بايدن يشرع في إصلاح ما أفسده ترامب

ماكس بوت – واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –

ألقى بايدن خُطبا لا تُعدُّ ولا تُحصى عن السياسة الخارجية كعضوٍ في مجلس الشيوخ وكنائب للرئيس وكمرشح رئاسي. ويوم الخميس 4 فبراير ذهب إلى وزارة الخارجية لإلقاء أول خطاب له عن السياسة الخارجية كرئيس.
من الصعب
القول إن الملاحظات التي أدلى بها جوهرية. لكنها مهمة على كل حال لأنها تشير إلى نغمة جديدة واتجاه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية بعد أربع سنوات من شعار ترامب «أمريكا أولا».
أفصح بايدن في جلاء عن إدراكه بأن الضرر الذي أحدثه الرئيس السابق دونالد ترامب (وهو لم يذكره أبدا بالاسم) لن يُجبر بين عشية وضحاها.
وقال في خطابه: «تحركنا بسرعة للشروع في استعادة «ارتباط أمريكا بالعالم». واستطرد قائلا: «من المهم جدا حصولنا مجددا على مركزنا القيادي… واستعادة صِدقيتنا وسلطتنا الأخلاقية».
وعلى الرغم من إعلان بايدن بأن «أمريكا عائدة….. الدبلوماسية عائدة» إلا أنه بدا مدركا تماما بأن البلدان الأخرى حول العالم ستكون متشككة في قيادة الولايات المتحدة بعد كوارث الأعوام الأربعة الماضية. فلماذا يثق أي أحد مرة أخرى ببلد لا يمكنه معالجة جائحة وشهد لتوٍّهِ تمردا في مبنى برلمانه؟
لا شك أن بايدن لاحظ ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للموقع الإخباري الأمريكي «آكسيوس» قبل أيام قليلة . قال زيلينسكي: «اعتدنا على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لديها مؤسسات ديمقراطية مثالية يتم فيها تداول السلطة سلميا… في أوكرانيا مررنا بثورتين .. أدركنا أن أشياء مثل هذه (يقصد التمرد في مبنى الكونجرس) يمكن أن تحدث في العالم. لكن أن تحدث في الولايات المتحدة؟ لا أحد توقع ذلك. كنت قلقا جدا.. لا أريد أن يكون لديكم انقلاب. بعد أن حدث شيء مثل هذا، أعتقد أنه سيكون من الصعب للعالم أن يعتبر الولاياتِ المتحدة رمزا للديمقراطية».
حاول بايدن التقليل من مثل هذه المخاوف بالإشارة إلى أن محاولات ترامب إطاحة
الديمقراطية
يمكن في الواقع أن تجعلنا مدافعين أقوى عزيمة عن الحرية. قال: «سيخرج الشعب الأمريكي من هذه (التجربة) أقوى وأكثر إصرارا وأفضل إعدادا لتوحيد العالم في معركة الدفاع عن الديمقراطية .. لأننا حاربنا من أجلها نحن أنفسنا».
هذا طرح ذكي. أن نحاول تحويل ضعفنا إلى قوة. وآمل أن يكون ذلك كذلك. لكن إذا صوَّت مجلس الشيوخ لتبرئة ترامب (ويبدو أن ذلك مؤكد تقريبا بالنظر إلى أن أعضاء المجلس الجمهوريين ماعدا خمسة منهم صوتوا لشطب التهمة) ستكون تلك، لسوء الحظ، رسالة حصانة من المساءلة عن التصرفات الشائنة. وستقوِّض جهود بايدن في إعادة بناء الثقة في أمريكا كزعيمة للعالم الحر.
لا يوجد شيء يمكن أن يفعله بايدن لإجبار الجمهوريين على القيام بواجبهم. لكن من المؤكد أنه يفعل كل ما بوسعه لإنعاش الدبلوماسية الأمريكية وإحياء مكانة الولايات المتحدة في العالم.
معظم ما لزم بايدن أن يقوله يوم الخميس 4 فبراير كان سيبدو عاديا ومضجرا إذا قيل في أية فترة سابقة من تاريخنا. لكن بالنظر إلى التجربة التي عشناها لِتوِّنَا بدت العبارات المألوفة التي خرجت من فم بايدن جديدة ومهمة.
لقد دعا إلى «الدفاع عن الحرية» وإلى «الحفاظ على الحقوق العامة» وإلى «احترام حكم القانون» وإلى «معاملة كل شخص بكرامة». وقال: إن كل هذه المبادئ تشكل «مصدر قوتنا الذي لا ينفد» وأيضا «الميزة الدائمة» للولايات المتحدة.
من ناحية يمكن القول، ولا مزاح في ذلك، ما الجديد؟ ومن ناحية أخرى، نحمد الله أنه قال ما يجب أن يُقال. لقد شعرت بشيء من الانشراح وأنا أستمع لبايدن وهو يتحدث.
تلك هي المفاهيم التي كنا فيما مضى نتعامل معها وكأنها تحصيل حاصل ولكنها الآن بحاجة بالغة إلى توضيحها بعد أن رمى بها ترامب جانبا. لذلك كان هنالك أيضا شيء يبعث على الارتياح العميق في بايدن. أولا، إقراره بأن علينا التعامل مع «التحديات الدولية» التي تمتد من «الجائحة إلى أزمة المناخ». وثانيا، تأكيده أن هذه التحديات سيتم «حلها فقط بتعاون البلدان والعمل المشترك».

قال بايدن أيضا إنه أوضح للرئيس بوتين بطريقة مختلفة جدا عن سلفه «أن أيام خنوع الولايات المتحدة تجاه الأعمال العدائية لروسيا، من تدخُّلٍ في انتخاباتنا وهجماتٍ سيبرانية وتسميمٍ لمواطنيها، انتهت».
ولم يكن لديه الكثير من الأشياء المحددة التي يمكن أن يعرضها. فهو لم يكشف النقاب عن أية عقوبات جديدة على بوتين وزمرته. لكن مجرد قولِه الحقيقة عن الهجمات الروسية ومطالبته بوتين بإطلاق سراح المنشق إليكسي نافالني من السجن يشكل تحولا حاسما ومرحَّبا به عن «الموقف المُعتاد» في الماضي القريب.
كما أوضح بايدن أن روسيا ليست البلد الوحيد الذي لن يحصل بعد الآن على «شيك على بياض» من واشنطن.
وقال أيضا: إن الولايات المتحدة لم تعد تؤيد استمرار الحرب في اليمن والتي نجمت عنها كارثة إنسانية.
بمعنى من المعاني، لم يأتِ بايدن بشيء جديد تماما. فهو فقط قال ذلك النوع من الأشياء التي كان يمكن أن يقولها أي رئيس أمريكي قبل ترامب. لكن سماعَنا لها الآن بعد أربعة أعوام من الأقوال والأفعال المختلَّة، حدثٌ جديد وخبرٌ يستحق أن يُذاع ويُنشر.