نوافذ: الإصابة بالحنين

محمد بن سيف الرحبي –

لا أظن أن هناك إصابة أوسع انتشارًا مما يسمّى بوباء «الحنين»، واستعار لها المشتغلون بالكتابة كلمة «نوستالجيا» لإكسائها عمقًا يتناسب مع الحالة المزمنة، والكتّاب يمتلكون خاصية التعبير عن هذه «النفسيّات» التي تنسحب إلى الماضي «المعتّق» فتجعل كل ما فيه مبهجًا وجميلًا، مع أنه ليس بالضرورة كذلك، إنما ترتاح النفس إليه كونه «فات ومات»، و«ارتحنا منه»، فخشيتنا الحقيقية من المجهول الآتي.. ذلك الوحش المسمى بـ«المستقبل».
وفي علاقتي مع الصحافة فإن هذه «النوستالجيا» تصيبني بما يجعلني أكتب كثيرًا عنها، منحازًا في هذه المساحة، قدر المستطاع والصبر عن موجعات الحياة، لذكريات صحفية عابقة بعطر الحنين، كوننا جئنا من زمن «صحفي» مختلف، وعلى نحو مدهش، لدرجة أنني أذكر حديث أحد الرفاق يحدثنا ذات أمسية في مبنى الجريدة القديم في «روي» أن بين علية القوم من اشترى جهاز (كمبيوتر).. ثري جدًا استطاع أن يقتني هذا التكنولوجيا!، كان ذلك مطلع التسعينيات، قبل أن نعرف ماذا يعني هذا الجهاز العجيب، فكيف نسمع عن الإنترنت، والهواتف النقالة وغيرها!!
تخيّلوا أننا كنا نعمل صحفيين في زمن كان كل ذلك «الفتح المبين» يعتبر من عجائب الزمان!!
لا أحدثكم وعمري مائة عام، إنما نحو نصفها فقط، ولكني عشت، ومعي رفاق تلك المرحلة، أكثر من حياة حقًا.
كانت البداية في عام 1987، بالكاد كنت أكمل عشريني الأولى أقف أمام ما أراه معجزة، هذه المكائن الضخمة وبضجيجها العالي تقذف في الدقيقة عشرات النسخ من الصحف، وأما باب القسم الفني الذي أعمل فيه، تبدأ دورة المطبعة بعد العاشرة ليلًا بجريدة الوطن ثم «عمان».
كنّا، في الطابق الأرضي من المبنى، تتناوب على العمل مجموعة من الشباب العمانيين يتعلمون «الصّنعة» من أساتذة أغلبهم «مصريون وأردنيون»، فيما هناك في الطابق الأعلى، وحيث أقسام التحرير، آخرون يتجهّزون لأخذ مواقعهم في حركة الصحافة في السلطنة.
جئنا من بيئات شتّى، حملة ثانوية عامة، ندخل عالمًا جديدًا لم يكن في بالنا أن نستكشفه وظيفيًا، حيث الصورة الذهنية عن الوظيفة: «مكتب وكرسي»، لكننا دخلنا تخصصات فنية تتعامل مع الصحافة بمنظور تقني، الصفحات التي نلصق عليها، بواسطة الشمع، المواد الصحفية والصور، وبقلم نرسم الخطوط الفاصلة بينها كما توضّح ذلك خارطة مرسومة بقلم الرصاص، وهناك الكاميرات الضخمة التي تتولى تصوير كل صفحة، والكثير مما يمكن وصفه، خلية عمل تتناوب ليل نهار، وكنّا على وقع الاكتشاف نمضي، أرى صورًا أصلية للشخصيات البارزة، أما نشر صورة ملونة في الصفحة الأولى، وكانت فقط لجلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه-، فعملية معقّدة، وتطلّبَ نشر صور ملونة بشكل أوسع شراء جهاز فرز ألوان بقيمة نحو 50 ألف ريال عماني، وكان الهندي «فيجي» فارس هذا الجهاز الذي لا يعرف التعامل معه أحد سواه!. وللحنين.. بقية.