نوافذ : بين الإشباع العاطفي والعقلي

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

طوال سنوات العمر، ونحن نعيش مأزق الوقوع بين طرفي (الإشباع العاطفي والعقلي) يحدد أحدهما مجموعة العواطف والمشاعر، ويحدد أحدهما الآخر؛ هذا العملاق الضخم؛ ذو الهبة الربانية الكبرى؛ الذي يسمى العقل، وما أدراك ما العقل، حيث استيعاب الكون في تجلياته الكبرى، ولئن ذهب العقل في الوقوف على التفاصيل الدقيقة في هذه الحياة، وهو المعتمد لتأصيل فهم أكثر للحياة وظروفها، فإن المشاعر والعواطف تأتي لتلبي حاجة ملحة في حياة الناس، وهو الجانب الآخر لها، لأن حيادية العقل، وبعده النسبي عن الوقوع في مناخات العاطفة، يجعل الضرورة حتمية للأخرى “مجموعة المشاعر” لتلبية جوانب أخرى للنفس، ولذلك يردد كثيرا: “لا تكن يابسا فتكسر؛ ولا رطبا فتعصر” ولذلك فلا غرابة أن يعيش من ينتصر للعقلانية فقط، في محنة التجريد، بينما من ينتصر للطرف الآخر ينغمس في لهو بلا حدود؛ قد يفقده هو الآخر الحقيقة الأخرى للحياة، ولشاعر العربية الكبير؛ أبو الطيب المتنبي قولته المشهورة في ذلك:
“ذو العقل يشقى في النعيم بعقله: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”
ويمكن استدراك قول المتنبي في الشطر الثاني من البيت الأول: “وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم” أن استحضار العواطف والمشاعر؛ ليس زجها في الجهالة بـ “المطلق” ولكن لصاحب هذه العواطف المتأججة أن ينغمس في لهو مطلق يفقده الكثير من التحكم في مشاعره، وفي استدراكه لنفسه من أن انغماسه في هذا اللهو المطلق قد يذهب به إلى كثير من المحنة، كان يمكن للعقل أن ينقذه منها بالتعقل والحكمة والبصيرة.
كثيرون؛ أولئك الذين يُقيّمون تجربة الحياة على أنها الفيصل في الوصول إلى حالة من التوازن لسلوكيات الإنسان، فتجربة الحياة هذه معناها الوصول إلى مستوى معين من التوازن: بين حيادية العقل؛ وانجرار العواطف نحو كل ما يخاطب الغرائز، ويشبع النفس من ملذات كثيرة، لا يتيح العقل للنفس أن تنغمس فيها، بصورة مطلقة، وهذا الأمر يستدعي تحقق كم من السنين التي قطعناها من أعمارنا، ولذلك يمكن قياس هذا الأمر بين فردين قطع كل واحد منهما عمرا مقدرا؛ وليكن الأول قطع ستين عاما من عمره، والثاني قطع ثلاثين عاما من عمره، وليُقيّم سلوك كل منهما على حده، وليُقيّم سلوكهما سويا في أمر واحد من أمور الحياة، فالنتيجة المتوقعة لكل واحد منهما على حده؛ أن تصرفات الأول تنحو كثيرا إلى التروي، وإلى كثير من الصبر، وإلى كثير من الحكمة، وإلى قليل جدا من مباهج الحياة، وقد يكون عنده المنجز النوعي أكثر من الكم، وأما الثاني؛ فتظهر تصرفاته كثيرا من الشطط، والتهور وعدم التروي، وإلى كثير من الصور الاحتفالية ذات البهرجة المؤقتة، وإلى كثير من حالات الخطأ والصواب، وقد يكون المنجز عنده يغلب عليه الكم الزائد على الكيف.
يقول أحدهما في نص جميل قرأته منذ فترة على صفحة الـ “واتس أب”: “كلما تقدمنا في السن أصبحنا أكثر ذكاءً، وندرك ببطء أن ساعة تبلغ قيمتها 30 دولارًا أو 300 دولارا، كلاهما يعرض في نفس الوقت؛ سواء كنا نحمل محفظة بقيمة 30 دولارًا أو محفظة بقيمة 300 دولار – يظل مبلغ المال فيها كما هو. سواءً كنا نقود سيارة بقيمة 150،000 دولار أو 30،000 دولار – الطريق والمسافة متساوية، سنصل في النهاية إلى نفس الوجهة. إذا كان المنزل الذي نعيش فيه هو 300 متر مربع ، أو 3000 متر مربع، الوحدة هي نفسها” – انتهى النص -.
والسؤال المستدرك هنا؛ من هو صاحب الإشباع الذي يصل إلى الإيمان بالكيف على الكم، والعكس كذلك أيضا؟ هنا تتسع مساحة التأويل والتعليل، وتبقى الحقيقة مجردة من أية عاطفة، ويبقى العقل المتسيد على المشهد في نهاية المطاف هو الفيصل والحكمة الجامعة.