التنمية واستدامة تمويلها

د. عبدالملك بن عبدالله الهِنائي
 باحث في الاقتصادي وقضايا التنمية

التنمية بأبعادها الثلاثة، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، عملية مستمرة سواء في أصلها اللغوي أو في المصطلح. فمن الناحية اللغوية نجد أن الفعل «نما» يعني كبر وزاد وازدهر، ومن ناحية المصطلح الاقتصادي فإن كلمة تنمية تعني عملية يتم فيها تغيير الشيء أو زيادته ليصبح في وضع أفضل، أو هي عملية تؤدي إلى زيادة أو تقدم أو تغيّر إيجابي في مختلف النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية، وحيث إن التنمية عملية مستمرة تقوم على عدد من الخطط والبرامج والمشروعات، فإن تمويلها يجب أن يكون غير منقطع، وبدون ذلك لن يكون بالإمكان الاستمرار في تلك البرامج والمشروعات، وبالتالي لن تكون هناك تنمية ولا نمو، بل تراجع وانكماش اقتصادي.
وبما أن البرامج والمشروعات التنموية في تزايد سنة بعد سنة وخطة بعد خطة، فإن تمويلها يجب أن يكون مستدامًا، وتكون استدامته إما بزيادة حجمه أو بتحسين كفاءته.
ومما لا شك فيه أن تحسين كفاءة التمويل أمر ضروري لتجنب الوقوع في فخ المديونية العالية، إلى جانب أهمية ذلك في زيادة ثقة الممولين في استقرار سياسات وأوضاع البلد المقترض وفي قدرتها على سداد القروض.
ومن أهم وسائل تحسين كفاءة التمويل، اختيار المشروعات الممولة على أساس جدواها الاقتصادية أو منفعتها الاجتماعية العامة، كما أنه من المهم في ذلك الإطار تحسين كفاءة وأداء الجهاز الإداري للدولة، والابتعاد عن الضبابية وعدم اتخاذ قرارات عشوائية، حيث إنه من المعروف عند الاقتصاديين أن عدم التيقن يزيد من التكاليف uncertainty increases costs.
وتأتي زيادة تكلفة التمويل نتيجة لتردد أو إحجام بعض الممولين عن الإقراض أو عن شراء السندات والصكوك المطروحة للاكتتاب، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة عليها، وهذا ما لوحظ خلال السنوات القليلة الماضية عندما خفضت وكالات التصنيف الدولي تصنيف السلطنة.


ويتخذ تمويل المشروعات التنموية عدة صيغ، ولا يكون فقط من الموارد الموجودة في خزائن الدول وحساباتها المصرفية، ولكن مما يتم حشده وتوظيفه من موارد داخلية وخارجية، بل إن حشد تلك الموارد هو في حد ذاته جزء من عملية التنمية، وذلك من حيث تنشيطه لسوق المال في الداخل وجذب أموال من الخارج لكي تبقى الدولة على تواصل إيجابي، وسجل أو تاريخ إئتماني جيد لدي أسواق المال العالمية.
ومع أن معظم المشروعات التنموية الحكومية ليس لها مردود نقدي مباشر، مثل المدارس والمستشفيات، أو أنها تستغرق وقتا طويلا قبل أن تحقق أرباحًا، مثل الموانئ والمطارات، إلا أن تمويل بعضها يتشابه مع تمويل مشروعات القطاع الخاص، فكلاهما يمول عن طريق الاقتراض العالي، حيث تصل نسبة القروض في بعض مشروعات القطاع الخاص إلى أكثر من 70% من تكلفتها الاستثمارية، وتتم في إطار ما يُعرف بخطة «تمويل المشروع project financing» التي تعتمد على إيرادات المشروع لسداد القرض على أقساط معلومة، وبضمان أصول المشروع ذاته.
وفي جميع الأحوال يجب الابتعاد عن الاقتراض لتمويل مصاريف جارية أو لسداد ديون سابقة، إلا إذا كان القرض الجديد بفائدة أقل أو بشروط أفضل من شروط القرض السابق، لأن سداد القروض يجب أن يكون من الإيرادات العامة، خاصة إيرادات المشروعات التي تم الاقتراض لها إن كان لها إيرادات مباشرة، أو من الضرائب والرسوم التي تحصلها الحكومة، ومن غير المناسب سداد قرض بقرض آخر، لأن ذلك يؤدي في الغالب إلى الوقوع في فخ المديونية.
وبالإضافة إلى التمويل عن طريق الاقتراض أو عن طريق إصدار السندات والصكوك، لجأت بعض الحكومات في السنوات الأخيرة إلى التعاون مع القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ بعض مشروعاتها التنموية، خاصة مشروعات البنية الأساسية مثل المطارات والموانئ والمدارس والمستشفيات، ضمن ما يعرف ببرامج الشراكة public-private-partnership ، وهي برامج يتم فيها سداد تكاليف التمويل خلال مدد زمنية طويلة، وغالبا ما تكون الشركة الممولة شريكا في إيرادات المشروع أو أنها تحصل على كل إيراداته إلى أن يتم سداد القرض، وأبرز الأمثلة على ذلك مشروعات الطرق السريعة التي يدفع مستخدموها رسوما toll يعود معظمها إلى المستثمر الذي مول إنشاءها.
ومن أنواع التمويل أيضا طرح جزء من أسهم المشروع للاكتتاب العام من خلال أسواق الأوراق المالية، خاصة في المشروعات القائمة والتي يراد التوسع فيها، وفي ذلك فوائد أخرى، مثل تعميق سوق المال وتوسيع قاعدة المستثمرين فيه.
الجدير بالذكر أن «رؤية عمان 2040» أكدت على أهمية تنويع مصادر التمويل، وأشارت وثيقة الرؤية إلى ذلك في أكثر من مكان.

إن التنمية عملية مستمرة متسعة لا تتوقف، وهي صنعٌ للفرص كما أنها تسخيرُ لموارد الداخل وحشدٌ لموارد من الخارج، وهي تحتاج إلى إرادة قوية تضع آمالًا وأهدافًا كبارًا، وتحتاج كذلك إلى إدارة رشيدة للوصول إلى تلك الأهداف.
ومما يجهض تحقيق أهداف التنمية وغاياتها، اتخاذ خطوات تعرقل السير نحوها، سواء كان ذلك في صورة سياسات مالية مكلفة أو إجراءات إدارية معيقة وغير محسوبة النتائج.
وفي هذا السياق وضعت «الرؤية عمان 2040» موضوع القيادة والإدارة الاقتصادية القوية الفاعلة كإحدى أولياتها، حيث نصت وثيقتها على أنه «ضمن توجه واضح وإطار مؤسسي فاعل سيتمثل دور القيادة والإدارة الاقتصادية المستقرة في وضع السياسات المالية، والنقدية، والتجارية، والاستثمارية، والصناعية، وسياسات سوق العمل»، كما أكدت على أهمية «وجود قيادة ممكنة متجددة على رأس هيكل تنظيمي اقتصادي واضح يعمل على تحسين الفعالية والكفاءة».
خلاصة القول إنه ما زال للإنفاق التنموي الحكومي في السلطنة أهمية بالغة، ولا ينبغي في المرحلة الحالية خفضه أو التراجع عنه، حيث إن النمو الاقتصادي وإيجاد فرص العمل في القطاعين الحكومي والخاص يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي، سواء كان إنفاقًا جاريًا أو تنمويًا أو رأسماليًا، وسواء كان من ضمن الميزانية العامة للدولة أو من استثمارات الشركات التي تملكها أو تسهم فيها الحكومة، إلى جانب استثمارات القطاع الخاص.
وتزداد أهمية الإنفاق التنموي الحكومي في هذه الفترة للخروج من الآثار المدمرة لجائحة «كوفيد-19»، إضافة إلى ما خلفه قبل الجائحة انخفاض أسعار النفط، ولذلك لا بد من التوسع في المشروعات التنموية وتدبير التمويل اللازم لذلك بمختلف الوسائل لما له من أثر إيجابي على كل القطاعات الاقتصادية، لكنه من الضروري اختيار المشروعات التنموية على أساس جدواها الاقتصادية أو ضرورتها الاجتماعية، خاصة تلك المشروعات التي لها أثر مضاعِف multiplier effect، أي تأثير إيجابي على نمو قطاعات أخرى، مثل تجارة التجزئة والخدمات المالية والتأمين والصناعة وغيرها.
ولما كان الإنفاق التنموي بتلك الأهمية، وإذا تم اختيار المشروعات الممولة بعناية من حيث جدواها الاقتصادية أو منافعها الاجتماعية العالية فلا خوف من الاستدانة لها، سواء من الداخل أو من الخارج لأن التنمية عملية مستمرة، والاقتراض لمشروعات مجدية اقتصاديًا وضرورية اجتماعيًا وغير ضارة بالبيئة، هو في حد ذاته جزء من عملية التنمية.