“رسائل إلى فدوى”: الوداع بوصفه لقاءً أبديًّا*

سليمان المعمري

“ماذا لو اخترعنا طريقة مغايرة في الحب؟ لمَ لا نبدأ من الخاتمة؟ نفترق، ثم نلتقي إلى الأبد”!
هكذا اقترح الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا ذات تَجَلٍّ، دون أن يعي أن أبًا عُمانيا وطفلته سيكونان –رغمًا عنهما- تجسيدا لطريقته الفريدة في الحب تلك، ولو بعد حين. وهذه هي عموما مزية الشعر الأثيرة: النفاذ إلى عمق المستقبل ورؤية ما لا يُرى بالعين المجردة.
مات بيسوا في شتاء عام 1935، وبعد نحو ثمانين عاما، وتحديدا في إحدى ليالي صيف 2014، كان أحمد الراشدي يتأمل بسعادة قبعة أطفال جميلة اقتناها قبيل غروب ذلك اليوم من أحد الأسواق الشعبية في ماليزيا ليهديها لحبيبته فدوى، دون أن يعلم أن فلذة كبده – التي كانت تبعد عنه آلاف الكيلومترات لحظتئذ – قد غادرت الحياة في الليلة ذاتها.
هذه الخاتمة كانت بداية اللقاء الأبدي بين الأب وابنته؛ لقاء سيستمر سنوات بعد ذلك على هيئة رسائل وأحلام وتذكرات ودموع وشجن واشتياقات. لم يغب من فدوى عن أبيها إلا جسدها الضئيل. أما روحها الهائلة فقد ظلت تضيء أيامه ولياليه، وتُعينه على تجرّع الحياة. ولم يكن يخطط وهو يتسامر معها ويستحضر طيفها بصفة شبه يومية؛ يخبرها عن أحوال أمها، أو شقاوات أختيها، أو نبالات أصدقائه تجاهه، لم يكن يخطط أن يخرج بهذا البوح إلى العلن، لا سيما أنه يُظهرِه في صورة مختلفة عمّا ألِفَه منه أصدقاؤه ومحبّوه؛ صورة الرجل المرِح المبتسم دومًا للحياة، المُخفِّف عن آلام أصدقائه والمحيطين به. لكنه مع الوقت، ومع تحريض بعض أصدقائه على نشر شيء من هذه الرسائل، ووقوفه على الصدى الطيب الذي كانت تلاقيه، بدأ يفكّر جدّيًّا في جمعها في كتاب. وكأنه آمن أخيرًا بما عبرت عنه ذات مرة الروائية الفرنسية آرني أرنو أنه “إذا كان ثمّة تحرّر عبر الكتابة، فهو ليس في الكتابة ذاتها، بل في هذه المشاركة مع أناسٍ مجهولين في تجربة مشتركة. ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، إنما إعطاؤه معنىً وقيمة، وجعله، في النهاية، لا يُنسى.”
لم يكن تلقّيه خبر رحيل مهجة فؤاده في السفر نقطةَ البداية في هذا الجُرح الغائر الذي لا يُنسى، لكنها الذروة التي يبدأ منها الراشدي سرده في هذا الكتاب، فيعود لما قبل هذه الذروة ويقفز لما بعدها برشاقةِ ساردٍ متمكن يدرك جيدا أن المُفتَتَح هو أهم ما في الكتابة السردية، والذي بإمكانه إذا ما كان مشوقًا أن يمسك بتلابيب القارئ ويقوده من أنفه مُخدَّرًا ومنتشيًا في الوقت ذاته إلى حيث يريد في نص آسر، سندرك بدورنا ونحن نتوغل في دهاليزه أن الكتابة وحدها هي القادرة على مراوغة الحزن، وجعل الحياة أكثر احتمالا، والروح أكثر نضارة، حتى وإن كنا نُسلِّم أن حياة أحمد بعد رحيل فدوى لم تعد -ولا أظنها ستعود- هي ذاتها حياته قبل ذاك الرحيل المحزن. صحيح أنه استمر في الضحك وتصنُّع المرح لكي لا يُوجِع الأم أو يُحزِن الأصدقاء، إلا أن جزءا مُشعًّا من روحه سافر مع فدوى إلى الأبدية. يلخص الأمر برمته عبارة قالها في إحدى رسائله لها: “لا أستطيع أن أتمالك نفسي من البكاء فرحا عندما أشاهد أبًا يضاحك ابنته ويرفعها عاليا”. إنه الفرح النبيل الذي يخفي تحت عباءته حزنا كبيرا، أو لنقل إنه تَشاغُلٌ بالحياة، على أمل أن يغض الموتُ طرْفَه ويذهب بعيدا عمن تبقى من أحباب.
تحيلنا هذه الرسائل، والسرد الذي يسبقها، على ما أخبرنا به رولان بارت ذات يوم من أن النص يبعث فينا اللذة، إذا تمكن من جعلنا ننصتُ إليه بطريقة غير مباشرة، إذا ما دفعنا، ونحن نقرأه، إلى أن نرفع رؤوسنا عاليا، وأن نسمع شيئا آخر. هنا سنكتشف أن أبا أزد – الذي عرفناه على مدار سنوات قارئًا نهِمًا للأدب ولكتب الأطفال والناشئة، وحكّاء بارعًا للقصص التي يقرأها في هذه الكتب، وناشطًا اجتماعيًا في تشجيع الأطفال على القراءة والحث عليها، حد أن مبادرته القرائية “القرية القارئة” التي أسسها وأشرف عليها في “وادي قَرِي” منذ عام 2010 حصدت أخيرا الجائزة الأولى في معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2019، سنكتشف أيضًا أنه أديب بارع قادر على تحويل وجعه الشديد على طفلته ورحيلها الباكر إلى سردٍ شفيف يتسلل إلى الروح بخفة، يقدم حزنه النبيل بهدوء أخاذ، بلا غنائيات فجة، ولا تفجّعات ممجوجة، كما هي حال كثير من كتابات الرثاء.
يقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: “ما قبل الرسائل”؛ يسرد فيه حكاية الرحيل منذ بدايتها، مرورًا بلحظات الإنكار، ثم التسليم بقضاء الله، ثم الحِداد المؤجل، دون أن ينسى استعادة أجمل اللحظات الحميمة التي قضاها مع فدوى، والتفاصيل الصغيرة التي صنعت برهافتها مادة كتاب “رسائل إلى فدوى”. بدءا من اختيار الاسم تيمنًا بشاعرة كبيرة هي فدوى طوقان، ومرورا بلعبة صغيرة على هيئة سيارة حمراء حلم بشرائها لابنته وهي لا تزال جنينًا في بطن أمها، وليس انتهاء بالأبيض الذي اختارتْه فدوى لونًا للوداع. وغيرها من تفاصيل صغيرة لا يتجاوز عمرها سنوات قليلة لم تتجاوز السبع، لكنها صنعت حياة هائلة صاخبة الحضور.
ثم ينتقل للجزء الثاني وهو رسائله القصيرة إليها التي كانت طريقته الوحيدة للتوازن النفسي، تلك الرسائل المكثفة التي اقتربت في بعض الأحيان من الشعر، والتي سرد فيها لابنته الغالية – وبكلمات قليلة – كل شيء حدث في حياته بعدها: انتحابه تحت دش الماء لكي لا يُحزِنَ أمها. امتنانه لمن عزَّوْه وواسوه بفقدها، ومَنْ تذكّر منهم عيد ميلادها أو ذكرى وفاتها. ما كتبتُه أمها في ذكرى رحيلها. دموع جدّها في العيد حين تذكّرها. إعطاب شقيقتها لدراجتها الصغيرة. تعثّره باسمها وهو ينادي أختَها. براعة في انتقاء الذكريات الحميمة التي تخدم فكرة الكتابة، تُذكِّر المرء بما كتبتْه إيزابيل الليندي – الروائية التشيلية الشهيرة- : “آه كم هي عنيدة الذاكرة. وذاكرتي لا تتركني بسلام، تملأ مخيلتي بصور، بكلمات، بأمل وحب”، وهنا أفتح قوسًا صغيرًا لأذكِّر أن أّحَبَّ روايات إيزابيل إلى نفسها، هي “باولا”؛ تلك التي رثت فيها ابنتها الفقيدة.
أما القسم الثالث فعدا كونه قفلة لطيفة للكتاب وتوديعًا غير مباشر للقارئ، فقد حمل أيضًا اعتذارًا رقيقًا من المؤلف لأولئك الذين واسوه في حزنه بكلمة أو بدعاء أو بأي طريقة أخرى وغفل عن تذكرهم، وهو اعتذار يكشف مما بين سطوره كثرة محبيه ومواسِيه.
وأخيرًا؛ فإن هذا كتابٌ معلِّمٌ بلا شك، دون أن يتعمد ذلك، أو يدعيه. ثمة من سيتعلم منه الصبر والرضى بالقدر شرِّه قبل خيره، وهناك من سيتعلّم التعالي على الحزن. أما أنا فقد تعلمتُ من كتاب “رسائل إلى فدوى” – إضافة إلى ما سبق – تحطيم َكليشيه نمطيّ كان لديّ – وربما لدى كثيرين سواي – هو أن ذكر اسم الفقيد أمام ذويه ينطوي على تأجيج للحزن وتقليب للمواجع، وأن على المرء أن يَحْذَر فلا يُكنّي أبًا مكلومًا باسم فقيده أو فقيدته. لكن أحمد الراشدي – بل سأقول بدءًا من الآن “أبا فدوى”- حطم بكتابه هذه الفكرة النمطية. لقد خص بالشكر والثناء اثنين من أصدقائه كانا يتعمدان تذكيره بفدوى. وهذا هو الدرس البليغ.
والآن إذ تعلمتُ الدرس، سأردد بيني وبين نفسي، توطئة لما سأفعله مستقبلًا على الملأ: أبا فدوى. أبا فدوى. أبا فد….

*تقديم كتاب “رسائل إلى فدوى” للكاتب أحمد الراشدي الذي يصدر قريبا عن دار نثر العُمانية.