مؤشر الأمن الغذائي والمركز الثاني عربيا

سالم بن سيف العبدلي –

مؤشر الأمن الغذائي – Global Food Security Index – يقيس عددا من العناصر المهمة التي تساهم في معرفة مدى مقدرة الدول على استيفاء بعض المعايير والاعتبارات التي تضمن تأمين الغذاء الصحي السليم للمقيمين فيها، وتقوم وحدة المعلومات الاقتصادية بمجلة أيكونوميست البريطانية وهي مجلة اقتصادية متخصصة منذ عام 2012 بإعداد وإدارة وتجديد التقرير السنوي لمؤشر الأمن الغذائي ومن ثم نشر بياناته ويشمل التقرير معلومات عن 113 دولة حول العالم.
قضية الأمن الغذائي من أكثر القضايا التي كتبنا وتحدثنا عنها في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي وهي من القضايا المهمة والحساسة وبرزت كثيرا أثناء الأزمة الحالية، فهي لا تقل أهمية عن القضايا الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقديما قيل: (من لا يملك قوته لا يملك قراره) وتكمن أهمية الأمن الغذائي في كونها تركز على توفير الغذاء الصحي السليم لأفراد المجتمع من أجل ضمان العيش الكريم للمواطن وبالتالي استمرار عجلة التنمية.
وكانت السلطنة قد حصلت على المركز الثاني عربيا خلال عامي 2016 و2017 على التوالي إلا أنها تراجعت في عام 2018 م إلى المركز الخامس، أما عام 2019 فقد انخفض ترتيبها ليصل إلى المركز الخامس عربيا وها هي في النسخة التاسعة لعام 2020 م تقفز مرة أخرى إلى المركز الثاني عربيا بعد دولة الكويت، فيما جاءت قطر ثالثًا والسعودية رابعًا كما أنها احتلت المرتبة رقم 34 عالميا، حيث حصلت على 88.5 نقطة في مؤشر توافر الغذاء الفرعي و59.1 نقطة في مؤشر القدرة على تحمل تكاليف الغذاء و83.7 نقطة في مؤشر جودة وسلامة الغذاء و 43.8 نقطة في مؤشر الموارد الطبيعية..
نحن جميعا نفتخر بهذا الإنجاز الذي نتمناه أن يتحقق في قطاعات ومجالات أخرى كالابتكار والبحث العلمي والمنافسة ومكافحة الفساد وغيرها، هذا المركز المتقدم لم يأت من فراغ وإنما جاء نتيجة جهود مضاعفة ومشتركة من القطاعين العام والخاص وتكمن أهميته في أن السلطنة ودول العالم تعيش أزمة صحية أدت إلى إصابتها بالشلل الاقتصادي شبه التام منذ العام المنصرم، وأثر كثيرا على الأمن الغذائي العالمي، حيث يعيش عدد من دول العالم انعدام الأمن الغذائي فيه مما أدى إلى زيادة المجاعات والفقر.
الفرص تأتي من المحن إذا تم استغلالها والسلطنة- ولله الحمد- تعلمت من درس كورونا، فمنذ بداية الجائحة شكلت خلية أزمة من وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وغرفة تجارة وصناعة عمان وعدد من شركات القطاع الخاص العاملة في إنتاج واستيراد وتصدير المنتجات الزراعية والغذائية وذلك لضمان توفر إمدادات الغذاء أثناء الأزمة وتم اتخاذ عدد من القرارات التي من أهمها تشجيع الاستيراد المباشر وتقديم التسهيلات اللوجستية من تخزين ونقل ومناولة وحث المجمعات التجارية الكبيرة على عدم استغلال الأزمة ورفع الأسعار وقيام هيئة حماية المستهلك بمراقبة الأسعار، لذا- ولله الحمد- لم نشهد ارتفاعا ملحوظا للأسعار أو شحا في المنتجات الزراعية والغذائية خلال الفترة الماضية عدا في بداية الأزمة عندما ارتفعت أسعار البصل إلا أنه تم تدارك الأمر بسرعة.
البعض يتساءل كيف حصلت السلطنة على المركز الثاني في مؤشر الأمن الغذائي وهي تستورد أغلب احتياجاتها الغذائية من الخارج؟؟ وللإجابة على هذه الاستفسار نقول: إن مؤشر الأمن الغذائي لا يقاس فقط بمدى مقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الغذائية فحسب وإنما هناك عوامل أخرى مرتبطة بضمان توفر الغذاء وتحقق الركائز الأساسية للأمن الغذائي وهي الوفرة ومقدرة الفرد على الحصول على الغذاء ومدى سلامة الغذاء المتوفر.
هناك مجموعة من المعايير والأسس يعتمد عليها قياس مؤشر الأمن الغذائي ومن خلالها يتم تصنيف الدول حسب: مؤشرات التغذية ومدى قدرة الاستيعاب العمراني (الكثافة السكانية) والمعدل المخصص لاستهلاك الطعام مِن ميزانية الأسرة وخسارة الأكل (الفاقد) وجودة البروتين (القيمة الغذائية) والرسوم الجمركية على الواردات الزراعية إضافة إلى تنوع النظام الغذائي والبنية الأساسية الزراعية ودرجة تقلُب الإنتاج الزراعي وكذلك نسبة السكان تحت خط الفقر العالمي والناتج المحلي الإجمالي للفرد (حسب نظرية تعادل القدرة الشرائية بالدولار الأمريكي) ومدى توفر برامج شبكة سلامة الغذاء ومدى مقدرة المزارعين على الحصول على التمويل والإنفاق العام على البحث والتطوير الزراعي وكذلك الفساد وخطر الاستقرار السياسي وكفاية العرض وأخيرا سلامة الغذاء وكل معيار من هذه المعايير له نسبة محددة.
وأخيرا ينبغي المحافظة على هذا المركز والاستمرار في تحقيق معدلات متقدمة من النمو والتنمية الزراعية ودعم هذا القطاع وهذا هو المهم خلال المرحلة القادمة وعلى القطاعات الأخرى أن تستفيد من هذا الإنجاز ومحاكاته لكي تحقق مراكز متقدمة في مجالاتها.