المسجد الرسالي

خميس بن راشد العدوي

جاء الإسلام والناس مثقلة بالآصار الدينية والأغلال الاجتماعية، فعمل على رفعها والتخفيف منها، لينطلق الإنسان إلى إعمار الكون موصولاً بالله. والمسجد كان عند العرب مشوباً بالاعتقادات التي صيّرته مقراً لطقوس شاحبة كالتقرب إلى الآلهة والجن، فأول ما عمله القرآن أنه أخلص المساجد لله وحده، قال الله: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) «الأعراف:29» لقد استرد القرآنُ المسجدَ من الممارسات الطُقسية الخرافية، وجعله في عالم الشهادة الطبيعي، ليصل هذا العالم بخالقه العظيم.
النقلة النوعية التي أحدثها الإسلام بالنسبة للصلاة والشعائر التعبدية عموماً، أنه حوّلها من همهمات ميتة يتوجه بها إلى آلهة لا تملك ضراً ولا نفعاً، إلى عمل ينفع الإنسان في حياته يبتغي منه مرضاة الله، لقد حرر الإسلام العبادة من الكهانة، ومن طقوسها المثقلة بها في الأديان السباقة، وجعلها ميسرة متفاعلة مع الحياة. فالصلاة تقام في أي مكان طاهر، وبدون واسطة كهنوتية، فمن يقيم الصلاة للجماعة؛ لا رتبة دينية له، ولأي شخص يُحسن الصلاة أن يصلي بالناس جماعة، ولم يُضيّق كذلك في وقت أدائها؛ فيمكن أن تقام منذ بدء وقتها حتى نهايته، كما يجوز جمع صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؛ لاسيما عندما يضرب الإنسان في الأرض.
وكثرة المساجد ليست أمراً مستحسناً بذاته؛ إن كانت تصرف الناس عن ألفة قلوبهم ووحدة صفهم والقيام بمصالحهم، فكما أن الإنسان مطلوب منه أن يتجه في عبادته إلى الله وحده؛ فمطلوب منه كذلك ألا يجعل المساجد سبيلاً إلى التفرّق، بكثرتها دون ضرورة ملحة، فعندما اتخذت طائفة مسجداً غير مسجد الرسول الأكرم، سمّاه الله مسجداً ضراراً ووصمهم بالنفاق، ومنع النبي من إقامة الصلوات فيه، وقد حكى القرآن قصته في سورة التوبة بالآيات (107-110)، ولذلك.. حافظ النبي والمؤمنون على الصلاة في مسجد واحد، خشية أن تتفرق الأمة وتختلف قلوبهم.
لقد جعل الإسلام المسجد مقراً عملياً، ولم يشترط له مبنى بمواصفات محددة، بل هو كأي مبنى آخر، وبهذه البساطة التي كان عليها مسجد رسول الله أحدث «ثورة» في عالم التعبّد. فبالإضافة إلى كونه مقراً لالتقاء النبي بأصحابه لإبلاغهم ما ينزل من القرآن.. كان كذلك منطلقهم في حركتهم اليومية، وتدارس أوضاعهم وتطورات الاجتماع البشري من حولهم، لم يكن المسجد عالة على المجتمع، فلم يكلفهم غير المحافظة على طهارته؛ الحسية والمعنوية، لكنه كان دينامو اجتماعياً، جُدُره من طين وسقفه من سعف؛ تخرجت منه أمة مفعمة بالحيوية.
الآن.. ماذا يقدّم المسجد للمسلمين؟ لا شيء غير أننا نذهب إليه فنصلي، مع أن الأمر لا يختلف عندما نصلي في غيره، وذلك.. لأن المسجد فَقَدَ المهمة الرسالية التي وضعها الإسلام له، هذا لو سكتنا عن كونه لدى بعض المسلمين سبباً للتفرق؛ إما مذهبياً أو قبلياً أو طائفياً، أو لأي سبب آخر، وأخطرها عندما تحوّل إلى مقر سياسي تديره جماعات تؤمن بالعنف، والتي قد تنطلق منه لتفجّر مساجد أخرى يقيم فيها الصلاة مسلمون أيضاً.
«الثورة».. التي أحدثها الإسلام في الدور الوظيفي للمسجد كانت إرهاصاً لظاهرة ثقافية، جعلت العلم مشاعاً في المجتمع، بعد أن كان محدوداً بين أبناء الأغنياء ورجال الدين، فقد اتخذ النبي الأكرم غرفة ملحقة بالمسجد تؤوي بعض أصحابه ممن رهن نفسه للعلم، عُرِفوا بـ«أصحاب الصُّفة»، وهم الذين تتلمذ على أيديهم القرّاء، ويكفي أن نعرف مدى تأثير هؤلاء القرّاء بأنهم انتصروا للعدل والمساواة في النزاع الذي جرى بين الصحابة، ومن هذه «الصُّفة» تكونت ثقافة المجتمع المعرفي، والتي جعلت من المسلمين عموماً طالبين للعلم، فتشكّلت لديهم مدارس في مختلف مناحي المعرفة السائدة حينذاك، كما ظهرت المؤلفات الجليلة في مختلف أوجه العلوم.
لقد أذكى الإسلام كثيراً من فعل الخير، وكان من ذلك الوقف والوصية، فأصبح لدى المسلم ثقافة أن يوصي قبل موته في شيء من الجوانب الاجتماعية، ومنها ما يتعلق بالمسجد، مثل: التعليم، وإطعام العُبّاد فيه، وتفطير الصوّام والمعتكفين، بل غدا المسجد مبرة للخير، ليقوم بشأن الناس ليس داخله فحسب، وإنما في المجتمع عموماً، ولم يكن المسجد حينها عالة على المجتمع، بل كان رافداً له، ويقوم بكثير من الأعمال الاجتماعية في حال غياب الدولة، نعم.. المسجد ليس مؤسسة حكومية، بيد أن دوره أقرب إلى المجتمع المدني، في الإطار الإيماني والأخلاقي الذي يقوم عليه الدين.
أما اليوم.. فقد تراجع دور المسجد ليصبح عالة على المجتمع والدولة، ترصد له الأموال لبناء حوائط خرساء، ونقش زخارف متحفية، وتشييد مآذن تناطح السحاب، ونسوا أن كل تصميم منها يميت حقاً من حقوق المجتمع التي جاء الإسلام ليحييها، لقدْ فَقَدَ المسجد دوره الرسالي وتحوّل إلى رمز طُقسي، يتفاخر الناس في تزويقه، بينما كثيرٌ من الناس حوله فقراء ومرضى وعاطلون عن العمل، ولا يملكون تعليماً يؤهلهم للاستفادة من معطيات الحياة.
إن المسلمين محتاجون إلى إعمار المسجد بدلاً من بنائه الفخم؛ إعماره باسترداد رسالته التي تحددت في القرآن؛ بثلاثة محاور كبرى؛ هي:
– عبادة الله الخالصة: التي لا يتوجه بها إلى غيره، دون تزييف للوعي بمواعظ عاطفية، تثير الوجدان وتوهن الإيمان، يقول الله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) «الجن:18».
– التربية الأخلاقية: التي تكفّ الإنسان عن السوء، وتدفعه به إلى الخير، يقول الله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) «العنكبوت:45».
– العمل الصالح: وهو من المقاصد العليا التي جاء لأجلها الإسلام، قال الله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) «الماعون:4-7».
فلكي نتحقق بأن المسجد يقوم بوظيفته؛ علينا أن ننظر إلى مدى تطبيقه لهذه المحاور الكبرى، والمسلم لا يحتاج أن يسجد على سجادة مخملية؛ لكنه محتاج أن يتيقّن بأن صلاته دفعت به إلى قول معروف وعمل صالح.
على المسلمين.. لاسترجاع المسجد الرسالي المنتِج اجتماعياً وقيمياً، الذي صادره المسجد الطُقسي المستهلِك اجتماعياً واقتصادياً، أن يقوموا بخطوات عملية؛ منها:
– تقليص أعداد بناء المساجد التي لا داعي لها، والاستغناء عن المآذن والقباب وزخرفة الحوائط والمحاريب، وبناء مساجد عملية، مع توفير المبالغ لصالح رسالة المسجد وأداء دوره الوظيفي في الحياة.
– المبالغ الطائلة التي تجمع لبناء مسجد فاره، يكفي أن يُبنى بربعها المسجد، ويعمل بالباقي مشاريع استثمارية وقفية، ينفق منها على مصالح أهل حي المسجد؛ كإعانة الفقراء والتعليم والعلاج والمكتبات ومعاهد التدريب، وكل شيء من شأنه أن يخدم المجتمع وأبنائه.
– تنظيم وقف المساجد في هيئة عامة يقوم عليها أناس أمناء، تستثمر أمواله في مشاريع مربحة، تنفق مداخيله فيما يؤدي رسالة المسجد الإيمانية والأخلاقية، وهذا الوقف قد يسهم في إيجاد وظائف عمل لأبناء المجتمع عند إحسان إدارته وتفعيل استثماره.
– إحياء حلقات المسجد؛ بإقامة حلقة لقراءة القرآن وتدبره، وحلقة لغرس الأخلاق في الناشئة، مع البُعد عن الدروس -والتي معظمها مكرر- التي تستهلِك عمر الإنسان بدون فائدة تعود عليه وعلى مجتمعه.
– الاستغناء عن وظيفة إمام المسجد، ويصلي بالناس أي شخص يُحسن قراءة القرآن، وتعيين شخص على حساب وقف المسجد يرعى شؤونه ونظافته.
وهناك الكثير من الرؤى العملية التي بإمكان الناس أن يقوموا بها في حال رجوع المسجد لوظيفته الطبيعية، والتي أصبح من الضروري إعادة النظر فيها في هذا العالم المتحول بسرعة، حتى لا يأتي يوم يبيع فيه المسلمون مساجدهم، كما يحصل الآن في الغرب، حيث تباع الكنائس وتحول لمتاحف وغيرها.