غياب الحدائق الصغيرة في المخططات الحديثة يخنق الأحياء السكنية!

“الإسكان والتخطيط العمراني” لم ترد على تساؤلات “عمان “!
مواطنون:
الحدائق ركن أساسي في تخطيط المدن الحديثة وفوائدها على المجتمع والبيئة –
لا يوجد استغلال للأماكن والمساحات الفارغة في الأحياء السكنية –
اكتظاظ الأحياء السكنية بالمباني التجارية يقلل نقاوة الأجواء فيها –
لجوء الأطفال إلى اللعب في الطرق الداخلية قد يؤدي “للدهس” والأذى –
تمنح الأطفال متنزها بدل اللعب لساعات طويلة بالأجهزة الإلكترونية –
بلدية مسقط : “الإسكان” هي الجهة المسؤولة على تخطيط الأراضي بمختلف استخداماتها –
-عملية التطوير في منظومة الحدائق مستمرة وتـأخرها يعود إلى عدم توفر “الاعتمادات المالية” و”مصادر المياه”!
-الأراضي المخصصة لاستخدام الحدائق تزيد عن (330) قطعة أرض في محافظة مسقط –
تحقيق – نوال الصمصامية –
ينتظر ” طارق” عصر كل يوم أمام منزله في “حي المسرات” بالمعبيلة الجنوبية أصدقاءه الصغار ليتجمعوا، فقد حان وقت اللعب لديهم، لتبدأ بعدها تجهيزات “الكوره والسيكل” بحماس وابتسامات عريضة ترتسم على محياهم لينطلق مشوارهم المنتظر يوميا .. ولكن أين يتجهون ؟ وأين يلعبون؟ يبدو أنهم ما زالوا يتفقون فيما بينهم، ولكن لم تعد لديهم خيارات متعددة للمكان الذي يلعبون فيه سوى خيار وحيد وهو “الطريق الداخلي بين منازلهم”! فقد اكتظ حي سكنهم بالمباني التجارية ولم تعد هناك مساحة كافية لوجود حديقة صغيرة يجتمعون فيها، وهناك العديد من الأحياء السكنية الحديثة التي يعاني قاطنوها وبالأخص الصغار من غياب الحدائق الصغيرة والتي تعتبر متنزها مهما لهم .. فهل الطريق الداخلي حل سليم للعب هؤلاء الأطفال ؟! وهل هناك متسع لبناء حديقة صغيرة في هذه الأحياء السكنية الحديثة في المستقبل القريب ؟! “عمان” اقتربت أكثر من المواطنين لمعرفة وجهة نظرهم في هذا الموضوع، وطرقت بعد ذلك أبواب الجهات المختصة، ومنها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وبلدية مسقط لمعرفة الحلول المقترحة وخططهم المقبلة. في البداية كانت لنا وقفة مع المواطنين من مختلف الولايات في السلطنة، ويشاركنا الرأي محمد بن علي البلوشي قائلا: أصبح من الضروري إنشاء الحدائق الصغيرة، في الأحياء السكنية لتكون أحياء سكنية متكاملة، ووجودها يسهم وبقوة في جعل الآباء مطمئنين عندما يخرج الأبناء للعب، كما أن الأبناء سيخرجون ويختلطون مع أبناء المجتمع أكثر، لأنه في الوضع الحالي بعض الآباء يمنعون أبناءهم من الخروج من المنزل؛ لأنهم يعتقدون أن خروجهم فيه خطر عليهم بسبب عدم وجود مكان مهيئ للعب الأطفال، والبعض الآخر من الآباء أصبحوا يحملون عبئا كبيرا عليهم حيث يقوم البعض بتشكيل حديقة مصغره في المنزل، وبالطبع تكون مكلفة مادياً ليكون أبناؤهم بأمان داخل المنزل، ولكن هذا يسهم أيضا في عزلة الأبناء عن المجتمع وعن أبناء الجار، فوجود الحدائق في المجتمع يزيد من الألفه بين أفراده. فوائد متعددة ويشاطره الرأي الصلت بن خميس الحوسني: لا شك أن الحدائق من الضروريات في الأحياء السكنية لما لها من فوائد على المجتمع والبيئة، كما أن أطفالنا أمانة، ويتوجب علينا القيام بكافة الإجراءات للحفاظ عليهم، والحدائق أحد تلك الوسائل التي تحافظ على الأطفال وبدونها يلجأ الطفل إلى اللعب في الطرق الداخلية مما قد يؤدي به للأذى وقد يصل إلى الدهس – لا قدر الله- فلذلك وجود الحدائق وتخصيص أماكن للعب مهمان جدا في الأحياء السكنية. ويضيف الحوسني: مع زيادة العمران والمصانع وغياب الحدائق فإن المسطحات الخضراء ونقاء الهواء يقلان، فبالتالي الحدائق تُعد من الإجراءات المهمة لمكافحة التصحر الذي ينتج مع زيادة العمران وانخفاض المسطحات الخضراء كما أن للأشجار في الحدائق أهمية لعملية التمثيل الضوئي حيث تقوم بامتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين اللازم لجميع الكائنات الحية. وجود الحدائق في الأحياء السكنية ليس مقتصرا على الألعاب فقط بل لها أهمية كبيرة من ناحية سلامة الأطفال وتحقيق التوازن البيئي، كما يمكن فيها زراعة الأشجار المثمرة لتعود بمردود على الحكومة والمواطن. ويتفق محمود بن ناصر الناعبي أن وجودها مهم وأساسي في كل حي، ولابد من تخصيص مكان مهيئ بكامل مرفقاته من ألعاب و جلسات للأطفال؛ حيث يبعث ذلك الأمر الاطمئنان للأهالي بسبب وجود أبنائهم في مكان مخصص بدلا من الجري واللعب في مكان توجد به سيارات ويكون أكثر خطورة عليهم، وأيضا وجود مثل هذه الحدائق سيكون سببا في جعل بعض الأهل يرغبون في خروج الأطفال من بيوتهم فيلعبون في الحديقة بدلا من اللعب في البيت أو الجلوس لوقت طويل على الأجهزة الإلكترونية أو بسبب حرص الأهل الشديد على خروجهم إلى الشوارع؛ لذلك أرى من الجيد أن يتم تخصيص أماكن وحدائق في الأحياء السكنية كما أن ذلك يساهم في إضفاء الجمالية على تلك الأحياء السكنية. تخطيط المدن وركز أشرف بن حمدان الغافري في رأيه على أهمية التخطيط الجيد للأحياء السكنية، ويقول: الحدائق والمتنزهات العامة من أساسيات تخطيط المدن لتكون ملتقى الأطفال في وقت المساء بدلا من اللعب في الشوارع و الذي قد يتسبب في حوادث خطيرة للطفل وخصوصا إذا كان بدون أي رقابة أو انشغال للأهل عن الطفل، وفي الوقت نفسه هذه الحدائق ممكن أن تكون بدائل عن الذهاب إلى الأماكن البعيدة مثل المراكز التجارية أو الحدائق العامة الكبيرة وتختصر المسافة. ويضيف الغافري: الحدائق والمتنزهات تعتبر متنفسا للجميع؛ للصغار والكبار بدلا من تجمع وجري ولعب الأطفال في الأحياء السكنية، والحفاظ على سلامتهم في مكان واحد بدلا من الشوارع التي تعتبر أخطر مكان للأطفال في هذا الوقت، وكم من مسرع لم ير طفلا يلعب في الشارع وتسبب في دهسه، وللأسف الشديد لا يوجد لدينا في السلطنة استغلال للأماكن والمساحات الفارغة في الأحياء السكنية، ويجب علينا استغلال هذه المساحات لإنشاء الحدائق والمتنزهات في الأحياء مما يعتبر إيجابيا للجميع، فالحدائق بشكل عام تنشرُ جوًا من الراحة، وتُعطي طاقة إيجابيّة، خصوصًا أنّ الحدائق بشكلٍ عام منسقة تنسيقا جميلا من الأشجار والأزهار، وتُعطي جوًا مثاليا للجلوس في راحة بال بنسمة الهواء و الهدوء بعيدا عن الإزعاج وأصوات السيارات، كما أنّها تزيد من جمال المنطقة، خصوصا أنها وسط المنطقة السكنية، كما أنّها المكان المناسب لقضاء الأوقات الممتعة برفقة العائلة والأصدقاء قرب المنزل. وتتفق آلاء بنت عبدالله البلوشىة أن تحسين جودة الأحياء السكنية يجب أن يكون إحدى الأولويات، لأن الموضوع فيه نظرة طويلة المدى لإيجاد مجتمعات نابضة بالحياة، كما أن قربها من الأحياء السكنية يمثل ملاذا سهلاً وآمنا للاستمتاع خارج المنزل وترك العنان للأبناء لممارسة هواياتهم في اللعب والجري بمكان آمن، ويسهل عليهم عناء الانتقال إلى الحدائق العامة البعيدة عن منازلهم، حيث يمكنهم الذهاب إليها مشيا بشكل يومي، الأمر الذي يمنحهم فرصة للعب بدل الجلوس لساعات أمام شاشات التلفاز أو اللعب بالأجهزة الإلكترونية. ويحكي أحد المواطنين تضرره نتيجة اللعب العشوائي “بالكرة ” بين المنازل والطرقات الداخلية، حيث تسببت الكرة في تكسير الإضاءات الخارجية لمنزله في أكثر من مرة، الأمر الذي يسبب إشكاليات بين الجيران نتيجة لعب أطفالهم بالقرب من المنازل وعدم وجود مكان مخصص لهم. وبعد الاستماع لآراء المواطنين، طرقت “عمان” أبواب الجهات المختصة في هذا التحقيق “وزارة الإسكان والتخطيط العمراني” و “بلدية مسقط” وطرحت عليهما مجموعة من التساؤلات تركز على أسباب غياب الحدائق في تصميم المخططات الحديثة في الأحياء السكنية؟ كما تساءلت إذا كانت الجهات المختصة تعتزم إنشاء هذه الحدائق في الأحياء السكينة في المستقبل القريب..؟ أسباب الغياب وقد أوضحت بلدية مسقط الأسباب التي قد تؤخر إنشاء هذه الخدمات المتعلقة بالحدائق؛ أهمها توفر الاعتمادات المالية، ومصدر للمياه والمقصود به: مصدر المياه المعالجة المستخدمة لأغراض الري، والتي يتم تزويد البلدية بها من قبل الشركة العُمانية لخدمات الصرف الصحي (حيا للمياه). وأضافت : يمكن القول بأن مُعظم الأحياء السكنية بالمخططات الحديثة يتم تخصيص مساحات فيها للخدمات العامة، وتهدف هذه الحدائق لتلبية الاحتياجات الترفيهية لجميع الأعمار بشكل عام وللأطفال بشكل خاص، ويكون موقعها غالبًا في وسط الحي السكني؛ بحيث يسهل الوصول إليها مشيًا على الأقدام من جميع أجزاء الحي السكني، وتتراوح مساحتها بين (400م2 إلى 20,000 م2) تقريبًا. وقد افتتحت خلال الفترة الماضية من عام2020م حديقة الخوض، والتي تعد أنموذجا لثمرة التعاون مع بنك مسقط لإنشاء حديقة تخدم حيا سكنيا بولاية السيب، وإجمالًا فإن عدد الحدائق القائمة في محافظة مسقط يبلغ (127) حديقة، منها (112) حديقة في حي سكني، و(9) حدائق مدينة عامة في محافظة مسقط، و(5) متنزهات عامة بالمحافظة. ولا تزال عملية التطوير في منظومة الحدائق والمتنزهات مستمرة، إذ تعتمد هذه المنظومة على عنصرين أساسيين كما تم ذكرهما؛ وهما توفر الاعتمادات المالية ومصدر المياه. من المسؤول؟ وردا على تساؤل “عمان”: تكتظ العديد من الأحياء السكنية الحديثة بالمباني التجارية، ولم تتبق فيها المساحات التي توحي ببناء ذلك؟ أجابت بلدية مسقط: وزارة الإسكان والتخطيط العمراني هي الجهة المسؤولة بشأن تخطيط الأراضي بمختلف استخداماتها، والجهات الأخرى هي جهات تنفيذية؛ إلا أنه هناك تنسيق وتعاون قائم ومستمر بين الجهات الحكومية فيما يختص تخصيص أراضي الخدمات العامة بما فيها حدائق الأحياء السكنية، وتجدر الإشارة إلى أن الأراضي المخصصة لاستخدام “حديقة” تزيد عن (330) قطعة أرض في محافظة مسقط، كما أن جوانب التنسيق مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني مُستمرة في هذا الجانب، حيث إنه يتم تخصيص تلك الأراضي بإحدى الطرق التالية: قطع أراض مُخصصة مُسبقا لاستخدام حدائق حسب المخططات المعتمدة من قِبل وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، المقترحات المرفوعة من قِبل لجنة شؤون البلدية بالولاية؛ لدراسة إمكانية تخصيص قطع أراض بمختلف المواقع بالمحافظة، وطلبات المواطنين لتخصيص قطع أراض لاستخدام حديقة. وقد خاطبت “عمان” وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أيضا إلا أنها لم “ترد” حتى كتابة هذا التحقيق !!.. فهل سيستمر “طارق” وأصدقاؤه باللعب في الشوارع الداخلية بين منازلهم؟، أم أن هناك حديقة صغيرة سترى النور قريبا ؟!