مرفأ قراءة.. في محبة العلوم و«اللعب مع الكون»!

إيهاب الملاح –

– 1 –
أذكر وأنا في المرحلة الابتدائية كان لي صديق متفوق في العلوم، شديد الولع بالثقافة العلمية ومعارفها المتشعبة، وكنا في فصل دراسي واحد، ينتهي اليوم الدراسي ونعود معًا إلى المنزل، كان يسكن قريبًا مني، ذات عصرٍ ونحن في طريق العودة استوقفني أمام بائع الصحف والمجلات العتيق في أول شارع الهرم، بحي نصر الدين القديم، وبحث بنظره طويلا حتى تهللت أساريره و”نَطّ” فرحًا، واختطف نسخة من مجلة أنيقة جدًّا شكلها “غالي الثمن” بما يفوق ميزانية تلاميذ مثلنا! مغلفة بغلاف بلاستيكي شفاف، ومعها هدية عبارة عن ملصق عن “الديناصورات والحياة البدائية في العصور السحيقة”.
وربما كانت هذه البداية لغرس بذرة شغف كبير وعظيم وفضول نهم لكشف هذا المجهول الذي يسمى بالتاريخ الطبيعي وتاريخ الأحياء المنقرضة، ويتردد على مسامعي للمرة الأولى كلمات مثل “نظريات علمية”، و”التطور”، و”الأحياء المنقرضة”، و”الكائنات الجيوراسية”.. إلخ.
كانت هذه النسخة من الطبعة العربية من مجلة “العلوم” الشهيرة، وكانت المرة الأولى التي أسمع بها، شكلها جميل، وورقها مصقول ولامع مزينة بالصورة الملونة الكبيرة، وكانت هذه المجلة “اكتشافا” جديدًا ورائعًا بالنسبة لي، وفيما بعد عرفت من محمد صديقي (أصبح الآن صيدلانيا ناجحا رغم ميوله الأدبية الواضحة) أنه يحتفظ بأعداد كثيرة من هذه المجلة التي كانت غريبة على واحد مثلي كان مستغرقًا “حتى النخاع” في قراءة روايات مصرية للجيب، ومجلة “ميكي” وشقيقتها الوسطى “سوبر ميكي” و”ميكي جيب”، وطبعا مجلات “سمير” و”كابتن سمير” بالإضافة إلى أعداد من مجلة “ماجد” و”باسم” و”براعم الإيمان”!

  • 2 –
    وكانت هذه البداية التي أوصلتني فيما بعد إلى قراءة كلِّ ما وقع تحت يدي من كتب علمية أو بالأدق في “الثقافة العلمية” بموازة إبحاري في العلوم الإنسانية، فكان أن تعرفت على كتب الشهير “إسحق عظيموف”، وتعرفت منه على أشهر الابتكارات والاختراعات العلمية، ونظرية الانفجار الكبير وحركة الأجرام السماوية.
    وبعد ذلك تعرفت على كتب الرائعين بول غليونجي، وعبد المحسن صالح، وأحمد مستجير، ومصطفى فهمي (وبدرجة ما أقل في مرحلة أسبق تعرفت على كتب أنيس منصور وراجي عنايت التي كانت رائجة جدا وكان يشاع عن كتب أنيس منصور أنها “علمية” خاصة فيما يتعلق بـ “الذين هبطوا إلى السماء”، والذين عادوا إلى السماء”! ثم اكتشفت أنها لا علمية ولا يحزنون، وأنها أقرب إلى الدجل والخرافة منها إلى العلم والمعرفة!)
    أذكر جيدا أن ما قرأته في تلك الفترة لعالم الأحياء الشهير محمد رشاد الطوبي (وكانت كتبه تصدر في سلسلة اقرأ الشعبية الشهيرة عن دار المعارف بالقاهرة) كان يمثل متعة لا تدانيها متعة وهو يجول بقارئه في عوالم النباتات والحيوانات، والكائنات الدقيقة، يشرح ويحلل ويعرض الصورة التي كانت في ذلك الوقت غاية في الإبهار والإدهاش لتلميذ لم يتجاوز المرحلة الابتدائية بعد!
    وطوال العشرين عاما الماضية لم أقرأ شيئا لأحد يقنعني أنه قادر على السير في هذا الطريق؛ أي تيسير الثقافة العلمية، وصوغ معارفها في خطاب عام موجه للقارئ العام (باستثناء مقالات الكاتب ميشيل حنا العظيمة في تجربة موقع “بص وطل” قبل خمس عشرة سنة، قبل أن يتوقف تمامًا عن كتابة المقالات العلمية، ويتفرغ للكتابة الإبداعية فقط!)

  • 3 –
    وكان ظهور طبيب التخدير؛ الشاب الشغوف بالعلم والعلوم والثقافة العلمية؛ أحمد سمير سعد، على “فيسبوك” من خلال صفحته الثرية الغنية العظيمة، شيئا رائعا وعظيما، كنت أقرأ منشوراته الممتازة باستمتاع خصوصًا أنه كان يتفنن في عرض أدق وأصعب النظريات العلمية؛ سواء فيما يتصل بالكون وهيلمانه اللا نهائي ومناقشة نظرياته العلمية، أو ما يتصل بجائحة كورونا التي نشط فيها نشاطا عظيما، فكانت صفحته، وما يكتبه يوما بيوم هي المرجع الأمين لي ولأمثالي الراغبين في فهم ما يهددهم ويهدد حياتهم على سطح هذا الكوكب المجنون!
    كنت أستمتع استمتاعا بالغا وأنا أقرأ كتاباته الشارحة، وعبارته البارعة، في تيسير البحوث والدراسات العلمية الدقيقة التي تناقش مستجدات المعرفة فيما يتصل بفيروس كورونا وتركيبه الجيني وسلاسله الوراثية ونقاط ضعفه واستعراض سيرة الفيروس الذاتية، إذا جاز التوصيف، في إطار البحث في تاريخ الفيروسات والأمراض والأوبئة.
    وكان حماسي عظيمًا لكتابه الذي شرفني بإهدائي نسخة موقعة منه وهو «لعب مع الكون» الصادر عن دار اكتب للنشر والتوزيع.
    عبر التاريخ، اخترع الناس في جميع أنحاء العالم “قصصاً وحكايات” حاولوا من خلالها تقديم إجابات عن أسئلة كبيرة ومحيرة وملغزة. هذه الحكايات الخرافية، والأساطير الحية لم تكن مقصورة على أمة دون أمة، أو بلد دون بلد أو حضارة دون أخرى، لكنها تتفق جميعا في أنها محاولات لتفسير “ظواهر” عجزت المعرفة والعلوم عن تقديم تفسيرات لها في فترة من الفترات. ثم يأتي العلم بكشوفه الباهرة ليبدد ظلام وجهل هذه التفسيرات التي لم يبق منها إلا ما يدرج في باب الأدب والثقافة الشعبية!
    ولأول مرة أقرأ لكاتب مصري شاب هذه النظرات المتأملة العميقة في المنطقة البينية بين العلم والفلسفة؛ أو إذا جاز الطرح والتعبير ما يمكن أن يتولد عن الاكتشافات العلمية المذهلة وهتك أستار غموض الكون والبحث عن القوانين الكلية المسيرة له فيزيائيا وكيميائيا من أسئلة تشتبك مع الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة؛
    يبدو أحمد هنا نموذجا مختلفا ومغايرا عن الفئة التي عرفناها من الأطباء الكتاب أو الأطباء المبدعين الذين يمارس أغلبهم الكتابة والإبداع كهواية لا ترقى إلى الاحتراف ولا إلى التعمق المعرفي ولا الأخذ بجذور وأسباب العلم الأدبي والنقدي به، معتمدين على تصور شائع بأن التفوق “الدَّرَجَاتي” منذ الثانوية العامة وحتى التفوق “المَرْتَبَاتي” (إذا قبلها مجمع اللغة العربية!!) يكفيان وحدهما كي تكون متفوقا في أي شيء بعد ذلك! وهو وهم في ظني كبير وخادع!

  • 4 –
    يوفر كتاب «لعب مع الكون»، بالتفاصيل التي يقدمها بجاذبية مدهشة ومعلومات وافرة عن مفردات هذا الكون الهائل، زمانا ومكانا وتطورا ونشأة، يوفر متعة حقيقية دون أدنى مبالغة، يستوي في ذلك من كان يقرؤه وهو متخصص في العلوم الطبيعية أم مراهقا في المراحل الأساسية من التعليم، متعة حقيقية تثير خيال وإلهام القراء من جميع الأعمار، الأطفال والمراهقين والكبار على حد سواء، فهناك دائما، يراهن مؤلف الكتاب على “هناك” هذه، نوع مختلف من السحر والفضول يتمثل في نشوة اكتشاف الحقيقة وراء هذه الظواهر، إنه سحر الحقيقة “العلم”.
    أما أحمد سمير؛ سعيد فَسِرّ ما وصل إليه من انتشار ونجاح وتكوين جماهيرية طيبة على فيسبوك وغيرها، فهو حالة الشغف والنهم اللا متناهٍ في مزيد من المعرفة؛ يلتهم كل ما يستطيع الوصول إليه من معرفة يساعده في ذلك إجادة ممتازة للغة الإنجليزية تتضح في ترجماته أيضا (لهذا حديث آخر) فضلا عن تواضع عظيم في اكتساب أسباب المعرفة الإنسانية والاجتماعية وبخاصة الفلسفية في جانبها العام والمتصل بالعلم وفلسفاته في جانبها الخاص.
    شديد الامتنان لهذا الكاتب الموهوب المثقف ولدأبه واجتهاده، وأهمس في أذن من يقومون على جوائز الدولة في مصر، وخاصة من يسارعون إلى حجب الجوائز في مجالات عدة، ومنها الثقافة العلمية وتبسيط العلوم، إذا لم يكن لمثل هذا الشاب نصيب من جوائز الدولة، فلمن تمنحونها ولماذا تحجبونها؟!
    قليل من البحث والتنقيب لا يضر والله العظيم!