في نزوى.. تستحضر التاريخ وعبقرية العمانيين بين قلعتها الشهباء وحاراتها القديمة ألف حكاية

كتبت – شمسة الريامية –

زرت نزوى واستحضرت تاريخ عمان بكل تفاصيله.. يرويه المكان.. كل شيء هنا شاهد على عظمة العمانيين بدءا من الهندسة العمرانية التي تعكسها القلعة الشهباء بشكلها المستدير ومساجدها الأثرية، تتراءى أمامي حلقات العلم، التي يتحلق فيها العلماء وهم ينهلون علومهم من أئمة وفقهاء، فنزوى كانت وما زالت منارة المعرفة.. أشتم عبق الماضي بين حاراتها وسوقها التراثي.
من مسقط تبعد مدينة نزوى قرابة 164 كم، حيث يربطها طريق مزدوج كأحد منجزات النهضة الحديثة.

انطلقت صباحا بصحبة العائلة، استغرق المسير قرابة ساعة ونصف الساعة، ومباشرة إلى حيث قلعة نزوى “الشهباء” الشامخة والراسخة التي تختزل بين جنباتها أحداثا سجلها التاريخ، وبطولات الأجداد الذين طردوا البرتغاليين من عمان، فقد بناها الإمام سلطان بن سيف اليعربي عام 1650م وظلت مركزا للأئمة في فترات متقطعة بين القرنيين الثامن والثاني عشر الميلاديين.
هنا تستشعر عظمة المكان وأمجاد العمانيين فقد بنوا حضارة وبقيت نزوى منارة للعلم والمعرفة وموطن العظماء جامعة للعلماء والفقهاء، وبها من المعالم الأثرية ما لا يعد ولا يحصى.. تستحضر تفاصيل الزمن القديم بمجرد سيرك في حاراتها القديمة وسوقها التراثي الفريد بدكاكينه الصغيرة وبعض الوجوه التي ارتسم عليها آثار الزمن وتقلباته لتبقى شاهدة على تاريخ المكان.

يقابل القلعة الشهباء سوق نزوى التراثي ذو المداخل المتعددة، وأبوابه الفريدة، لم يغير الترميم الذي حظيت به المدينة في عهد النهضة الحديثة وجه السوق، ولا تفاصيله الداخلية، بقي شاهدا على الحضارة العمانية.
اتجهت نحو السوق لكن الوقت بدا متأخرا بعد الثانية عشرة ظهرا حسب توقيت عمل الأسواق الشعبية، حيث تفتح باكرا وتغلق باكرا أيضا، يذهب أصحابها للصلاة والاستراحة ويعودون مساء، لتدب الحركة في السوق مرة أخرى.

سرنا في الممرات الضيقة، هنا الحارات القديمة.. ما أجملها من تفاصيل!، كان الغداء قد حان موعده، بدأنا في البحث عن مطعم شعبي، أحد المطاعم التي سمعنا عنها، مطعم العقر، وفي طريق بحثنا عنه واجهتنا مجموعة من النزل التراثية منها “انتيك”، تمنيت لو أقضي ليلتي فيه، وأستعيد ذكريات الأجداد في تلك المنازل المصنوعة من الطين، أفتش في مندوس جدتي المنزوي في أحد أركان الغرفة، كانت النساء تحفظ فيه ملابسها ومجوهراتها وأشياءها الثمينة، و”الملهبة” في أحد الرفوف التي كانت تستخدم في جلب الهواء وخاصة في فصل الصيف، و”المرش” الذي يوضع فيه ماء الورد المصنوع من سفوح الجبل الأخضر، إذ تستخدمه المرأة كعطر، وغيرها الكثير الذي تتزين بها زوايا وأرفف المنازل.
الآن أمام باب المطعم الشعبي لكن للأسف أبوابه مغلقة لأعمال الصيانة، كان في قرارة نفسي أن أتذوق المأكولات الشعبية في نزوى بالذات، أن أتناول غدائي على “حصير” كعادة العمانيين التي لا تزال حاضرة.. لكن صيانة المطعم حالت دون أن يتحقق ما تتمناه النفس.
وقتها كان علينا أن نبحث عن مطعم آخر بذات النموذج لكن في المكان نفسه لم يبدو لنا بديل، قررنا أن نأخذ غداءنا من أي مطعم ونبحث عن مكان مناسب نستريح فيه، فاتجهنا إلى فلج دارس الشهير، حيث ترتبط “نزوى” بهذا الفلج كثيرا، ويعد من أشهر وأكبر الأفلاج في السلطنة، إذ تم إدراجه في قائمة الأفلاج الخمسة المسجلة لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو في عام 2006.
افترشنا الأرض تحت شجرة وارفة الظلال، وتناولنا الغداء، وبقينا بجانب فلج دارس وقنواته المائية التي تروي أكثر من 280 فدانا، و25 ألفا من أشجار النخيل والمانجو والسفرجل والليمون والتين. استمتعنا بالمياه وهي تنساب بين جداوله، شعرنا ببرودته، مضى الوقت مسرعا ونحن بجانبه حتى غروب الشمس، استرجعت حينها بعضا من طفولتي في إحدى قرى ولاية إبراء حيث كنا نذهب إلى فلج القرية كل صباح مع أطفال القرية الآخرين للعب بجانبه، وضحكاتنا كانت تعلو من الفرح.
عدنا مرة أخرى إلى سوق نزوى، في الطريق شدتني أعداد الدراجات بمختلف أنواعها وأشكالها التي قد تزيد على عدد السيارات، يبدو أنها وسيلة التنقل الأولى في نزوى، وصلت السوق التراثي وقد عادت إليه الحركة، اتجهت إلى ركن الحرفيات، كان مليئا بالفخاريات، أمعنت فيها النظر طويلا، استمتعت بمنظرها وقد صفت بطريقة بديعة في تناغم لوني جميل. تذكرت حينها “الجحلة” التي كانت تعلقها جدتي في شجرة المنزل، تختارها بعناية لتضمن مهمة تبريد الماء، كنت أتساءل حينها، كيف يمكن أن يخرج الماء بهذه البرودة وهي معلقة في شجرة ؟.

لم يعد استخدام “الجحلة” بنفس الاستخدام اليوم مع ظهور الثلاجات الكهربائية المتعددة الاستخدامات والأشكال، والتي معها تحولت وظيفة الجحلة لتبقى من أجل للزينة، فالبعض يضعون الضوء بداخلها ويعلقونها في حديقة المنزل فتعطي منظرا جميلا. لم تكن ” الجحلة” هي المعروضة الوحيدة في السوق وإنما كانت هناك المباخر وأكواب اللبن والماء، وجرار الطعام والحلوى، وغيرها.
انتقلنا بعدها إلى ركن الحرفيات والمشغولات اليدوية المصنوعة من سعف النخيل، ورأيت عددا كبيرا بأشكال وأحجام مختلفة مثل “القفير” و ” والزبيل” وبعضها لم أتعرف على أسمائها، وبمجرد رؤيتها عادت بي الذاكرة إلى مظاهر ” الحول حول” وهي الفعالية التي تقام للطفل بعد مرور عام كامل على ولادته، فكانت أمهاتنا يستخدمن ” القفير” لوضع الورد والحلويات والمكسرات ليتم نثره على رأس الطفل وحوله الأطفال الآخرون وسط ترنيمات شعبية. وعلى مسافة ليست ببعيدة رأيت محلا يضم حرفيات وحليا مصنوعة من الفضة، شدني بعضها، لكن فاجأني صاحب المحل بأنها جلبت من تركيا، كما أن بعضها “تايلاندية الصنع”، أي أنه لم يكن المعروض حليا محلية فقط، تساءلت في نفسي لماذا لا نقتصر على عرض المحلي منها أم هي محاولة لإرضاء أذواق الجميع من مختلف الأعمار؟.
في السابق كانت زينة النساء المجوهرات الفضية كالخواتم والأقراط، وأقراط الأنف، والأساور والخلاخل، والقلائد، والسلاسل، والتمائم والمكاحل، التي تتميز بالترصيع بالنقوش البارزة واستخدام الأحجار الكريمة.
لم يمهلنا الليل كثيرا لنبقى في نزوى ونشتم رائحة التاريخ .. هنا ودعنا المدينة التي غدت تنعم بمنجزات حديثة لا حصر لها غيرت وجه الحياة كأي مدينة عمانية أخرى.