جرة قلم: الكتاب هديةً

محمود الرحبي

بسبب البدائل الكثيرة التي حلت محل المطالعة، انحسر الإقبال على شراء الكتاب. وفي ظل هذا الوضع، غدت الكتب الحديثة كأنما تؤلَّف بلا قرّاء.. لكنْ يستوقفني أمر ذو دلالات، وقفت عليها من خلال تجربة شخصية.
أهديت بعض الأصدقاء، مؤخرا، نُسخا من مجموعتي القصصية “ثلاث قصص جبلية”. وكم أسعدني أنهم قرؤوها، كلهم، في وقت “قياسي جدا”..
أمر القرّاء ليس محسوما، إذن، أو لنقل إنه يأخذ شكلا ماكرا، فهناك قرّاء لكنهم غير مستعدّين لأن يبحثوا عن الكتاب ويشتروه. فدفع المال مقابل كتاب صار عادة في حالة انحسار متواصل. ويستدعي الوضع، والحالةُ هذه، أن نبحث عن صيغ جديدة للتفكير في القارئ. ولا بأس، مثلا، أن يجتهد الكاتب في كيفية تحويل الكتاب من “سلعة” إلى “هدية”..
اعتاد عبد الفتاح كيليطو، مثلا، أن يوزّع كتبه في معرض الدار البيضاء. فكان القراء يخرجون من هناك وقد استمتعوا بمحاضرة قيّمة وبكتاب جديد كهدية. وفوق ذلك يكون الكتاب الهدية موقّعا من مبدعه.
ربما يستطيع الكاتب أن يضع الأدب بعيدا (دائرة الخطر) حين يحوله إلى هدية، أو بالأحرى حين لا يتواطأ مع الناشر في “ألاعيبه المملة”.

2

بعد رحيل مارادونا أو تزامنا مع غيابه، تابعت بانتباه المحاضرة التي أشرف عليها متحف “بيت الزبير” ونشّط فقراتها الأصدقاء حسن مدن وسيد محمود و منى بنت حبراس وسليمان المعمري ومحمد الفولي؛ وكان مارادونا حاضرا كأديب هذه المرة!.. وبفضله اجتمعنا للاستماع إلى تفاصيل وجذور علاقة كرة القدم بالأدب. هكذا – مثلا – عرفت أن نجيب محفوظ كان يلعب الكرة، وأن توفيق الحكيم ((في عبارته الشهيرة)) -حسب مواطنه سيد محمود- كانت عينه على المال وليس على الكرة.
وقد سمعت عن قصة بخل الحكيم محكيات طريفة من قبل، منها الواقعة التي حدثت له مع أمّ كلثوم.. كانت “السّت” تُحيي سهرة من أجل جمع تبرّعات لفائدة جهة أو قضية ما لا أذكرها، فامتنع الحكيم عن التبرّع. فما كان من المرأة القوية إلا أن قامت من كرسيها ووقفت أمامه مباشرة، ولم تترك له خيارا إلا أن يُدخل يده في جيب معطفه..
القصة الثانية حول لقاء طلبه منه المذيع السعودي ((محمد رضا نصرالله)) الذي وثّق لنا أحاديث نادرة لمشاهير الأدب العربي في بدايات قناة “إم بي سي”. فحين طلب من توفيق الحكيم أن يجري لقاء معه، ((رفض الأخير قبل أن يسلّمه أكثر مما رصدته القناة.))
وفي سياق هذه المناسبة المتعلقة بعلاقة الساحرة المستديرة بالأدب، أذكر رواية ممتعة كنت قد قرأتها، في الحقيقة، منذ زمن طويل وما زلت أجدها ممتعة، أعني رواية “ضربة جزاء” للكاتب الجزائري رشيد بو جدرة، حتى أني ما زلت أتذكر ذلك البطل الذي كان في إطار دفاعه ضد الاستعمار الكولونيالي يستخدم كرة القدم كدفاع مضمون. فقد خطّط للانتقام لمقتل عائلته -وبالتالي أبناء وطنه- بقتل أفضل لاعب فرنسي في تلك المباراة. ولأنه رجل انطوائي مسالم، ولا يعرف غير التدخين وبكفاءة، وكأنه يدخن سيجارة طويلة بأنفاس متقطعة، ولكنه حين اضطر للتنفيذ أتقن تكتيك “اللعبة”، الذي أتقنه قبله الكاتب رشيد بوجدرة. ومن أجل إنجاح المشروع الانتقامي، وتسديد الهدف القاتل في صدر الخصم، يلجأ بطل رواية بوجدرة إلى “خطة” أو تحدّ إذا أمكنه أن يبلغه فإنه يستطيع بعد ذلك أن ينفّذ مشروعه الانتقامي بشجاعة وبدون توتر.. كانت خطته أن يملأ، على مدار عدة أيام، جيوبه بالسّجائر لكنْ دون أن يدخن منها ولو سيجارة واحدة. وكان، حين تلحّ عليه الرغبة في التدخين، يشتري علبة جديدة لكنْ دون أن يفتحها، كما سابقاتها. امتلأ معطفه بالعلب ودخل في صراع التحدّي عدة أيام. وبعد أن انتصر على نفسه ورغباته ولم يدخّن ولو سيجارة واحدة تأكد، حينئذ فقط، من أنه يستطيع أن يسجّل “هدفه”.. أشهر مسدّسه مباشرة في صدر اللاعب، الذي كان غير بعيد عن المرمى، ((وأي مرمى!؟))…