دروس من «جمهورية فايمار» لأمريكا بايدن

روبرت جيرْوارْث – فورين بوليسي –
ترجمة : قاسم مكي –

في الشهور الأخيرة كَثُر الحديثُ عن جمهورية فايمار الألمانية، وذلك في مُماثلة لها مع اللحظة السياسية الراهنة بالولايات المتحدة. في هذا السياق وصف البعضُ مؤيدي الرئيس السابق دونالد ترامب بالفاشيين. كما جاء في افتتاحية بصحيفة نيويورك تايمز أن رفضَهم قبول شرعية انتخاب بايدن نسخة جديدة لأسطورة «الطعنة في الظهر». وهي تلك الخرافة التي تزعم أن أعداء داخليين تسببوا في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.
إغراءُ عقدِ هذه المقارنات مفهوم. فكيف يمكن التعبير على نحو أفضل عن الخشية من أن الجمهورية الأمريكية في خطر وأن العنف السياسي في الشوارع قد ينتشر إذا لم يُقَارَن الوضع اليوم بأقرب مثال تاريخي معروف لديمقراطية «فاشلة» استسلمت للفاشية؟
(جمهورية فايمار تأسست عام 1919 في مدينة فايمار والتي اجتمع فيها ممثلو الشعب لصياغة دستور جمهورية جديدة لألمانيا بعد خسارتها الحرب العالمية الأولى. أنهي هتلر هذه الجمهورية عمليا بعد أن أحكم قبضته على الحكم في برلين عام 1933- المترجم) .
لا يوجد بالطبع شيء خاطىء في استلهام الماضي طالما لم نَنْسَ أن نهاية جمهورية فايمار لم تكن إطلاقا حتمية وأن صعود هتلر إلى سدَّة الحكم عائد إلى ظروف تاريخية خاصة جدا. (لم يكن النازيون أكثر من جماعة هامشية في ملعب السياسة الألمانية، على الأقل حتى أواخر عام 1929 عندما ضخّم قرارُ الحكومة الألمانية بفرض سياسة تقشف صارمة من تأثيرات أسوأ أزمة اقتصادية في التاريخ الحديث).
لكن ودون التقليل من حجم المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم، من المهم إدراك الإختلافات التي تجعل من غير الممكن حتى الآن مقارنة المحنة الراهنة لأمريكا بمحنة ألمانيا في عشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن الماضي. بعض هذه الاختلافات يعفي الولايات المتحدة من اللوم. لكن بعضها الآخر يجب أن يكون إشارات تحذير لها.
من بين تلك الاختلافات أن الديمقراطية لها جذور أعمق في أمريكا القرن الحادي والعشرين مقارنة بألمانيا في عهد جمهورية فايمار. ففي حين كانت ألمانيا أول بلد صناعي متقدم يمنح النساء حق التصويت في الانتخابات إلا أن العديد من كبار موظفي الخدمة المدنية والقضاة والشخصيات العسكرية كانوا في أفضل الأحوال مترددين في مواقفهم تجاه الديمقراطية. هذا إذا لم يكونوا معادين لها تماما.
في الولايات المتحدة اليوم، انتصر الكونجرس على عنف مثيري الشغب. ورفض القضاة ( بمن فيهم أولئك الذين عيَّنهم ترامب بنفسه في المحكمة العليا) الشكاوى المرفوعة ضد نتيجة الانتخابات الرئاسية. وتم تنصيب رئيس جديد.
الضرر الذي ألحقه ترامب بالديمقراطية الأمريكية عظيم حقا. لكن السنوات الأربع الماضية أثبتت مرونة مؤسسات أمريكا وقوانينها ودستورها. نعم تضررت الولايات المتحدة في الداخل وأيضا في سمعتها الدولية. لكنها نجت.
من المستحيل، بالطبع، القطع بما يمكن أن يحدث إذا شهد اقتصاد العالم انكماشا كبيرا مماثلا لكساد عام 1929. هل في هذه الحال سيشتدُّ تطرف الناخبين الذين صوتوا لترامب ( 70 مليون ناخب)؟ هل سيتوجب على الأمريكيين التعايش مع استقطاب حاد في المستقبل المنظور؟
في هذا الجانب على الأقل، يمكن أن تقدم تجربة جمهورية فايمار بعض الدروس.
الدرس الأول هو أن اعتقاد المحافظين بقدرتهم على اللعب بنار اليمين المتطرف دون أن يحترقوا خطأ قاتل بالنسبة لهم. نعم ترامب ليس هتلر. لكن تجييشه المًتعمَّد لليمين المتطرف جعل الحزب الجمهوري مُعتمِدا على ناخبين يشملون القوميين المتشددين ومنكري المحرقة ودعاةُ تفوق العرق الأبيض وأنصار نظرية المؤامرة. باختصار أولئك الناس الذين يريدون أكثر من مجرد «حكومة مختلفة».
قارن البعضُ اقتحامَ هذه الجماعات للكابيتول ( مبنى الكونجرس) بالمحاولة الانقلابية الفاشلة المعروفة باسم «انقلاب قاعة البيرة» والتي قام بها هتلر في 9 نوفمبر 1923.
في هذه المحاولة، تحرك هتلر وأتباعه المسلحون من قاعة «حانة» بيرة في مينونيخ إلى مركز المدينة. كانت خطته إطاحة الحكومة البافارية قبل التحرك إلى العاصمة، على نحو ما فعل موسوليني بنجاح في إيطاليا عام 1922.
لكن الشرطة البافارية أفشلت الإنقلاب وقتلت 16 من مؤيديه وأصابت العشرات بجراح. كما أعتقل هتلر نفسه وقضى 9 أشهر في السجن.
فشل هتلر في محاولته الانقلابية لأنه، تماما كما فعل مثيرو الشغب الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير، تحدى النظام القائم دون دعم وتأييد من بيروقراطية الدولة أو كبار ضباط الشرطة والجيش.
وستلزم هتلر مراجعة جوهرية لاستراتيجيته وعقد تحالف مع النخب القديمة ووقوع أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة كي يستولي على السلطة في ألمانيا بعد 10 سنوات لاحقا.
لكن ماذا إذا كانت أحداث 6 يناير، مثلها في ذلك مثل انقلاب قاعة البيرة الفاشل، يشكل فقط بداية صعود اليمين المتطرف؟ فبعد كل شيء، لن تختفي القومية اليمينية المتشددة كقوة سياسية في الحياة الأمريكية.
والسؤال هو : كيف سيتعامل الجمهوريون مع إرث ترامب وأنصاره الأشد تعصبا.
في عام 1923 كانت النخب الألمانية والجماعة المحافظة منقسمة على نحو مماثل حول الكيفية التي تتعامل بها مع النازيين .. ففي حين قطع حزب المحافظين البافاريين (حزب الشعب البافاراي) كل روابطه بهتلر لم يفعل حزب الشعب القومي الألماني ذلك. وعندما بدأ هتلر يحقق بعض النجاح في صندوق الاقتراع عقب الكساد العظيم كان لايزال بعض المحافظين مستمرون في الإعتقاد بأن في مقدورهم استخدام اليمين المتطرف كأداة لتحقيق أغراضهم الخاصة بهم، تماما كما حاول ترامب أن يفعل ذلك.
وانتهت هذه الاستراتيجية إلى كارثة.. ففي عام 1933 تم إقناع الرئيس الألماني بول فون
هيندينبورغ من جانب أصدقائه المحافظين بأنهم يمكنهم توظيف التأييد الشعبي المتنامي لهتلر لخدمة
أجندتهم الخاصة بهم من خلال «تنصيبه» مستشارا «ألعوبة» في يد حكومة إئتلافية يسيطرون هم على قرارها.
اعتقد هؤلاء أن هتلر «حصانا» يقتادونه. لكنهم وجدوا خلال أسابيع أنهم بالغوا في التقليل من بأس النازيين، تماما كما فعل المحافظون في إيطاليا ذلك مع موسوليني قبل عشرة أعوام.
لذلك سيلزم الحزب الجمهوري والأمريكيين بشكل عام اتخاذ موقف أشد حزما ضد أولئك الذين يهددون مؤسساتهم الديمقراطية.
في يناير 1933 فشل الحزب الاجتماعي الديمقراطي، أكبر حزب ديمقراطي في ألمانيا وقتها، في استخدام أقوى أسلحته ضد النازيين. إنه سلاح الدعوة إلى إضراب عام. وكانت هذه السياسة قد اتبعت من قبل بنجاح في عام 1920 عندما نفذ الجنرال إيرخ لوديندورف «إنقلاب كاب» وأفشلته
النقابات العمالية وموظفو الخدمة المدنية.
في عام 1933 خشي الحزب الاجتماعي
الديمقراطي، ربما عن حق، من أن مثل هذه الخطوة قد تشعل حربا أهلية مرعبة من المرجح أن يخسرها
مؤيدو الديمقراطية في غياب دعم القوات المسلحة.
بعد فظائع الحرب العالمية الثانية،أعادت جمهورية ألمانيا الألمانية بناء نفسها مجددا كديموقراطية دفاعية محصَّنة جيدا (فيرهافتي ديموكراتيك) حيث فرضت محكمتها الدستورية مرارا حظرا على الأحزاب والجماعات السياسية المتطرفة. كما لم تعُد القوات المسلحة الألمانية في هذه الديمقراطية الدفاعية دولة داخل الدولة.
وفي الولايات المتحدة، رغم أن القوات المسلحة لم تُبدِ ما يشير إلى انحيازها للمتطرفين إلا أن المشاهد الصادمة في مبنى الكابيتول بيَّنَت أن في مقدورهم تشكيل تهديد حقيقي للقيم الديمقراطية وحكم القانون.
وقوع تمردات مسلحة ضد إدارة بايدن في المستقبل احتمال واضح. لكنها ستفشل إذا تحَلَّى المدافعون عن الديمقراطية باليقظة والعزم.
الدرس الثاني الذي يمكن تعلمه من جمهورية فايمار هو أن المعركة من أجل الحقيقة مهمة. لقد أعانت قدرةُ النازيين على إيجاد ونشر «حقائق بديلة» هتلر على ارتقاء سُدة الحكم والقضاء على الديمقراطية في ألمانيا. ولعبت الأخبار الزائفة من شاكلة أسطورة «الطعنة في الظهر» وسرديات مؤامرات اليهود العالمية دورا مركزيا في دعاية هتلر، رغم استمرار الديمقراطيين في التأكيد على عدم صحتها.
في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي فقد مؤيدو جمهورية فايمار المعركة من أجل الحقيقة مع نجاح هتلر في إقناع العديد من الناخبين بأن الديمقراطية نظام حكم «غير ألماني» فرضه عليها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى وأنها غير قادرة

على القضاء على كساد الاقتصاد.
ليس هنالك شك في أن هتلر كان سيحبُّ وسائل التواصل الإجتماعي. ( إذا كانت
موجودة وقتها). فهو كان دائما حريصا على استخدام أحدث التقنيات وخصوصا المذياع والفيلم السينمائي لنشر «حقائقه البديلة».
لقد أدى تمدد وسائل التواصل الإجتماعي وقدرتها على تجاهل ضبط الجودة والتحقق من صحة الوقائع التي تقدمها وسائل الأخبار الجادة إلى تسريع إمكانية نشر نظريات المؤامرة دون تمحيص.
جاء في مقال نشر مؤخرا بصحيفة واشنطن بوست أن ترامب أدلى بأكثر من 30 ألف تصريح زائف أو مضلل أثناء فترة رئاسته.
بناء على هذه الخلفية سيكون من الضروري، كما قال بايدن في خطاب تنصيبه، « رفض الثقافة التي يتم فيها التلاعب بالحقائق، بل حتى صناعتها». فالتضليل الإعلامي ونظريات المؤامرة بما في ذلك تلك التي تتعلق « بتزوير الإنتخابات» مهدِّدٌ كبير للمؤسسات والإجراءات الديمقراطية.
وستكون استعادة الإيمان بالديمقراطية التحدي المركزي في السنوات القادمة، وربما عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت الجمهورية الأمريكية ستعيش تجربة «فايمار» حقيقية في المستقبل.

 

الكاتب استاذ التاريخ بكلية دبلن الجامعية ومدير مركز دراسات الحرب ومؤلف كتاب «المدحور: لماذا فشلت الحرب العالمية الأولى في أن تنتهي 1917-1923».