تأثير ديدرو

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

في عام 1765 تعرض الفيلسوف الفرنسي دينس ديدرو لضائقة مالية شديدة، وكان ديدرو يملك مكتبة ضخمة، سمعت إمبراطورة روسيا كاثرين بالخبر فقررت مساعدته بدون أن تشعره بذلك، فعرضت عليه شراء مكتبته، لكنها عرضت عليه إبقاء الكتب بحوزته لعلمها بحاجته لها، كما عرضت عليه صرف راتب شهري مدى الحياة مقابل إدارته للمكتبة وعنايته بالكتب، وفعلا ساهم هذا التصرف بإخراج الفيلسوف من حالة العوز التي كان يعيشها، فقرر مكافأة نفسه برداء قرمزي اللون، لكن ديدرو لاحظ أن الرداء لا يتلاءم مع الحذاء الذي كان يرتديه، فاشترى حذاء جديدا، تبعه بقبعة تتماشى مع الزي الجديد، ثم لاحظ أن الكرسي المتهالك الذي كان يجلس عليه لم يعد يتواءم مع المظهر الأنيق للفيلسوف، فاشترى كرسيا جديدا، فقط لينتبه بأن السجادة تحت الكرسي مهترئة ولا تتناسب مع الكرسي، فغيّرها بأخرى جديدة، لكن السجادة كانت جميلة للغاية مما احتاج معها إلى إضافة بعض التحف الفنية لتبرز جمالها، وهكذا وبدون أن يشعر كان ديدرو قد غيّر كل شيء، وقد سجل ملاحظاته هذه في ما بعد في كتاب، فسر فيه لماذا يميل الناس لتكديس المقتنيات، وشراء ما لا يحتاجون، عرفت هذه الظاهرة بتأثير ديدرو حتى يومنا هذا، وقد استخدمها جيمس بيكر في كتابه (العادات الذرية) لبناء عادات صغيرة على عادة قائمة.
لكن ما يهمنا هنا هو تأثيرها على نمط الاستهلاك الذي نعيشه اليوم، فلا شك أنك لاحظت بأننا جميعا نمارس هذا السلوك بشكل أو بآخر، يسجل أحدنا في عضوية نادٍ رياضي، فيكتشف أنه بحاجة إلى حذاء، ومن ثم إلى بدلة رياضة، ثم يكتشف حاجته إلى قنينة يحمل فيها الماء، وهلم جرة، تشتري الواحدة منها قميصا، ثم تكتشف بأنها لا تملك تنورة تتماشى معه، فتشتري التنورة تعقبها بحذاء، ومن ثم غطاء رأس وهكذا دواليك، فندخل في دوامة من الشراء لا تنتهي.
الوعي بهذا التأثير مهم للغاية، يمكنك استغلاله في السيطرة على سلوك الاستهلاك، من خلال التخطيط المسبق لمشترياتك، ووضع ميزانية شهرية تلتزم بها، ونتذكر دائما مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الصدد «أوكلما اشتهيت اشتريت؟!» من خلال التفرقة بين ما نحتاج وما نريد، ومن خلال التركيز على أهدافنا المالية بعيدة المدى، بحيث لا نترك للمتع الصغيرة اليوم أن تفسد أحلامنا الكبيرة.