في مئوية أبي مسلم البهلاني «الفُتَحْ الرَّحمانية من الأدبيات العُمانية»

قصائد مختارة من ديوان أبي مُسْلِم البهلاني –
كتابات عُمانية مُبكرة «9» –
إعداد الدكتور محسن الكندي –
اضطلعَ الأميرُ الشيخُ صقر بن سلطان بن صقر القاسمي حاكم إمارة الشارقة الأسبق رحمه الله (1951 – 1965م) بخدمة التراث العُماني، فكانت له جهودٌ مبكرة في نشر شيءٍ منه، وقد تَجَلَّى في مختارات من ديوان أبي مسلم البهلاني الرواحي حيث طبعها على نفقته وسمَّاها “الفُتَحْ الرَّحمانية من الأدبيات العُمانية” ونشرها في رسالة قصيرة لا تتجاوز صفحاتها أربعًا وأربعين صفحة من القطع المتوسط، وأصدرها في إحدى مطابع الهند سنة 1273هـ/ 1954م مُقدِّمًا لها بافتتاحية قصيرة مقتضبة يمكن اعتبارها تجوّزًا تصديرًا من التصديرات العُمانية المبكرة بأقلام عربية/ خليجية رغم أن كاتبها لا يتنصل من عُمانيته التاريخية، ولا من أصوله التي أبان عنها وجاهر بها في شعره وأدبه وكافة مسارات حياته، فهو الذي يُقْسِم بها أي بعُمان ويتوجها نبراسًا دالًا على هويته، وأكثر من ذلك يجسّدها في دواوينه الأربعة “الفواغي” و”جنة الحُبِّ” و”وحي الحق” و”صحوة المَارد” إضافة إلى ديوانه المجموع الصادر في أربع مجلدات من قِبلِ ابنته الشاعرة ميسون القاسمي، وفيه يتجلّى قَسَمَه البار واضحًا ووطنيته العُمانية متقدة، وقوله المُفعم بالحميمية والمشاعر الخالصة تجاه وطنه عُمان أرضًا وكيانًا وحضارة: عُمان وَحَقكِ يا موطني وأعظِمْ بحَقِ الوَفا من قَسَمْ سأَحيا لحُبّكِ رغمَ الظروفِ ورغمَ الخُطوبِ ورغم الألمْ بلادي فدتكِ حياة الأباةِ فإن الفداءَ حياةُ الأممْ كما تتجَلَّى فيه روحه العاشقة لوطنه حين يخاطبه ويناديه بأعظم عبارات التعظيم، وأسمى معاني الإجلال مستخدمًا أفعل التفضيل الدالة على أقصى درجات التعظيم: يا عُمانُ وأنتِ أعظمُ شيٍء في فؤادي وأنتِ مجلى البصائر. وفي قصيدة أخرى يتألم لتألمها ويحزن لأحزانها ويقول: عُمانُ وهلْ لي سامعٌ فأقولُ فقد هدَّني بعد الرَّجاءِ نُكولُ وآلمني منكِ القُعُودُ وقد دعا المُنادي فهلْ مَسَّ الفخار أفولُ؟ فيا حزني إذ لم أجدكَ موحدًا إلى المجد تمشي سيدًا وتقولُ ويبينُ في هذه الافتتاحية القصيرة عن حسٍّ عربي قومي أصيل تنحدرُ سلالته من تلك الأصول العُمانية الضاربة في القدم؛ لذا فهو يقدم هذه الافتتاحية محمولا بحسِّ الواجب الوطني تنتابه فيه الغيرة على تراثه المنكوب الذي لا يعرف القارئ العربي عنه شيئًا؛ لذا يرى الحاجة إلى التعريف بوطنه منطلقًا من تخوم الحاجة الماسة إلى التعريف بأدبه بعد أن غفلت عنه الكتابات العربية وتجاهلت تراثه بحكم ما حلَّ به من عزلةٍ وتخلفٍ عن الركب العربي في تلك المرحلة الفارقة من تاريخه، فمطلب الحاجة والفكر القومي المتقد في ذاته هما اللذان دفعاه إلى هذا الإصدار المبكر، وفي ذلك يقول مخاطبًا القارئ: “أخي القارئ لحاجتك الماسة إلى معرفة أقطارك النائية عنك والتي جهلتها مدة من الزمن لا عن اختيار منك، ولكنْ يدٌ قاسية فرَّقت بينك وبينها وجعلت حواجز منيعة لا تستطيع اجتيازها، وسورًا لا ينفذ منك إليك الصوت، ولا يخترقُ بصرك حجابَها”. وينتهزُ القاسمي الأمير فرصة نسمات الحرية التي هبَّت على بعض الأقطار؛ فيطفق في التعريف بفكر وأدب وطنه، وفي ذلك يقول: “واليوم وقد تحطَّمت أكثر تلك السدود وشلَّت تلك اليد عن إدارة أعمالها، أعرجُ بك على قُطْرٍ من أقطارك هو في أشدِّ الحاجة إلى معرفتك، وأنت في أشدِّ الحاجة إلى الأخذ بيده، والتضامن معه، فذلك القطر هو “عُمان” الذي حلَّت بينك وبين معرفته الظروف القاسية.. “. ويحتفي الشيخ القاسمي بشاعر نموذجي انطلاقًا من شعره الذي يشكّل نموذجًا للشعر الرصين المُنبعث من ثناياه صوت الاستنهاض والثورة والصرخات المدوية والوطنية الصادقة، والدعوة إلى النضال والكفاح، وأكثر من ذلك هما عنوانان للأصالة الشعرية مبنى ومعنى، ولعل مبعث أحاسيسه تجانس الخطاب الاستنهاضي الملتهب مع خطاب المرحلة القومية وما ساد فيها من تحرر ومقارعة للاستعمار وفتح للذائقة على مبحث تأكيد الهوية العربية وبيان مكوناتها وصولا إلى حلم الوحدة العربية انطلاقا من وحدة الأرومة والمصير المشترك، وفي ذلك يقول واصفًا فكر الشاعر أبي مسلم: “يهمّه ما يرى من تفككٍ في النفوس وضعف في الأخلاق والخلود إلى السكينة والرضى بما تعمل الأيدي الخفية، فهو يدعو إلى اتحاد الصفوف وتآلف القلوب”. ويختار الشيخ القاسمي لتأكيد ذلك قصيدتي أبي مسلم الاستنهاضيتين الشهيرتين “المقصورة” و”الفتح والرضوان بالسيف والإيمان” مبينًا أهداف تقديمه للقارئ العربي في وقت انعدمت فيه القصائد العُمانية فيقول: “أقدّمه لك في شاعره الفحل أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي نسبةً إلى بني رواحه (قبيلة في عُمان) والشاعر المعاصر الذي توفى منذ سنوات قليلة شاهدَ في حياته الكثير من التفكك القومي والخلقي، وهو كما ستشاهد في شعره يغلب عليه الوتر الديني، فلا عجب إذا أرسل صرخاته المُدَوية يستنهضُ النفوس للأخذ بأهداب الدين؛ إذ لا نهوض للمسلمين إلا به”. ورغم أن جهود الشيخ القاسمي واختياره لهذين القصيدتين الشهيرتين ليس بدعا في حقله، فقد سبق وأن أصدرت المطبعة العربية في زنجبار جزءًا من ديوان أبي مسلم عام 1928م، وعلى غرارها صدرت طبعات لاحقة حملت اسم ” ديوان أبي مسلم” فكانت متتالية تترى في طبعات مكتملة وشبه مكتملة، ومن بينها طبعة الشيخ صالح بن عيسى الحارثي في القاهرة سنة 1957م، وطبعة وزارة التراث القومي والثقافة عام 1986م بتحقيق الأستاذ عبدالرحمن الخزندار، وطبعة الشاعر محمد الحارثي 2010م، وطبعة الدكتور راشد بن علي الدغيشي الصادرة عن دار “الفتح” سنة 2008م تقريبًا. أمّا نُسَخ الديوان المخطوط، فهي كثيرة متناثرة؛ عدَّدها الباحث الدكتور محمد المحروقي في سبعة عشر نسخة مخطوطة أشهرها نسخة الشيخ سالم بن سليمان البهلاني، ويضاف إليها نسختين عثرنا عليهما مؤخرًا هما نسخة القاضي الشيخ إبراهيم بن سيف الكندي، ونسخة القاضي سليمان بن علي الكندي، وهما نسختان ذهبيتان تكللُ هاماتهما روعة الخط النخلي البديع. وفيما يتصلُ بالمجتزءات والمختارات من هذا الديوان المحوري المهم، فهي كثيرة أيضا ونذكر منها على سبيل التمثيل “النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني، الصادر 2004م. ومع ذلك تحملُ جهود الشيخ صقر بن سلطان القاسمي قيمة تاريخية وسبقا زمنيًا تعكس الاهتمام المبكر بالشعر العُماني في وقت كان هذا الشعر بحاجه إلى من يُعيد تقديمه للقارئ العربي، فذلك في تقديرنا جهدٌ رائدٌ يتواصل مع حسّ الشاعر المفعم بفكره القومي الأصيل الذي آمن به وسعى إلى تحقيقه، وهو ليس بدعًا عليه؛ إذ رأى القوميون قبله أن ملمح الاستنارة والإصلاح الحضاريين يكتسبان قيمتهما من هذا الجانب الأدبي ذي الصيغة السياسية الاستنهاضية، لأنه الوقت الذي ظهر فيه وقت النضال والاستنهاض ضد المستعمر الدخيل، ولعله كان منطلقًا في منطلقات الشيخ صقر القاسمي لاختيار قصائد أبي مسلم ولاسيّما قصيدتيه الشهيرتين “النونية” و”النهروانية ” دون سواهما. ومن المُعجب في اختيار الشيخ صقر القاسمي أنه وقع على صميم تجربة أبي مسلم البهلاني، وقبض على روح نصه، وقد دفعه الواجب -كما يقول- إلى تقديمهما دون حَذفٍ أو تصرّف أو اختصار، فالمقصورة التي عارض فيها أبو مسلم ابن دريد تأتي في ثلاثمائة وخمسين بيتا مبدوءة بمطلع رومانسي شفاف على سنن الأسلاف: تلك ربوعُ الحَيِّ في سفحِ النقا تلوحُ كالإخلالِ من جَدِّ البِلَى والحال نفسه في النونية أو ما تسمّى بـ”الفتح والرضوان بالسيف والإيمان” التي تقعُ في ثلاث مائة واثنين وثمانين بيتًا يبدأها بقوله: تلك البوارقُ حاديهن مرنانُ فما لطرفك يا الشجو وسنانُ وقد أوردهما القاسمي في كتابه هذا متكاملتين دون ذكر لمصدرهما المخطوط، ولا بتعريف بمكان وجودهما رغم أنهما وردتا في بعض نسخ دواوين أبي مسلم مجزأتين بل وبمسمى “يا للرجال” لدواعٍ سياسية تتصل بعدم رغبة الدولة العُمانية الحديثة في عصر نهضتها إلى تأجيج الحسّ القبلي، وذكر تأريخ الإمامة والأئمة، وبث اليقظة في الشعوب، والقاسمي بذلك أكد على حضورها في ديوان أبي مسلم البهلاني في رسالته المبكرة عنه، ولعله من أوائل اللافتين إليهما لعظم قدرهما وروعة بيانهما وسمو موضوعهما؛ لهذا تحضر قصيدتا أبي مسلم شاهدتين على أحداث العصر وتوثيقه دون مواربة، وهو أمرٌ أكدته الأهمية القصوى لشعر أبي مسلم كلّه وقد وصفه جامع ديوانه المكتمل محمد الحارثي بأنه “يمثل أبوة شعرية خالصة، فهو أبٌ شعري خالص الأبوة لسابق اللاحق، ولاحق السابق ليس في بلادنا عُمان فحسب، بل في أقنوم شعاع معرفي امتد من جزيرة زنجبار حتى اليمن وكافة بلدان الخليج والجزيرة العربية، فضلا عن مراكز الثقافة العربية.. فهو ينبوع شعري ثر… ” وقد غبط حقه!. وإذا نظرنا إلى اختيار القاسمي لهاتين القصيدتين فإننا نجدهما تلبّيان شأفة الشاعر وشغاف قلبه وما يعتلج في روحه ووجدانه خاصة إبان اغترابه ونفيه، فهي تقعُ في مبحث الشعر الوطني الذي يمثل الحنين أحد أهم مباحثه، وهو مبحثٌ ساد في القرن العشرين كما قلنا في كتابنا “الشعر العُماني في القرن العشرين وأصبح سمة من سماته خاصة لدى الجيل الشعري الأوسط، ويعود ذلك لنزوح الشعراء عن وطنهم، إضافة إلى كثرة تنقلاتهم، وهجرتهم، مما كان له كبير الأثر في إيقاظ حسّهم الوطني وشغفهم بوطنهم “عُمان” على نحو ما يقول أبو مسلم: (الطويل) تنّبه سميري نسألَ البرق سقيه         لربعٍ عفتهُ شمألٌ ودبورُ عهودًا على عين الرقيب اختلستُها         ذوت روضةٍ منها وجفَّ غديرُ. فالشاعرُ في هذين البيتين وسائر أبيات القصيدة، لا يكاد يلمح برقًا في الأفق حتى تتلهف نفسه إليه لتناجيه وتسأله بشغف عن معاهده التي سكنت قلبه؛ ومرابعه التي استقر بها فؤاده،.. في كلّ ذلك يرسمُ لوحاتٍ فنية من الحنين يرسلها من مهجره بزنجبار إلى وطنه عمان؛ وهذه اللوحاتُ تعتمدُ في مطالعها على بثّ مشاعر الحنين من خلال الصور الفنية لا من خلال الألفاظ المجردة؛ وهي تتخذُ من البرق وسيلةً وأداة للفت الانتباه والإثارة التخيلية؛ على نحو ما وجدنا مثيلاتها في الشعر العربي القديم: (البسيط) تلك البوارقُ حاديهن مرنان         فما لطرفِكَ يا ذا الشجو وسنانُ شجّت صوارمها الأرجاء واهتزعت         تزجي خميسا له في الجو ميدانُ تبجّست بهزيم الودق منبعقًا         حتى تساوت به أكم وقيعانُ سقى الشواجن من رضوى وغصّ به         “سرّ” و”جوف” وغصّت منه جرنانُ وجلجل السهل والأوعار معتمدا         ربوع ما ضمّ “عندام” و”جعلان” * * * يريق في الجوّ منه ريّق هطل         في لوحه من سناء البرق ألوانُ إن يصلح البرق ذا شجو فقد سهرت         عيني وشبّت لشجو النفس نيرانُ وصيرّ البرق جفني من سحائبه         يا برق حسبك ما في الأرض ظمآنُ أني أشح بدمعي أن يسح على         أرض وما هي لي يا برق أوطانُ هبك اسّتطرت فؤادي فاستطر رمقي         إلى معاهد لي فيهن أشجاني تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت         وهن وسط ضميري الآن سكَّانُ نأيتُ عنها ولكن ما أفارقها         بلى كم افترقت روح وجثمانُ وكيف أنسى عهودي في مسارحها         وهنَّ بين جنان الخلد بطنانُ أم كيف يمكن سلواني فضائلها         نعم لدي لذا السّلوان سلوانُ معاهدُ ساقني منها محاسنها         إن شاقَ غيريَ آرام وسلوانُ لها على القلب ميثاقٌ يبوءُ به         إن باءَ بالحبِّ في الأوطانِ إيمانُ نزحت عنها بحكم لا أغالبه         لا يغلب القدر المحتوم إنسانُ قامت هذه المقطوعة الطويلة كما جاء في عدد من الدراسات التحليلية التي تناولت تجربة أبي مسلم وبالذات دراسة الدكتور أحمد درويش على أربع لوحات فنية بديعة رسمها أبو مسلم من بنات خياله، ومن صميم قلبه وفؤاده، ليجسّد معنى الشعر الأصيل بقوة أدائه وعمق معانيه ونبل مقاصده ومراميه، وفيها إحكام المبنى ودقته وروعة القصيد. وإذا كانت هذه اللوحات الأربع قد أفصحت عن أهم مكونات الغربة عند أبي مسلم، فإن لوحات أخرى للحنين في القصائد الأخرى يتجلّى فيها الوطن عامة بشكل أكثر اتساعًا، وقد تركها الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، ولم يقدّمها في هذا المجموع، ومع ذلك تبقى شاهدةً على شعر عميق المعاني قوي المباني جزل الكلمات سلس التعابير، حقه أن يبقى مخلدًا في ذاكرة الشعر العربي ومدوناته.