مؤتمر ميونخ وحوار ضفتي الأطلسي

عوض بن سعيد باقوير –

كان التوتر وعدم اليقين والشك من أبرز سمات العلاقات على ضفتي الأطلسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وتحديدًا دول الناتو خلال الإدارة الأمريكية السابقة والتي رحلت برحيل أهم رجل جدلي شهده التاريخ الأمريكي الحديث.

لقد هدد ترامب في إحدى المراحل بالانسحاب من الناتو لأسباب مالية وكان هذا مؤشر على مدى انتكاسة العلاقات الأطلسية علاوة على عزم ترامب سحب القوات الأمريكية من ألمانيا علاوة على ما أظهره ترامب من عدم احترام للقيادات الأوروبية ومن هنا فقد مثلّت هزيمة ترامب في الانتخابات الأمريكية طوق نجاة للعلاقات بين واشنطن ودول حلف الناتو على الصعيدين العسكري والاستراتيجي.
وقد تمثلت أولى خطوات التعافي لتلك العلاقات الأطلسية هو خطاب جو بايدن رجل البيت الأبيض الجديد خلال القمة الافتراضية لمؤتمر ميونيخ للأمن والذي أشار فيه إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد عادت إلى الساحة الدولية من جديد خاصة تجاه الضفة الأخرى من الأطلسي ويعني هنا أوروبا الذي يعد الحليف الأهم لواشنطن في مرحلة الحربين العالمية الأولى والثانية وما بعدهما في ظل التنافس الاستراتيجي الآن مع الصين وروسيا ومن هنا فإن الإدارة الأمريكية الجديدة سوف تستعيد تلك العلاقات التاريخية بعد أن شهدت تراجعًا كبيرًا خلال عهد ترامب.
العلاقات التقليدية
بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء على دور المحور ظهر الصراع الأيديولوجي بين الغرب الليبرالي والاتحاد السوفييتي السابق بشكل خاص الذي يتبنى النهج الشيوعي خاصة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي ومن هنا ظهر حلفان، حلف وارسو بقيادة موسكو ومعها دول شرق أوروبا وكانت وارسو عاصمة بولندا هي مقر الحلف فيما تشكل حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية متخذًا من بروكسل عاصمة بلجيكا مقرًا للاتحاد.
نتحدث هنا عن هذه الخلفية التاريخية لمعرفة أهمية العلاقة الأطلسية التي واجهت الاتحاد السوفييتي السابق خلال عقود فيما سمي بالحرب الباردة والتي انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي وبعد ذلك تفكك حلف وارسو ومن هنا فإن العلاقات على ضفتي الأطلسي هي علاقات استراتيجية تنطلق من مسؤولية أمريكية للحفاظ على الأمن في أوروبا كما أن العلاقات الاقتصادية هي الأكبر على الصعيد الدولي، كما أن العمق الثقافي والمجتمعي كبير بين الغربيين والدولة الأطلسية الأكبر على اعتبار أن سكان الولايات المتحدة الأمريكية من الأنجلو ساكسون أي من أوروبا وعلى ضوء ذلك كان هناك تمازج كبير في العلاقات بين واشنطن والغرب وهو الأمر الذي أكد عليه جو بايدن في خطابه الأخير في قمة ميونيخ الافتراضية.
لقد كان خطاب بايدن بمثابة عودة الدفء لتلك العلاقات في ظل السنوات الأربع الماضية والتي تعد الأسوأ في العلاقات بين دول ضفتي الأطلسي خلال إدارة ترامب السابقة ومن هنا تم التأكيد من قبل وزارة الدفاع الأمريكية بأن القوات الأمريكية في ألمانيا باقية وهناك عودة للعلاقات الكلاسيكية بين واشنطن والناتو وهو أمر مهم في ظل العلاقات المتوترة بين واشنطن وموسكو وأيضًا بين موسكو ودول الناتو على أكثر من صعيد وهناك العملاق الآسيوي الصين الذي بدأ يلعب دورًا كبيرًا على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي خاصة قيادة المحور الآسيوي وأيضًا علاقته القوية مع روسيا علاوة علي الصراع المتعدد الأطراف في بحر الصين الجنوبي.
المواجهة الاستراتيجية
في ظل الوضع المتردي في العلاقات الأمريكية الروسية وأيضًا العلاقات الأمريكية-الصينية والتخوف الأوروبي من السياسة الروسية والانطلاق الصيني فإن هناك حاجةً ماسةً إلى عودة العلاقات التقليدية بين ضفتي الأطلسي وأن يتم التنسيق في القضايا الكبرى التي تهم دول الحلف وأيضًا الشركاء في العالم وخاصة دول الشرق الأوسط، ومن هنا أكد بايدن على مسؤولية واشنطن في الحفاظ على مرتكزات الحلف من خلال ظهوره الأول علي المسرح الدولي من خلال مؤتمر ميونيخ للأمن وهو أحد أهم المنتديات السياسية والاستراتيجية في العالم كمنصة للحوار وبيان السياسات المختلفة للدول.
إن المواجهة الاستراتيجية الآن بالنسبة للغرب أصبحت تمثلها الصين وهو الأمر الذي تتحدث عنه التقارير البحثية الغربية وهذا يعود إلى ضرورات محددة تتمثل في القوة البشرية للصين وتمدد نفوذها الاقتصادي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط علاوة على التطور النوعي للصناعات العسكري ودخولها القوي على صعيد الأقمار الاصطناعية وإطلاق المركبات للفضاء ومن هنا فإن المشهد السياسي على الصعيد الاستراتيجي يدور الآن بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وتأتي روسيا ثانية.
وأمام هذا المتغير الاستراتيجي فإن وجود حلف الناتو متماسك على ضفتيه وبقيادة أمريكية فاعلة يعد من الأمور الأساسية بعد فتور في العلاقات والبعد عن الثوابت التي ميزت حلف الأطلسي منذ قيامه بعد الحرب العالمية الثانية بعدة سنوات وعلى ضوء ذلك فإن خطاب بايدن في مؤتمر ميونيخ يشير إلى مرحلة عودة التعافي والقوه للعلاقات الأطلسية لدول الناتو والولايات المتحدة الأمريكية.
مسار الصراعات الإقليمية
وجود العلاقات القوية والانسجام في سياسات حلف الأطلسي لها انعكاس إيجابي على مجمل السياسات والمواجهات تجاه عدد من الملفات المعقدة ومنها العلاقات مع روسيا والصين وحتى مع إيران حيث تشهد الساحة الآن حراكًا سياسيًا لعودة اتفاق إيران النووي ومن خلال علاقات راسخة بين واشنطن والدول الغربية فإن ذلك يعزز منظومة الأمن في المنطقة وحتى في أوروبا، حيث الجوار الجغرافي الروسي والصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط خاصة في أفغانستان والحروب الإقليمية في اليمن وسوريا وليبيا والتوترات في العراق، حيث وجود القوات من الغرب والولايات المتحدة وهناك ظاهرة الإرهاب في دول الساحل وجنوب الصحراء في إفريقيا علاوة على ظاهرة كورونا والتنسيق لمكافحة الفيروس الأكثر انتشارًا وخطورة وضحايا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ومن هنا فإن مجمل تلك المواجهات تحتاج إلى إرادة سياسية وتعاون جماعي بين دول ضفتي الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل الإدارة الجديدة التي تعكف الآن على ترميم ما أفسدته إدارة ترامب السابقة خاصة تجاه العلاقة مع أوروبا وحلف الأطلسي تحديدًا وهذا ما جعل القادة الأوروبيين يشيدون بخطاب بايدن في عودة مجددة لواشنطن لقياده الحلف بكل مسؤولية تجاه الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية التي تعد جزءًا أصيلًا من الأمن القومي الأمريكي.

■ صحفي ومحلل سياسي