هوامش ومتون :العودة لأحضان أمّنا الأولى

عبدالرزاق الربيعي –

في الآونة الأخيرة لاحظنا هناك عودة للإنسان في مناطق متفرّقة من العالم للطبيعة، حيث «الماء والخضراء»، والهواء العليل، والطبيعة البكر، التي انتزعتنا منها حياة المدينة، بزحمتها، وعوادم سياراتها، وأضواء الحداثة البرّاقة، وروح العصر التي تسعى بكلّ ما تستطيع من وسائل لاستلاب الفطرة من أعماق الإنسان التي جُبِل عليها، فكانت هذه وجهات محاولة لرأب الصدع، مع الطبيعة، بعد جفاء، وبالطبع هذه الهجمة «الرومانسيّة»، لم تأت استجابة لدعوات الشعراء الرومانسيين، التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وأوائل القرن التاسع عشر في أوروبا، وقضت بضرورة العودة للطبيعة، بل لكثرة البرامج، والنصائح التي انتشرت، منذ بدء تفشّي الجائحة، وإلزام الجهات المعنيّة الناس بتطبيق آليّة التباعد الاجتماعي للحدّ من انتشار الفيروس، والابتعاد عن الأماكن المكتظّة، فاسحة المجال للتفكير بضرورة الخروج للمزارع، والبساتين، والأماكن المفتوحة، لاستنشاق الهواء النقي، وتناول الأطعمة الصحيّة، والتعرّض للشمس التي كنّا نتجنّبها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، والتشجيع على ممارسة الألعاب الرياضية، والمشي تحديدًا، وهذه كلّها نجدها بمجرّد مغادرتنا مراكز المدن، وتوجّهنا إلى المناطق المحيطة، حيث تكثر المساحات الخضراء، ومشاهدة الحيوانات الأليفة، والطيور التي تتنقل ما بين الأشجار، وبحرية، وكأنها في عقر دارها، ومناحل العسل، خصوصًا أن هذه الأماكن قريبة، ومتاحة، لكننا، ونحن نقبل على البيئة الطبيعيّة، لابدّ أن نصطحب معنا مستلزمات المحافظة عليها، والتسلّح بالوعي البيئي، واتّباع التعليمات، لصيانة الحياة الفطرية، وعدم المساس بها، والاعتداء عليها، يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج» حين تدوس نملة لا تقتل النملة، بل الحياة المتمثّلة في النملة، حين تقتلع شجرة لا تقتلع الشجرة بل الحياة التي أحبّت أن تتّخذ شكل الشجرة، ومَن يقتل الحياة ليس الموت بل حياة تقاوم نفسها»، وهذا يحدث كثيرًا، رغم الصيحات التي يطلقها دعاة المحافظة على البيئة، والأدباء والفنّانون، فحين شاهد التشكيلي الكبير جواد سليم صباح عيد الشجرة عاملين يقتلعان شجرة، شعر بالألم الشديد، لهذه المفارقة الموجعة، لذا دخل مرسمه، ورسم لوحة»الشجرة القتيل»، (1958) وكانت خطوطه صرخة احتجاج على اقتلاع الشجرة، التي تلمّس وجعها، واعتبر تلك العملية الوحشية جريمة قتل! يقول الناقد جبرا إبراهيم جبرا أنه حين عرضها عليه لاحظ كميّة الأسى في اللوحة، فاقترح عليه أن تحمل هذا الاسم، بدلًا من «عيد الشجرة»، وخلال مشاركة لنا في مهرجان مسرحي أقيم بحمام سوسة في تونس، احتاجت فرقة عربية من الفرق المشاركة أغصان أشجار كجزء من الديكور، فتوجّه المخرج حاملًا مقصًّا كبيرًا، مع فريق العرض إلى بستان قريب، من قاعة العرض، وأخذ يقصّ ما طالت يداه من أغصان مورقة، وشتلات، وعاد مع فريقه للمسرح حاملا تلك «الجثث» الخضر، فشاهده أحد منظمي المهرجان، وأخذ يولول على فداحة ما فعل، من عمل مشين يمكن للقانون أن يحاسبه عليه صارخا» ما هذه الجريمة التي ارتكبتها!؟ « فاندهش، كون الأمر من وجهة نظره لا يستحق كلّ هذا الانفعال!، وحين خرجتْ تلك الفرقة من المهرجان بلا جائزة، رغم أن العرض كان يستحقّ، تناهى إلى مسامعي أن لجنة التحكيم أخذت بنظر الاعتبار عند تقييمها للعمل أن الديكور بُني على حساب الطبيعة، وإيذائها، وهذا قلّل من فرص الفوز كثيرا، وضمن هذا السياق، لفتت نظري تغريدة نشرتها هيئة البيئة بسلطنة عمان أشارت بها إلى البحث، بالتعاون مع الادعاء العام عن أشخاص «نشروا مقاطع عبر برامج التواصل تتضمن مشاهد تعذيب عدد من الثعالب البرية، وتدمير أعشاش الطيور وحرقه» فحين نعود للطبيعة ينبغي أن نهتمّ بها، وبالأحياء التي تعيس فيها، لا نسعى إلى تدميرها، فأمثال هذه الممارسات «تهدّد الحياة الفطرية وتقلل من التنوع البيئي، وبالتالي تؤدي إلى انقراض بعض الأنواع. دور الإنسان يفترض أن يكون على النقيض من ذلك، فالحياة الفطرية ثروة وطنية يجب المحافظة عليها وعدم الانجرار إلى مثل تلك الممارسات غير المسؤولة» كما أشار هلال البريكي، في تعليق له على التغريدة، فالاعتداء على الطبيعة هو اعتداء على كائنات حية، لذا علينا الحفاظ على أمنا الرؤوم الطبيعة، ونحن نعود إلى أحضانها، و«ما أحلى الرجوع إليها»!