كارل أوفه كناوسجارد: لا يشغلني أن تتطور كتابتي

حوار: ليديا كيسلنج

ترجمة: أحمد شافعي

كتاب ‘في أرض السيكلوبات’


ـ يمثل عنوان كتاب مقالاتك الجديد وصفًا ساخرًا للسويد. والسويد تظهر أيضا بوفرة في الجزء السادس من «كفاحي» ولكن في موضع الازدراء بسبب ما تصفه من سياساتها الاجتماعية المنافقة الفاشلة. في أمريكا، في اليسار، ثمة رؤية فنتازية لعالم اسكندنافي واحد غير متمايز، فيه برامج اجتماعية رائعة تثبت أن الرأسمالية يمكن أن تتصالح مع وجود أشكال دعم اجتماعي قوية، ولكن السويد في فترة الوباء لجأت إلى خيارات لم يبد أنها تتسق وتلك السمعة، هذا الموقف من الوباء كيف يتوافق مع أفكارك عن السويد أو يعيد النظر فيها؟
ـ يمكنني القول إن استجابة السويد للوباء اتسمت بنوع من أحادية النظر؛ فقد فعلوا كل ما فعلوا دون نظر إلى البلاد الأخرى، حتى حينما بلغ معدل الوفيات في البلد عشرة أمثال ما في البلاد المجاورة، ظلوا ماضين في طريقهم، أما وقد قلت ذلك، فعليّ أن أقول: إننا لا نعرف على وجه اليقين لماذا أُضِّرت بعض البلاد من الوباء ضررًا أبلغ من بلاد أخرى، ولكن نهج السويد لم يكن مغايرًا لطابعها بالتأكيد.

ـ كيف كان أثر الوباء على حياتك اليومية وحركتك؟

ـ أعيش منذ عامين ونصف العام في لندن حياة كاملة متصلة، ولكوني كاتبًا، فإنني أعمل دائمًا من البيت وأعيش في ما يشبه الحظر الدائم، ومن ثم لم يغير الوباء الكثير لدي. الفارق الكبير هو أن جميع الآخرين من أفراد العائلة لزموا البيت أيضا. ومع ذلك أفلح الوضع بشكل لافت، فأغلب الأولاد اشتغلوا بالتعليم عبر الإنترنت، لكن بقي كثير من العمل، فأمكنني أن أستخلص أربع ساعات للكتابة. ومن عجب أنني كتبت الجزء الأكبر من رواية خلال الربيع، وأعتقد أن ذلك حدث بسبب ضيق الوقت، فلم أكن أملك رفاهية أن أجلس لأفكر، كان عليّ أن أمضي قدما بالكتابة. صدرت الرواية في النرويج في الخريف. لم أزل غير قادر على فهم طبيعة الوباء، برغم كل المعاناة وأعداد الوفيات الفظيعة في المدينة التي نعيش فيها، وفي الوقت الذي نبقى فيه داخل البيت نطهو ونلعب وننفق من الوقت كأسرة ما لم ننفق مثله معا من قبل. بطريقة ما، هذه النظرة المزدوجة وجدت طريقها إلى الرواية الجديدة. ومع ذلك، هي ليست رواية عن الوباء، ولكن لا بد أن تجربة الوباء لعبت دورًا.

ـ رأيت في حوار معك أنك أقلعت عن التدخين، ورجعت إليه، واعتبارا من 2018م توقفت عن التدخين. كيف هو وضعك مع التدخين الآن؟

ـ لسوء الحظ لم أزل أدخن.

ـ من الأمور المثيرة لي في أعمالك أنها في الغالب ذات طبيعة سياسية، لكن مواقفك في العادة مراوغة حيال أمور محددة. («أتوق إلى أن أكون حرا، حرا حرية كاملة في الفن… حين ننظر إلى صورة شجرة، نقع على الفور في شرك السياسة والأخلاق»). في مقالتك عن كنوت هامسن تقول إنه «يحتقر الجموع، لكنه لا يحتقر الأفراد التي تشكلها» وأنت أيضا يبدو أنك تعلي الفرد على المجموع. ومثلما يبين جون باسكن في مقالته عن أعمالك فإنك تبدو مرتابا في أي إحساس يتعلق بـ«نحن» أو «نا» أكثر مما ترتاب في الأفكار الحقيقية التي تبدع هذا الإحساس الجمعي مقالتك عن «الإرهابي النرويجي» أنديرس بريفيك Anders Breivik في ذي نيويوركر، على سبيل المثال، ترفض إلى حد ما أفكاره السياسية كعامل دافع لجريمته).

هل تغيرت أفكارك في هذه الصدد خلال السنوات القليلة الأخيرة، وأنت تشاهد أزمة اللاجئين والاستجابة لها في أوربا، أو انتخاب دونالد ترامب في أمريكا؟ هل الأفكار القادرة على توحيد جماعة وتحريكها غير مهمة؟

ـ هذا أمر غير بسيط بقدر ما يوحي به سؤالك. فالفكرة السياسية الوحيدة الموحدة في أوربا في هذه اللحظة هي اغتصاب اليمين للـ«نحن»، وهي الفكرة القائمة على إقصاء المهاجرين والأجانب. الحزب الأكبر في السويد الآن حزب مناهض للهجرة، ويمكن أيضا النظر إلى حركة البريكست باعتبارها حركة مناهضة للهجرة، وهناك المجر وبولندا، وتولي ترامب السلطة بخطاب زاعق قائم على «نحن وهم»، أم لا؟ إن الأمر الطيب في دولة الرفاه الإسكندنافية هو أنها خلقت إحساسا بأن المجتمع يخصنا. فهي مستشفياتنا، ومدارسنا، وطرقنا، وسككنا الحديدية، بل وهم ساستنا. ذلك يستوجب إجماعًا، وذلك الإجماع، مهما يكن ضروريا، يمكن أن يفضي أيضا إلى الإقصاء (إقصاء الأفكار المخالفة في السويد، وإقصاء العالم كله في النرويج). ومن ثم فإن الإصرار على التفرد هو طريقة للحفاظ على انفتاح الـ«نحن»، لا على إغلاقها مثلما يشير سؤالك في ما يبدو.

أعتقد أن هذا شيء يفعله جميع الفنانين والكتَّاب الذين أكتب عنهم في كتابي «في أرض السيكلوبات». الفن تجاوز للمتوقع، وليس تأكيدًا للعالم كما نعرفه. صور سيندي شيرمن الفوتغرافية مثال جيد. ففي بعضها تجاور الفنانة بين رجل وامرأة، بين حي وميت، بين خيال وواقع، ومن خلال ذلك يمكن أن ننال لمحة للحدود التي تحافظ على تماسك العالم ولا نراها بشكل طبيعي؛ لأنها هي العالم بالنسبة لنا. فيما يتعلق بما كتبته عن بريفيك، فإن الجوهر في واقع الأمر هو نقيض ما يقرُّه السؤال: لم تكن المجزرة ممكنة إلا بسبب عزلته، وغياب التصحيحات الممكنة، غياب «نحن» حقيقية. لقد تحرك بقوة من «نحن» الخيالية أو الافتراضية، كان له فيها دور البطل، المدافع عن القيم الغربية. لكن لم يكن فيها أحد آخر. لقد كان وحيدا، عصيا على التصحيح. وما فعله كان في رأيي أكثر اتصالا بإطلاق الرصاص في مدرسة أمريكية منه بالإرهاب السياسي. في كلتا الحالتين، ثمة غياب للانتماء، غياب للإحساس بالجمعية، وثمة وحدة. جيوب الانفصال تلك خطيرة في المجتمع، تماما كما أن الاستقطاب المتطرف خطير. ويوجد ذلك من جراء غياب الأمل، وغياب المستقبل، وغياب الكرامة، فحينئذ توجد هوية أخرى أكثر اختزالا وقوة.
ـ المقالة التي يحمل هذا الكتاب عنوانها كانت ردا على انتقاد بالفسق موجه إلى عمل لك. كما أنك تكتب في مقالة عنوانها «دقة لا تنضب» عن ناقد طريف قدم عرضا إيجابيا لكتابك الأول، ثم تراجع عنه وكتب آخر انتقاديا.

هل ثمة ما كتب عن عمل لك، سواء كان إيجابيا أم سلبيا، من محترف أم من قارئ عادي، وترك فيك أثرا أو بقي معك لسبب ما؟ أتساءل، من بين تساؤلات كثيرة، عما لو أنك تسمع كلاما من قراء عن تصويراتك البارعة والآسرة للأبوة. هل ثمة نقد لاذع لك بصفة خاصة؟

ـ الناقد الذي امتدح الرواية ثم رجع في الأسبوع التالي وغير رأيه ومزقها إربا كان خلافا للمتوقع رجلا أمينا، والظاهرة مثيرة للاهتمام، وليس أهم أسباب ذلك أنني تفهمت شعوره. فأنا نفسي كان يحدث أن تفتنني كتب، ثم إذا بي بعد أيام قليلة أراها ضحلة، فأشعر كمن تعرَّض لخدعة. والخداع بطريقة ما جزء من صنعة الرواية. في ذلك الوقت، بعد روايتي الأولى، قرأت كل ما كتب عني. كنت أبحث عن نفسي في جوجل واستغرقني ذلك استغراقا غير صحي بالمرة. بعد روايتي الثانية، توقفت عن عمل ذلك. الآن لا أقرأ مطلقا ما يكتب عن كتبي، لا العروض النقدية ولا سواها. وتعلمت ذلك من زميلتي ميجغول آكسلسون. كنا في جولة معا ولعلها رأت مدى ألمي من الصحافة فأسدت لي نصيحة ثمينة: إياك أن تقرأ العروض النقدية. إياك أن تقرأ أو تسمع أو تشاهد الحوارات، وتعامل معها جميعا باعتبارها مجرد لقاءات لطيفة مع أشخاص مثيرين للاهتمام تواصل بعدها حياتك. ولم أفعل ذلك منذ تلك اللحظة. اجتناب الأمر تماما مستحيل، غير أنني منذ يومين على سبيل المثال اشتريت أوبزرفر من سوبرماركت هنا، وحين فتحت صفحات مراجعات الكتب، رأيت صورتي وعنوانا يقول «الآن هو كفاحنا»، ومع أنني قلبت الصفحة بعد ثانية، فقد وصلني من المعلومات ما يكفي لأن أعلم أن المقالة مراجعة نقدية لكتاب المقالات الأخيرة وأنها على الأرجح هجوم ضار.

لكن العنوان بدا لي طريفا، وليس بيدي ما أفعله على أي حال، فالكتاب كُتِب وانتهى الأمر، وأنا أعمل على ما بعده. لا أعرف كيف أجعلها أفضل، لا يبدو مطلقا أن كتابتي تتحسن من كتاب إلى آخر، يبدو أكثر فأكثر أن الحدود مرسومة، والحدود هي شخصيتك، هي أنت. لكن تحسين الكتابة ليس هدفي، هدفي هو أن أجعل الكتابة تمضي إلى مناطق جديدة، لاستكشاف أشياء، والبحث عن معنى، والبحث عن عالم. ليس الأمر متعلقا بكتابة رواية عظيمة؛ فالكتابة كلها بالنسبة لي متماثلة، سواء أهي مقالات، أم روايات، أم أعمال غير خيالية، أم يوميات، أم رسائل. فيها جميعا ذلك البحث. طبعا يمكن أن يتطور الكاتب تقنيا، لكن في نهاية المطاف من ذا الذي يبالي بالتقنية؟ إن هي إلا أداة، وليست بالشيء المثير في ذاته للإعجاب.
من مقالات الكتاب مقالة عن فن أنسلم كيفر، وقد كنت محظوظا إذ رأيته وهو يعمل في الاستوديو لمدة يوم. كان الأمر كله عملا، كله حركة، وكان طائشًا في عمله المعرَّض طوال الوقت للصدفة والاعتباط. هو موهوب بصريا موهبة لا تصدق، بوسعه أن يفعل كل ما يريده، وبدا كأنما الخامة، الخامة نفسها، قوة تقاومه، قوة يصارعها، وهكذا توقفت أفكاره البارعة عن كونها بارعة بل وعن كونها أفكارًا، وأصبحت فنا، وهذا شيء آخر. فكرت في ذلك طويلا بعدها. إدوارد مونش أيضا كان طائشا في لوحاته، وغزيرًا بشكل لا يصدق. وهذا يروق لي كثيرا، إن الأمر ليس لوحة واحدة أو كتابا واحدا، ليس لونًا أو جملة، بل شيء مستمر يتكشف بمرور السنين. هذه فكرة تحررك.

وإذن الإجابة هي: لا، لم أتعلم شيئا من النقاد. لكن لدي دائمًا العديد من القراء في فترة الكتابة، وطبعا لدي محررون، وزوجتي ميشال، وأصدقاء أيضا وزملاء. ما يحدث حينئذ هو أن الكتاب يكتسب وجودا موضوعيا، فيسهل عليّ أن أراه من الخارج، وأعرف ماذا يكون، وليس فقط ما أريد أنا له أن يكونه.

ـ علام تعمل الآن؟

ـ في الخريف الماضي نشرت رواية جديدة في النرويج عنوانها «نجم الصباح». لم تنته قصتها فيها، ولذلك أكتب الرواية الثانية، ويبدو أن ثالثة ستعقبها. هي إلى حد بعيد عمل خيالي، فيها الكثير جدا من الشخصيات، وأيضا بعض العناصر الخارقة.
نشر الحوار في باريس رفيو إلكترونيا ـ يناير2021م
أحدث ما صدر للكاتب كارل أوفه كناوسجارد كتاب عنوانه «في أرض السيكلوبات» وهو مجموعة مقالات وعروض كُتُبٍ ترجمها من النرويجية إلى الإنجليزية مارتن آيتكن ونشرتها في الولايات المتحدة دارُ آرتيبلاجو بوكس. نشرت المقالة التي يأخذ الكتاب عنوانه من عنوانها للمرة الأولى في صحيفة سويدية سنة 2015م وكانت ردًا على ناقد قطع بأن وصف كناوسجارد لعلاقة بين معلم وتلميذة في روايته الأولى هو وصف بيدوفيلي. يحتجّ كناوسجارد بقوة قائلا: إن استكشافات جميع الدوافع الإنسانية ضرورة، ويعرض لكثير من الثيمات التي باتت أخيرًا ترتبط بمجمل أعماله: كالنازية -التي تمثل جانبًا مركزيًا من الكتاب السادس في «كفاحي»-، والهوية والحرية الأدبية.
وفي حين أن كناوسجارد كاتب محرض على مستويي حجم أعماله وثيمتها، فإن مواقفه وقناعاته السياسية تستعصي على التصنيف، ولعل من المناسب أنه قال في مقالته: إن «جميع كتبي كتبت بنية سليمة». وبرغم استفزاز عنوان الكتاب فإنه يمثل خزانة لجميع اهتمامات كناوسجارد التي تكمن في الفن البصري، والواقع المضطرب، والمعنى، والإدراك. وتتنوع الموضوعات في مقالات الكتاب، فمنها ما يتناول فوتغرافيا سالي مان وسيندي شيرمن، وكمال رواية مدام بوفاري («مدام بوفاري هي الرواية الكاملة، وهي أفضل رواية كتبت على الإطلاق») و«عابرو سبيل» لكنوت هاوسمان، ويبدو أن مقالة «مدام بوفاري» هي الحاوية لمفتاح الكتاب -إن كان للكتاب مفتاح- وفيها يصف كناوسجارد رواية فلوبير بأنها «رواية عن الحقيقة، تتساءل عن ماهية الواقع».
في الكتاب مقال عن صور فرانشيسكا وودمان الفوتغرافية، التي رفضها للوهلة الأولى، لكنه يغير رأيه، فيقول «لماذا وجدت صور فرانشيسكا وودمان الفوتغرافية، الفتية في بساطتها الشديدة، وثيقة الصلة وشديدة الأهمية الآن، في حين أن أعظم لوحات أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قد بدا فجأة أنها فقدت أهميتها بالنسبة لي؟ وفي الكتاب أيضا استعراض لرواية «استسلام» لميشيل ويلبيك، وهي رواية لكاتب يعد نموذجا للغضب وتتناول «فقدان ثقافة كاملة معناها، وافتقارها إلى الإيمان أو زوال إيمانها».
بسبب المشكلات التي أثارها الوباء في ما يتعلق بجولات الترويج للكتب، وبسبب كراهية كناوسجارد -حسب قول ناشره- لتطبيق زوم؛ تراسلنا عبر البريد الإلكتروني في فجر عام 2021م فكان هذا الحوار.