ما لا يمكن إصلاحه

أمل السعيدية

قبل سنوات، لفت انتباهي كتاب صغير للغاية، ليس في عدد أوراقه فحسب، بل في قَطع الورق الصغير أيضًا، وعندما قلبتُ صفحاته، قرأتُ تعليمات للاختفاء. شعرتُ بأنني أتقاطع مع مزاج الكاتب، الذي قرر أن عليه أن يعيش حالة من الإمحاء الكامل، أن يضمحل ببطء حتى لا يعود موجودًا، فالمعاناة من الاغتراب تصبحُ مع مرور الوقت خانقة، فلا يعود بإمكان المرء أن يقبل حالة العيش كطيف، بينما يتحرك الناس من حوله بأجسادهم الصلبة، فتلك الحالة الأثيرية، تملأ رأسك بالشكوك، والإحساس العارم بالذنب. كان ذلك الكتاب هو “كيف تختفي” للكاتب المصري هيثم الورداني. في تعليمات الكتاب فصل “كيف تنضم إلى جماعة” وفي البند العاشر يكتب الورداني: “إذا لم تشعر بأي تعاطف فلا بأس، احتفظ بصمتك وانتظر. فتلك أيضًا إحدى طرق الارتباط بالجماعة. ارتباط الإكراه.” وبعد هذا الكتاب، بحثت عن كل كتبه، وقرأتها بانتباه شديد، ولطالما أذهلتني العناوين التي يختارها، كعنوان “جماعة الأدب الناقص”، يتحرر هيثم الورداني من تجنيس النص، إذ لا يبدو مباليًا بالشكل النهائي لما يكتب. وما هي إلا فترة قصيرة، حتى أصدر الورداني كتابًا صغيرًا بعنوان “كتاب النوم” أتذكر جيدًا حماسي الذي تضاعف، عندما لم أقرأ على غلاف الكتاب تصنيفًا له. يعد كتاب النوم من فئة ” non fiction” التي قلما نقرأ محاولات فيها في العالم العربي اليوم، مع سعار كتابة الرواية، إن هذا النوع الذي بدأ يروج في السنوات الأخيرة في مصر تحديدًا، يتطلب امتلاك أدوات أثنوغرافية، بالإضافة للحساسية الأدبية، إذن أستطيع أن أقول إن كتاب النوم هو أشبه بدراسة ثقافية، تستقرئ النوم، وحضوره في السرديات العامة والخاصة، وإمكانياته التي تفككها اللغة.

أصدر الورداني مع بداية عام ٢٠٢٠م مجموعته القصصية الجديدة “ما لا يمكن إصلاحه”، اقتنيت الكتاب في زيارتي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع ذلك العام، وقبل جائحة كورونا، مدفوعة أولا بإعجابي بالكاتب وتجربته في الكتابة، وبالعنوان الذي وإن كان متشائمًا، إلا أنه يثير الفضول حول هذا الذي لا يمكن إصلاحه في عالم يكاد يكون خربًا في كل شيء، وعندما بدأت بالقراءة، شعرت مع أول ثلاثة قصص قرأتها، بنوع من الغربة، كأنَّ شيئًا يحول بيني وبين ما كتبه هيثم، كاد النفور أن يتسلل لعلاقتي مع هذه الكتابة، إلا أنني اكتشفت ومع مواصلة القراءة، أن مصدر ذلك النفور كان الخوف، إذا تظهر مصائر الشخصيات في هذه القصص، مبتورة، شيءٌ ما معلق في الهواء، قلاقل لا حد لها، رغم هدوء الكتابة والأحداث، كانت الشخصيات طوال الوقت تختفي تدريجيًا، يطمسها العالم المادي الذي تعيش فيه، والخذلان من الثورة، من الأمل، من الحب، إن شكل الخسارة التي تحصل عليه شخصيات هذه المجموعة، هو الانفصال، في لحظة زمنية كاذبة، تمنحك وهم الاستمرار، وهم أن شيئًا ما ينتظرك، أننا على وشك الوقوف على هاوية، نطل منها على الأعماق السحيقة للحياة، والمعنى وكل تلك الكلمات الكليشهية، فيما يبدو أننا ننسى أو نتجاهل أن المحك هو الآخر هو منحة الحياة لنا، وإن غاب، وهو يفعل مع الناس العاديين، فإنه يعلقهم بأجسادهم الأثيرية بخيط شفاف هو والهواء واحد.