مرفأ قراءة : علاء الديب.. التجسيد الإبداعي لأزمة الطبقة الوسطى!

  • 1 –
    المرحوم علاء الديب، صوت فريد ووادع من أصوات جيل الستينيات في الأدب العربي المعاصر (الجيل الأشهر في الأدب العربي المعاصر)، ذلك الجيل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، جيل دشنته كتابات الغيطاني وأصلان وخيري شلبي ومحمد البساطي وبهاء طاهر وصنع الله إبراهيم، وآخرون، لكن يظل صوت علاء الديب وحده مختلفا، برّاقا، له رونقه، ومذاقه، مرارته وأنينه، وحدته وقسوته، عزلته الاختيارية وتأملاته الفائضة.
    من بين كل كتاب هذا الجيل؛ انفرد المرحوم علاء الديب الذي تحل ذكرى رحيله الخامسة هذه الأيام (رحل عنا في 17 فبراير 2016)؛ بسمات خاصة جدًّا؛ لعله كان واحدا من أعمق كتاب هذا الجيل رؤية واستشرافا للمستقبل وكان من أكثرهم ثقافة بلا جدال، لا يختلف في ذلك عن أخيه الأكبر بدر الديب صاحب الأعمال الطليعية في الأدب العربي ولم تنل حظها بعد من القراءة والانتشار.
    ربما كان المرحوم علاء الديب الوحيدَ من كتاب الستينيات الذي لم ألتق به مرة واحدة. كنت أحبه وأهابه، رغم أنه كان حريصا على كسر أي مسافات يمكن أن تفصله عن الناس، عن جمهور عاشق للقراءة، عن كاتب خجول يتعثر في كلماته، لم ألتق به أبدا، أحبه من بعيد لبعيد، أخبرني صديقي سيف سلماوي ذات صباح بأن الأستاذ علاء الديب قرأ ما كتبتُه عن المرحوم جمال الغيطاني وأشاد به وسأل عني. فرحت، جدا، وابتسمت قلت في نفسي «اليوم صرت كاتبًا»..
  • 2 –
    من بين كل كتَّاب جيله؛ كان إدراكه العميق والمبكر والحساس لمعنى كلمة «مثقف ينتمي إلى الطبقة الوسطى»؛ بمعيارها النموذجي الذي كان سائدًا في مصر منتصف القرن العشرين، قبل أن تتلقى هذه الطبقة ضربات كاسحة تكاد تكون مميتة، وأدت إلى ما يشبه انسحاقها تحت ماكينة العصر العملاقة المسماة بالتحولات العالمية!
    لا أحد يشعر بمعنى التخلف، قدر ذلك الكائن الذي يطلق عليه «المثقف»؛ ولأن علاء الديب كان مثقفًا بكل ما تعنيه الكلمة، فقد تأمل، فلسفيا ووجوديا، قيمة الثقافة ومعنى أن تكون مثقفا؛ فالمثقف في نظره تركيبة غريبة تطمح دائمًا إلى أن تعيش في المعاني المطلقة والمجردة للأشياء. أقدامه مغروسة في طين الواقع، وعيونه الفاحصة المدربة، قادرة على اكتشاف أصغر ما في واقعه من متناقضات مزعجة.
    إحساسه المركب المعقد، قادر على تكبير الأخطاء، ورؤية ما خلفها من معانٍ ودلالات، الأدهى والأمر أن أغلب أحلام المثقف مرتبطة بفهم الواقع، بل وبالعمل على تغييره. وضعه المعلق دائمًا بين الحلم والواقع، يجعل منه وترًا مشدودًا. وضعه هذا يجعله يعيش اللحظة مرتين؛ يذوق المرّ مرتين. ويندر أن يبقى في فمه طعم لحلاوة!
    يقول علاء الديب في سيرته البديعة «وقفة قبل المنحدر من أوراق مثقف مصري»: «لا أستطيع أن أنكر أن إحساسي بالتخلف، هو زادي وشرابي. إحساسي بالتخلف غصة في الحلق. النظر إلى الواقع من حولي، يزيد الشعور به احتدامًا. ليس «التخلف» فقرًا فقط. إنه كائن أخطبوطي، ولد في الظلام من الفقر والجهل. وعاش في الغفلة والبلادة. تربى في العجز وضيق الأفق. التخلف بالنسبة لي جسد حي، أصارعه في كل لحظة من لحظات وجودي: في بيتي، في عملي، في الشارع، في الوجوه، والمشاعر في مداخل المدن وتحت الكباري، في العلاقات بين الناس، في الحب.. فيما أقرأ وأتناول.. فيما أرضى عنه وفيما أرفضه.
    شيء واحد واضح في وسط كل هذه القتامة، يبدو ناصعًا، وكأنه شمس منتصف الليل. هو أن هذا الشعور بالتخلف لم ينقلب إلى شعور مزمن «بالقرف» أو الاشمئزاز.. لا من النفس.. ولا من الواقع. شعور ـ بالتخلف ـ يدفعني لسبب لا أدريه، إلى مزيدٍ من الانتماء، مزيد من الارتباط، مزيد من ذلك الحلم الساذج، البسيط، المستحيل: الحلم، بأن أعيش، ويعيش الناس من حولي واقعًا جديدًا».
  • 3 –
    يمكن القول إن قضية واحدة محورية (بل مركزية) هي التي تسيطر على كل إنتاجه الأدبي والصحفي: إنها قضية التعبير عن أزمة الطبقة المتوسطة المصرية (ويمكن القول والعربية أيضًا)، التعبير عن إحباطاتها وهزائمها، وبحثها الدائم عن دور إنساني وفكري في المجتمع المصري المتغير، بحثها المأساوي عن دور أصيل وصادق..
    لقد قاده تحليله العميق وتأملاته الذاتية المتفلسفة إلى إدراك وضعية انتمائه للطبقة المتوسطة، ليس كمجرد الانتماء إليها أنه يقضي على الاستمتاع بلذائذها، وكسلها، ولا جدواها. إدراك هذا الانتماء جعله يرى الحدود؛ حيث تتكسر القيم ويصبح القلق، والإحباط، والعجز، الفتات الذي يتبقى في كفه، يصبح عالمه محيطًا من الغربة.
    يقول: «كان يتردد حولي أن الطبقة المتوسطة هي الحاكمة، هي المسيطرة على البلد. لكن رؤية الفلاحين العارقين من الفجر إلى الغروب، وورديات العمال تخرج من المصانع، يؤكد لي في إلحاح لا يتوقف، وإصرار يحطم كل غفلة أو تغافل:
    أن العمل هو القيمة الوحيدة. وأنه هو نعمة الوجود الكبرى. وأن الطبقة المتوسطة بكل قيمها، وتقاليدها، وأساليبها في السلوك تحاول أن تنفيني بعيدًا عن العمل. وأن تعلمني سبل التحايل، ورذيلة «الوصول». و هاأنذا ـ ما زلت ـ أحاول ألا أتعلم».
  • 4 –
    وأشهر ما شهر به علاء الديب بموازاة إبداعه الخصب، كتابته المعروفة بـ «عصير الكتب» وهو عنوان الباب الأشهر والأهم والأوسع تأثيرا وانتشارا في صحافتنا الثقافية المعاصرة على مدى نصف القرن أو يزيد؛ إنها المدرسة الأصيلة المحترمة التي دشنها علاء الديب في «الكتابة عن الكتابة»؛ هي بحق «عصير» وخلاصة مقطرة، مركزة، تقوم على القراءة الواعية المستوعبة، والكتابة السهلة اللماحة الذكية.
    كتب الديب كثيرًا جدًا عن عشرات وعشرات، بل مئات، من المؤلفين والفنانين والمفكرين والكتب والموسوعات والروايات والقصص، وكل أصيل وجميل وممتع أنتجته قريحة مبدع حقيقي خلال المائة سنة الماضية.
    بوضوح ودون لف ودوران يقول علاء الديب: «أسأل نفسي ما معنى هذا الباب الذي أحاول أن أكتبه كل أسبوع «عصير الكتب»؛ تلك النكتة القديمة المكررة هو ليس نقدًا بالتأكيد وليس إعلانًا عن كتاب، طموحه الأساسي أن يكون مشاركة في التفكير العام. الاختيار سؤال، والكتابة محاولة للبحث عن إجابة. وفي الصفحات التالية سأحاول أن أتذكر بعض الأسئلة، ومشروعات الإجابة..».
    وكان الرجل مخلصا تمامًا لهدفه وغايته!
    في هذه المجموعة التي تم انتقاؤها بعناية وذكاء مقالاتٍ تغطي كمًا هائلًا من إنتاجنا الثقافي؛ فكريًا وإبداعيًا، على مدار ما يزيد على الأربعة عقود؛ لن تجد اسما معتبرا ولا كتابا جادا ولا عملا جديرا بالقراءة والمتابعة إلا وستعثر عليه في عصير الكتب!
  • 5 –
    دون مبالغة أنت أمام كنز ثقافي ولغوي وإنساني؛ علاء الديب من القلّة التي أوتيت حسًا رهيفًا وشفافا تجاه اللغة..
    أمتع ما في الكتاب على الحقيقة هي هذه السياحة الحرة المذهلة في رشاقتها وعمق معرفتها وسلاسة لغتها وجمال عرضها! من صلاح عبد الصبور إلى صلاح جاهين ومن يوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم إلى كتاب الستينيات وأدباء من الأقاليم بزغوا كالبرق ولم يلتفت إليهم أحد سوى علاء الديب!
    ستتنقل بين واحات الأدب والفكر والفن التشكيلي والنقد الأدبي وقراءة التراث والترجمة، وأنت في غاية الاستمتاع والبهجة والفضول! ستستثار حواسك المعرفية والجمالية للتعرف على هذه الروائع والإقبال عليها بشغف ورغبة في زمن عز فيه الإقبال على المعرفة بشغف ورغبة!
    كان علاء الديب أستاذًا ومعلمًا مثاليًا، متواضعًا، حياته رحلة كفاح وعمل وإخلاص لقيم ومعايير جمالية وإنسانية وأخلاقية صاغها لنفسه، لم يخضع ولم يلن رغم كل الضغوط والإغراءات والمضايقات، انعزل في محرابه وملاذه الآمن بين كتبه، وقرر المواجهة بالجمال والمقاومة بالفن، وإن كتبه وأعماله لترسي قواعد فنٍ وجمالٍ ينفعان الناس.. ويمكثان في الأرض.