العلاقات العمانية اليابانية.. إرث حضاري متجدد وآفاق مستقبلية أفضل

علي بن راشد المطاعني –

تكتسب العلاقات العمانية اليابانية أهمية على العديد من الأصعدة والمستويات، وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد ترسّخت هذه الصلات على مدى السنوات الماضية من خلال العلاقات الثنائية الوثيقة والتعاون المشترك في كل الميادين، بفضل ما تختطه قيادة البلدين من رؤى سياسية أكثر واقعية ومنطقية في التعاطي مع التطورات والمستجدات الثنائية والإقليمية والدولية، ونظرتهما إلى ما يحقق للإنسانية حياة أفضل، ويرسخ القيم والمبادئ الدولية التي تعكس إرث البلدين العريقين وتاريخهما الضارب في القدم في علاقات الأمم والشعوب. وهو ما يتطلب توظيف هذه العلاقات بشكل أفضل، وتفعيل مجالات الاستثمار بصورة أكبر وفتح آفاق أفضل في مجالات التعاون بين البلدين الصديقين.
فعلى الصعيد السياسي، كلا البلدين يحظيان باحترام دول العالم لانتهاجهما سياسة ‏حيادية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، بجانب مناصرة القضايا العادلة في العالم؛ فهذه القواسم السياسية المشتركة مقرونة بإسهام البلدين في تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم؛ جعلت سياساتهما دافعًا إلى التعاون والتشاور في العديد من القضايا التي يشهدها العالم وتأثيراتها على البلدين والشعبين الصديقين.
ولقد أكسب احترام البلدين للمواثيق الدولية والمعاهدات والاتفاقيات سمعة دولية مقدرة من دول العالم ومحل فخر في شتى المحافل الدوليّة.
بل إنّ السلطنة واليابان وظفتا علاقاتهما السياسية الإيجابية في نزع فتيل كثير من الصراعات التي اشتعلت في المنطقة والعالم؛ لإيمانهما العميق بأهميّة تحقيق الأمن والسلم العالميين؛ لذا نجد الدولتين تسعيان بشكل مستمر إلى تهدئة مناطق التوتر، وتغليب لغة الحوار بين الأطراف المتنازعة مهما كانت المشكلات شائكة.
وقد عملت السلطنة واليابان على انتهاج مبدأ السلم في علاقاتهما مع دول العالم؛ قناعةً منهما بأهمية إفشاء السلام بين الأمم والشعوب‏.
ووجدت اليابان في السلطنة الدولة التي تُعبّر بصدق عن إرثها التاريخي العريق في مد العلاقات الإنسانية ‏وصلاتها الحضارية القديمة والانطلاق منها في علاقاتها مع الدول باستحضار إرثها التاريخي، واستنطاق قيمها وثقافة شعبها في التعاطي مع الدول ومواقفها العادلة من قضايا العالم. فشكّل هذا التقارب مجالا رحبا للمزيد من التعاون، وأثمر عن الكثير من التقدم في علاقات البلدين والشعبين الصديقين.
ترسّخت العلاقات العمانية اليابانية طوال السنوات الماضية بدعم متواصل من المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- والأمبراطور ناروهيتو، حيث لم يدخر جلالته – رحمه الله- وسعا في توطيد العلاقات بين البلدين الصديقين؛ إيمانًا منه بأهمية تعزيز كل مجالات التعاون الثنائي والمشروعات المشتركة التي تسهم في تحقيق التقدّم والرخاء للشعبين الصديقين. ويختط جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – النهج ذاته في علاقات السلطنة مع دول العالم، وعلى وجه الخصوص اليابان بوصفها دولةً صديقةً للسلطنة.
فعلى الصعيد الاقتصادي تعد اليابان من الشركاء التجاريين للسلطنة، إذ إنّ اليابان تستفيد من صادراتنا النفطية والغاز والمعادن والمنتجات السمكية والزراعية، حيث قُدِّرت قيمة الصادرات العمانية إلى اليابان في العام 2018 بحوالي 2 مليار دولار‏، في حين بلغت الصادرات اليابانية إلى السلطنة 2.5 مليار دولار، وتبلغ ‏نسبة شراء اليابان من الإنتاج النفطي للسلطنة حوالي 10% و30% من الغاز الطبيعي المسال، وتشكل المشروعات اليابانية مجالا كبيرا للتعاون الاقتصادي؛ إذ يبلغ إنتاج الشركات اليابانية 60% من إنتاج السلطنة من الكهرباء عبر مشروعات الطاقة المستقلة المعروفة.
وبلغ حجم واردات اليابان من السلطنة في العام ذاته حوالي 2 مليار دولار‏، وتعد اليابان ثاني أكبر مصدر للسلطنة، وتشكل 90% من الصادرات اليابانية للسلطنة منتجات استهلاكية مثل السيارات التي تشكل 70% من جملة السيارات في السلطنة، هذا بجانب الآلات والأدوات الكهربائية.
كما أنّ هناك مجالات للتعاون السياحي تتمثل في زيارة الوفود السياحية اليابانية، وتبادل البعثات التعليمية وغيرها من مجالات التعاون التي تعزز العلاقات بين البلدين، وتسهم في ترابط المصالح بينهما.
وتقوم جمعية الصداقة العمانية اليابانية بدور حيوي كبير في توطيد أواصر العلاقات العمانية اليابانية.
وتسهم اللقاءات الاستثمارية بين السلطنة ولقاءات رجال الأعمال بالبلدين في إثراء العلاقات الاقتصادية التي من شأنها أن تحفز المستثمرين على الاستثمار.
وتعمل اليابان كذلك على إثراء أبحاث الطاقة في السلطنة من خلال البحوث والدراسات في مجالات عدة تسهم بها وغيرها من مجالات التعاون المشتركة.
وعلى المستوى الثقافي لا يألو البلدان جهدا في تعزيز العلاقات الثقافية إحياءً للروابط التاريخية التي تجمعها منذ العقود الماضية؛ وإيمانًا منهما بأهمية التبادل الثقافي والإسهام الفاعل على الساحة الثقافية بما يسهم في إثرائها؛ إذ تعمل السلطنة من خلال مؤسساتها الثقافية وسفاراتها في طوكيو على إثراء الساحة الثقافية اليابانية في مختلف الجوانب التراثية والثقافية بهدف تعريف الشعب الياباني الصديق بالحضارة العمانية وثقافة الشعب العماني؛ وفي المقابل تعمل اليابان عبر سفارتها في مسقط على المشاركة في الفعاليات والمناسبات الثقافية في السلطنة لمشاركة الشعب العماني مناسباتها، حيث تسهم في معرض مسقط للكتاب سنويا، وتقيم مسابقات ثقافية كالرسم والمقال، وتقوم بإهداء المكتبات العمانية الجامعية ومكتبة الأطفال للكتب وغيرها من الأنشطة التي تعكس الثقافة اليابانية في تبادل ثقافي يرسخ العلاقات بين البلدين الصديقين.
وبالطبع ستمضي السلطنة واليابان في تطوير علاقاتهما في المرحلة المقبلة أكثر من أي وقت مضى؛ لمواكبة التطورات في كلا البلدين، إلا أنّ الحاجة إلى تفعيل التعاون أكثر من المراحل السابقة لما يمثله من أهمية في إسهام اليابان في تعزيز استثماراتها في السلطنة وتدعيم التعاون بشكل أكبر من ذي قبل، وإضفاء المزيد من المرونة والفعاليّة التي تطلبها الظروف الراهنة في العالم لمزيد من الالتفاف بين الدول وخاصة التي لها رصيد حضاري كبير ومتانة غير منقطعة في العلاقات في الحقب الماضية من الأهميّة استثمارها فيما يحقق دفعا أقوى لهذه العلاقات.
نأمل أن تكلل العلاقات العمانية اليابانية بالمزيد من النجاح والسداد بما يسهم في النهوض بكل جوانب التعاون وألا يبقى البُعد الجغرافي حاجزًا دون المزيد من التواصل والعمل المشترك والإسهام الفاعل في النهضة المتجددة؛ التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – من خلال زيادة تفعيل التعاون والاستثمارات اليابانية في السلطنة في المرحلة القادمة.