الشعوب العربية ومقاومة التطبيع

زاهر بن حارث المحروقي

من يقرأ ما وراء سطور الذي حدث من الشعوب العربية بعد إعلان بعض الدول العربية إقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني، سيعلم علم اليقين أنّ هذه الشعوب ترفض فكرة التطبيع رفضًا تامًا.
يؤكد ذلك مؤشر استطلاعات الرأي العام العربي الحديثة التي استطلعت آراء هذه الشعوب، والذي يذكرنا برفض الشعبين المصري والأردني معاهدات التطبيع الموقعة في القرن الماضي، هذا عدا المظاهرات التي قامت في بعض الدول العربية ضد التطبيع، في فترة فرضت فيها جائحة كورونا إغلاقًا شبه تام للمدن العربية، إلا أنّ ذلك لم يمنع الرافضين من التظاهر.
وأظهر استطلاع المؤشر العربي الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ونشره يوم السادس من أكتوبر 2020، أنّ 88% من العرب يرفضون أن تعترف بلدانُهم بدولة الاحتلال الإسرائيلي، مقابل 6% فقط يرون غير ذلك، وهو دليل على وعي الشعوب العربية ورفضها لتحركات أنظمتها.
وما يلفت النظر هو أنّ الجانب الإسرائيلي يعلم حقيقة الرفض الشعبي العربي لأيِّ تقارب عربي معه، ويتابعُ ردود الفعل عبر منصات التواصل والإعلام البديل البعيد عن الإعلام الرسمي، وعلى ضوء ذلك يحاول أن يضع الخطط البديلة للوصول إلى القبول الشعبي، الذي يبدو أنه صعب المنال.
فقد توصّل تقديرٌ إسرائيلي رسمي، أعدته وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية نُشر في الثاني عشر من أكتوبر 2020، إلى أنّ 90% من الخطاب العربي على مواقع التواصل الاجتماعي حول التطبيع مع إسرائيل سلبي.
أمام هذه الحقيقة، لم تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي، فقد أوصت وزارةُ الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية في تقريرها، أنه «يجب على إسرائيل تعزيز حملة توعية على الشبكات الاجتماعية العربية، مع التركيز على دول الخليج والدول الأخرى التي قد توّقع اتفاقيات معها».
وأشار الكاتب الإسرائيلي باراك رافيد، في مقال نُشر في موقع «واللا» العِبري إلى أنّ إعداد هذا التقرير، هو محاولة وزيرة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، لتغيير جوهر عمل الوزارة، الذي شمل في السنوات الأخيرة بشكل أساسي أنشطة ضد الدول والمنظمات التي تروج لمقاطعة إسرائيل والمشروع الاستيطاني، ومن هنا تسعى الوزيرة -وفق باراك رافيد- إلى مراقبة الاتجاهات على الشبكات الاجتماعية، لتركيز النشاط الرقمي للوزارات الإسرائيلية بطريقة «تزيد من الخطاب الإيجابي حول إسرائيل، وتساعد في حشد دعم الرأي العام في العالم العربي وفي الغرب لتحركات سياسية مثل التطبيع».
أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية للمخططين الإسرائيليين أن يصلوا إلى المواطن العربي مباشرة، وهو حلم حلموا به لسنوات طويلة، قبل أن تحقق لهم قناة «الجزيرة» هذا الحلم، بإجرائها مقابلات على الهواء مباشرة مع المسؤولين الصهاينة لتحذو حذوها بعد ذلك قنوات أخرى، ولكن مهمة وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية أصبحت الآن أسهل بكثير، إذ عليها أن تخترق تلك المواقع حتى لو كان ذلك بأسماء عربية مستعارة، أو تنشئ صفحات عبرية تخاطب الشعوب العربية مباشرة، مثل صفحة «إسرائيل في الخليج» التي جاء في التعريف الرسمي لها أنها «الحساب الرسمي للسفارة الافتراضية لإسرائيل في دول الخليج.. مكرس لتعزيز الحوار مع شعوب هذه الدول»، وكذلك صفحة «إسرائيل بالعربية» التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية.
وقد خطت إسرائيل خطوات أخرى، إذ كشف تقرير إسرائيلي، يوم الاثنين الخامس عشر من فبراير 2021، عن إنشاء «رابطة الجاليات اليهودية في دول الخليج»، التي تهدف إلى «تقديم الخدمات الدينية لليهود الذين يأتون إلى البلدان المعنية في الخليج، سواء للاستقرار أو السياحة»، ومن يتمعّن في هذه العبارة، سيرى أنها تشير ضمنًا إلى نية استقرار اليهود في الخليج مستقبلا. والأخطر من ذلك هو أنّ الرابطة ستكون دولة داخل دولة، إذ «ستعمل على تأسيس محكمة يهودية لقضايا النزاعات المدنية والأحوال الشخصية، والطقوس اليهودية، إضافة لتسوية المنازعات التجارية، وستعمل على تطوير الحياة اليهودية في المنطقة، وتهدف إلى تعزيز جميع جوانب الحياة اليهودية في الخليج»، وفقًا لما قاله موقع الرابطة عبر الإنترنت.
وهذه الأهداف في ظاهرها خادعة، لكنها لا تخفي النوايا الصهيونية في المنطقة، وهي الاحتلال الناعم أو بعيد المدى، وهو ما ظهر من تصريحات كبير حاخامات المجلس اليهودي الإماراتي الدكتور إيلي عبادي، الذي سيقود الرابطة مع إبراهيم نونو، رئيس الجالية اليهودية في البحرين، الذي صرح لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، «إنها فرصة لأن تنفتح هذه المنطقة على وجود المجتمع اليهودي، وسنحاول الحصول على البنية التحتية اللازمة للمجتمع اليهودي في دول الخليج».
هل ستنجح إسرائيل في مخططاتها لاختراق المجتمعات الخليجية والعربية؟!
أثبتت الشعوب العربية من خلال المظاهرات وبيانات الرفض، ومن خلال الندوات وتدشين حسابات إلكترونية في الدول العربية التي زادت وتيرتها في الشهور الأخيرة، أنها ضد التطبيع، لأنّ القضية الفلسطينية بالنسبة لها هي قضية مركزية وعربية وإسلامية وتاريخية، وأنّ إسرائيل هي العدو، رغم أنّ أصواتًا كثيرة حاولت استبدال العدو الصهيوني بعدوٍ وهمي آخر هو إيران، التي أيّدت المقاومة العربية – السُّنية قبل الشيعية – بالمال والسلاح، وهي الأصوات نفسها التي نالت من الفلسطينيين وقللت من كفاحهم، قبل أن تبدأ في تلميع صورة إسرائيل وكأنها حمل وديع.
وما يدلّ على الفشل الصهيوني في اختراق المجتمعات العربية -حتى الآن- هو أنّ الجيل العربي الجديد، الذي لم يعش النكبة والنكسة واحتلال لبنان، وتشتيت منظمة التحرير الفلسطينية، هو أكثر الفئات رفضًا للهرولة وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني. وأذكر أنّ أصدقاء ابني محمد علقوا على بعض المقالات التي كتبتُها عن موضوع التطبيع، بأني تحدثتُ باسمهم وبما يؤمنون به وأني مثلتُ آراءهم، وهو ما أثلج صدري وجعلني أشعر بأنّ تلك بشارة خير، فهؤلاء لم يعيشوا تلك المآسي وتلك الحروب، ووُلدوا في فترةٍ سيطر فيها إعلام الاستسلام والسلام المزعوم على الساحة الإعلامية، إلا أنّ ذلك لم ينل من فطرتهم السليمة، وحتى حين تظهر بعض الأصوات العربية التي يبدو أنها مؤيدة للتطبيع من الكتائب الإلكترونية أو الذباب الإلكتروني فإنها سرعان ما تخبو وتختفي، لأنّها لا تمثل الرأي الشعبي العربي الحقيقي، وإنما هي كالنائحة المستأجرة، لذا فإنّ صمود الشعوب العربية في موقفها الرافض للتطبيع، هو في حد ذاته مقاومة، ولا يمكن لأيِّ قوة في العالم أن تفرض على الإنسان العادي أن يتعامل مع الكيان الصهيوني أو أن تحاسبه لماذا قاطع الكيان أو لماذا هو رافضٌ للتطبيع، وإذا ما استمرت المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي فإنّ ذلك يعطي الأمل للجيل الجديد ويشجعه على رفض التطبيع.
والخلاصة هي أنّ التطبيع الشعبي مع الكيان الصهيوني في الخليج وفي الدول العربية مرفوضٌ، ولا يمكن لإسرائيل أن تنجح في الوصول إلى الشعوب العربية، إلا بالأساليب الملتوية التي تجيدها وتتقنها، كأنْ تتنكر بأسماء عربية ويتسمّى موردخاي محمدًا مثلا، وأن تبيع منتجاتها للناس بتغيير اسم بلد المنشأ، وأن تعتمد على عملائها في كلِّ شؤونها، وهو يعني الفشل الذريع في الوصول إلى الناس. ورحم الله الباحث عبدالوهاب المسيري الذي تنبأ بما ستؤول إليه الأمور، عندما تحدّث عن نماذج من العرب المتصهينين، الذين يجب الحذر منهم، وقال: «من الآن فصاعدًا سنجد يهودًا في ثياب مسلمين. اليهودي الوظيفي. مسلم يصلي معنا العشاء في المسجد، لكنه يقوم بالدور نفسه الذي يقوم به الجنرال اليهودي. وعليه يجب تحليل تلك الظاهرة حتى لا يتحوّل كثيرٌ منا إلى يهود دون أن يدروا».
والملاحظ الآن أنّ هناك حملات تشويه متعمدة، لكلِّ الرموز العربية التي وقفت ضد الكيان الصهيوني، وهذه الحملات لا تأتي من فراغ وإنما هي ضمن خطة ممنهجة تترافق مع الحملات التي تطلقها إسرائيل للتقارب الصهيوني مع الشعوب العربية. ولا يمكن أن نفصل هذه الحملات الضارية عن المسار العام للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فمن يحمل لواءها هم تلك الفئة التي تنبأ بها المسيري.