نوافذ: بينك وبين نفسك

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
هل الأمر صعب؛ أن نكون “نحن” أمام أنفسنا؟ من منا يملك الشجاعة ليكون “هو” أمام نفسه؟ قد تعودنا كثيرا، أن نخجل من الآخر؛ ولكن هل يساورنا الشعور في لحظات ما، ويضعنا في موضع الامتحان الصعب؛ فنخجل من أنفسنا؟ قد يعترض أحد منا؛ على استفزازية هذه الأسئلة؛ ويطرح سؤالا معاكسا؛ فهل نحن شيء؛ وأنفسنا شيء آخر؟
هناك مجموعة من البراقع: بعضها شفاف، وبعضها الآخر وسط، وثالثها داكن إلى حد العتمة، هذه البراقع لم يصنعها الآخرون لآخرين، وإنما يصنعها كل واحد بنفسه، وهو الذي يحدد درجة شفافيتها، أو عتميتها، وذلك بناءً على الدور الذي يود أن يلعبه مع نفسه، وأقول: مع نفسه، ولذلك نحن نعيش امتحان مواجهة أنفسنا في مواقف كثيرة، لأن الآخرين لن تطالهم شفافية البراقع، ولا عتميتها المطلقة، فهم إن قبلوا منا سلوكًا ما، فإنهم يقبلونه بقناعتهم النسبية، وإن رفضوا منا سلوكا ما، فإنهم يرفضونه بقناعتهم المطلقة، لا أحد مسيرٌ فيما يختاره من الآخرين؛ إلا إذا كان يرتجي منه مصلحة ما، وأما بخلاف ذلك، فتظل تأثيرات الأقنعة على أصحابها فقط، ومعنى ذلك فإما أن نسقط هذه الأقنعة التي نتخفى بها عن الآخرين، ونكون أكثر أمانا مع أنفسنا، وإما أن نبقيها؛ إن كانت ثيمة “غاية في نفس” هي الغالبة؛ وما أكثر الغايات التي تحتضنها النفوس السيء منها والحسن.
(بينك وبين نفسك) قد ينظر إليها على أنها معادلة “سيكولوجية” وفيها تتحدد علاقة الصراع بين الأنا والذات وما ينتج عن هذا الصراع من سلوك يواجه الفرد به أفراد المجتمع من حوله؛ قبلوا منه ذلك أو لم يقبلوا، وقد ينظر إليها على أنها معادلة “سيسولوجية” وهنا تدخل في الأعراف الاجتماعية، فبعض الأعراف؛ كما نقرأ أو نسمع عنها، أو نعيشها كواقع؛ تجبرك على أن لا تعرّي الأنا، وتجعلها منهوبة لمن يستحق ومن لا يستحق، ولذلك ينبغي -وفق هذه الصورة- أن تتقنع، وأن تحدد درجة الوضوح في هذا القناع، أو ذلك، لأنه والحالة هكذا؛ عليك أن تجامل، وأن تنافق، وأن تدوس على كبريائك، وأن تضحك وصدرك مهموم، وأن تبكي ونفسك منشرحة من السعادة، ليست قناعة منك، ولكن مجاملة لآخرين من حولك، وقد ينظر إليها على أنها حالة “بيولوجية” وأن الناس مفطورون على الوقوع في مطبِّ هذه الأقنعة، وبالتالي هم يمارسون صورها هكذا من غير قصد، فهي منشأ فطري بامتياز، وتتسلسل المبررات، للإيمان بأهمية هذه الأقنعة، وضرورة وجودها بيننا.
(بينك وبين نفسك) معادلة ليست يسيرة إطلاقا؛ نعيشها كل يوم، وفي كثير من المواقف، نحاول في بعض الأحيان أن نكون أكثر صدقا مع أنفسنا؛ حيث نمزق كل الأقنعة، وفي بعض الأحيان تجبرنا مواقف أخرى على زيادة قتامتها، هي مراوحة بين الخير والشر، وبين الكدر والانشراح، أما أن ننقي أنفسنا بصورة مطلقة، فهذا شيء من الخيال، ومن استطاع أن يعلي من نسبة شفافية الأقنعة، اقترب كثيرا من الشفافية، وهذا الأمر ليس يسيرا بالمطلق.
كثير من الناس يضعون مجموعة الظروف الحادثة بفعل حركة الحياة، هي السبب، ويراهنون على شفافية الأقنعة بزوال هذه الظروف أو تلك، وهذه شماعة نتكئ عليها عندما نواجه حقائق أنفسنا، ليس إلا، نعم؛ يمكن التسليم لشيء من هذه الحقيقة، وهي في حالة الظروف القاسية المفروضة، أما بغير ذلك فجميعنا لديه مساحة متسعة من الخيارات بألا يسقط نفسه في مغبة أي من هذه الأقنعة، فجمال الأشياء تأتي من بساطتها، وأبسط العلاقة بيننا وبين أنفسنا أن لا ندخلها في متون الخيارات الصعبة التي تؤدي بنا إلى أي من ارتداء أي هذه الأقنعة المتاحة.