرح الشارع، وذلك تناغما مع تكوينه كفنان تشكيلي، أضاف إلى مرسمه نافذة أخرى وبروازا جديدا ضمنه تصنيع الدمى العرائسية.
بحيث امتزجت عروضه بشخصيات خبرها المجتمع المصري، لها صفاتها وطقوسها، مما أضفى على هذه العرائس سرعة التقبل من قبل الجمهور.
كما أكد على أن الفنون مترابطة ومتوارثة وهي أشبه بعملية دمج الأجيال بذاكرتها وتاريخها مع التحليق والإسقاط على واقعها الحاضر، بمختلف تفاصيله اليومية. ولأجل أن يطبق نظريته، قام باختبار عدة حالات معروفة في ساحات الفرجة التراثية كشخصية الأرجوز، حيث وظف الأرجوز ليسلط الضوء على عيب بارز في المجتمع، لكنه غير مرئي في الوعي الجمعي للناس. ولأجل تحقيق نظريته صمم مسرحية جعل فيها شخصية “ميكي” المستوردة – أي ليست ابنة البيئة المصرية – تتجادل وتختلف وفي النهاية تحاكم شخصية “الأرجوز”، والأرجوز، هنا؛ هو ابن بيئته الطبيعية في الوجدان الشعبي المصري. حيث تقرر أن يقوم “مِكي” بإعدام “أرجوز” وشنقه ضمن السياق الدرامي للمسرحية، وما لفت الانتباه أن الناس صفقت لميكي ولم يكن يدور بخلدهم أنهم يصفقون لإعدام تراثهم وذاكرتهم. وبهذا المفهوم الجدلي أكد محمد قطامش على ضرورة تبنّي مفهوم – أن الفن من الناس وإلى الناس -، وأن فنون الفرجة الشعبية ومسرحها ما هي إلا حالات وحالات لتراثنا على اختلاف أنواعه.

التصنيع هو الحياة الأولى للعروسة/ الدمية

ناصف عزمي


وفي ورقة الفنان ناصف عزمي التي تناولت “تصنيع العرائس في خدمة دراما العرائس”أشار إلى أن تحريك الدمية هو الأساس، فإذا لم تتحرك العروسة ستكون أشبه بقطعة ديكور، وستدب فيها الحياة بمجرد تحركها. وموضحا أن النحت ليس وحده المهم هنا؛ المهم اكتشاف قوانين حركة العروسة وقدرتها على التعبير، وهذا ما قاد في الغالب صانع العرائس ليكون هو صاحب العملية الإبداعية المكتملة، فيكتب النص ويصنع العروسة ويخرج العرض بنفسه، وهو بذلك – أي الصانع – ظلَّ بعيدا ومتجاوزا مفاهيم التركيبية والتخصص التي غزت الفن الحديث.
وأوضح أن الدمية هي كتلة مادية خام يبدأ بتصنيعها وتشكيلها وهي نقطة البداية لإنتاج مسرح عرائس. وبالتالي المرحلة الأولى هي التصنيع والذي يأخذ مجهودا من فنانين العرائس، وبالتالي توفر أكثر من شكل من أشكال الفن كالنحت والتشكيل وهذا يتطلب كحرفة معرفة بالمواد والأدوات والألوان وميكانيزم الحركة، لأن العروسة هي التي ستصنع الدراما وبالتالي هي التي ستفرض على الفنان العرائسي شكل الدراما التي سيقدمها أثناء العرض.

توظيف المسرح الدائري بالفرجة

عبدالسلام عبدو


وفي ورقة “المسرح الدائري” للممثل والمخرج وصانع الدمى عبد السلام عبدو من القدس، أوضح أن المسرح الدائري هو جزء من مسرح الطاولة، وكيف يمكننا توظيف المسرح الدائري بالفرجة خاصة إلى الأطفال. حيث طاولة متحركة والمحرك ثابت وقد قدمت أكثر من تجربة خاصة مسرحية “مرزوق القشة” وكان المسرح عبارة عن طاولة قطرها متران، وخلال العرض الطاولة متحركة والدمى ثابتة وبذلك نحقق ديكورا متنوعا ويمنح الجمهور مشاهدة أشكال مختلفة على الطاولة.
مشيرا إلى أن هذه الطريقة انتقلت لعدة فرق وبسبب نجاح التجربة قام بتقديم تجربة ثانية سنة 2000 واتخذ من المسرح الدائري ثيمتها الرئيسية وقدم حينها مسرحية ورق باسم “القدس والأمير الصغير” وكان يجب أن يبني القدس، والقدس مشاهدها كثيرة، وكان في حيرة من أمره في الكيفية التي يستطيع عبرها بناء الديكور بما يلبي المضمون والمحتوى الدرامي من خلال نافذة لا تزيد عن 90سم استعرض فيها تجول الأمير الصغير في حواري القدس وأزقتها ومبانيها التراثية.

الدمى العملاقة دمى الكرنفالات الفرحة

قدمت صانعة الدمى العملاقة “فيروز نسطاس” من فلسطين.. ورقة بعنوان “الدمى العملاقة بين تحدي التصنيع والمتعة البصرية” مؤكدة على أن متعتها الحقيقة هي في التصنيع، وتحويل الكتلة الجامدة إلى دمية لها شكل ولون واسم.
وتحدثت عن تخصصها في صناعة الدمى العملاقة، كونها المرأة الوحيدة في العالم العربي الصانعة لهذا النوع من الدمى. حيث أكدت على أن هذا النوع من الدمى التي يبلغ طول بعضها خمسة وستة أمتار، فيه تحد من نوع مختلف، حيث إن طبيعة التنفيذ تتم في إطار عمل جماعي دقيق، يأخذ وقتا قد يطول لأكثر من شهر لإنجاز دمية واحدة فقط.
وأشارت كذلك؛ إلى عقبات قد تؤثر على إنجاز الدمية بالمقاييس والمواصفات المطلوبة، من قبيل عدم توفر المواد ذات الجودة والمتانة العالية، التي تحافظ على جودة الدمية، ليتم عرضها في الكرنفالات، بخاصة أنها دمى ذات أوزان لا بأس بها، وتحتاج إلى حرفية عالية في التصنيع.