نوافذ: المُحَفّز..

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
يلعب الباعث أو المُحَفّز لدى كل منا؛ دورا محوريا في الدفع به نحو تحقيق ما نصبو إليه في كثير مناخات حيواتنا، وهذا الباعث المعنوي يختلف بين شخص وآخر، ويتفاوت هذا الباعث أو المُحَفّز أيضا بين مادي صرف، وبين معنوي نسبي، وهذا الأمر مرده أكثر إلى الفطرة؛ حسب تحليلي الخاص؛ لأنه لن يكون صناعة مطلقا؛ وإلا لانساقت كل الرغبات إلى محفز واحد فقط، إما مادي، وإما معنوي، وهذا يتنافى مع متطلبات الحياة، فالحياة قائمة على كثير من المعززات، والدوافع، والمحفزات لكلا الجانبين المادي والمعنوي، وفي ذلك حكمة الله تتجلى في خلقه.
يأي النجاح واحد من أهم الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها كل فرد في هذه الحياة، ولكن ما هي محفزات النجاح؟ من هنا يبدأ مشروع المحفزات، وهو مشروع، يبدأ فطريا؛ كما ذكرنا، ولكن في مراحل متأخرة من النمو، تدخل في بعض جوانبه الصناعة البشرية، وهذه الصناعة، فإما تذهب به إلى تحقيق معدلات كبيرة من النجاح، وإما تعيده إلى مربعه الأول، فيظل أسيرا، وقد يموت مع صاحبه، ومن هنا أيضا يتفاوت الناس في نجاحاتهم في الحياة.
ولأن المُحَفّز النسبي؛ غير ملموس؛ همة؛ ذكاء؛ لباقة؛ كياسة؛ فالناس؛ غالبا؛ يذهبون إلى المحفز المادي الصرف: المال؛ المنصب؛ الرهط؛ الجاه، ولا يتوانون في المجادلة للتسليم له، واعتماده معززا مهما لأي مشروع حياتي يشرع أحدنا في تنفيذه، ووفقا لهذا التقييم، فإن القيم الإنسانية ” المُحَفّز المعنوي” كثيرا ما تتوارى فاسحة المجال أمام المُحَفّز المادي، وهذا أمر غير مستنكر في ثقافة المجتمع، فكل المقاييس التي يتجادل عليها الناس تذهب إلى المقياس المادي أولا، وإن عوض بالمُحَفّز المعنوي بعد ذلك، فمثلا يقول الشاعر: “أرسلْ حكيما ولا توصه؛ فإن الحكيم هو الدرهم” فمستوى الحكمة؛ في هذه الصورة؛ يكاد لن ينفع إلا بقدر تعزيزه بالمال.
ففي العلاقات الاجتماعية – وخاصة في حالات الزواج؛ على سبيل المثال؛ كثيرا؛ لا ينظر إلى فلان من الناس، أو العائلة على أنها من المصنفة: ذكاء، همة، دماثة في الأخلاق، أفرادها من المتفوقين علميا، ذوو تخصصات علمية دقيقة، وإنما يستعوض عن ذلك بالرصيد المادي، المكانة الاجتماعية، المناصب، الجاهات، كأولوية، ومن ثم ينظر في بعض الموجهات المعنوية الأخرى كجوانب تكميلية، وإن كانت هذه الصورة ليست مطلقة، ولكنها حاضرة، وإن لم يبح بها كشرط أساسي في حالات الارتباط.
والمهم في الأمر؛ في شموليته؛ أن هناك مُحَفّزا يدغدغ الذات ليدفع بها نحو تحقيق هذا الهدف أو ذاك، وليمتحن أحدنا نفسه في أي مهمة؛ سواء على مستوى العام أو الخاص، مالذي يدفع بنا نحو الحرص على إنجازها، سيجد؛ وبكل تأكيد؛ أن هناك محفز ما، يدفع به لتحقيق هذه المهمة، والوصول بها إلى النجاح، مهما كلفه من مشقة مادية أو معنوية، سواء هذا الحافز دافع ذاتي أو مرتبط بمن حوله، وبدون هذا الحافز الذي نتحدث عنه، لن يكون الأمر يسيرا لتحقيق هذا المشروع أو ذاك.
لا يكفي أن تقول لطفلك لكي تحفزه على تقديم خدمة ما، أو القيام بمهمة ما: “أنت ذكي/ ذكية، مؤدب/ مؤدبة، شجاع/ شجاعة، قوي/ قوية، جميل/ جميلة” وغيرها من الصفات المعنوية البحتة، لكي يقفز من مكانه ليؤدي ما طلب منه، ولكن لا بد من مساومة على مُحَفّز مادي: “نقود؛ هدايا؛ رحلة إلى حديقة، وجبة من الوجبات السريعة، لا تقل: “إن عودته على ذلك” لا أبدا؛ فهذه فطرة بشرية بامتياز، وقد نشهدها حتى في تعاملنا مع الحيوانات، وكم لا حظنا في عروض السيرك؛ عندما يكافئ القائمون على السيرك هذه الحيوانات من خلال إطعامها مباشرة بعد تأدية الدور، وإلا لن يستجيب هذا الحيوان لتعليمات مدربه.