الحوار كأداة لبناء القيم الاقتصادية الجديدة

يشكل الحوار أحد مداخل السياسة الناجحة والتطور في كافة مناحي الحياة الإنسانية، بما يعود بالنفع العام على الجوانب السياسية والاقتصادية والمعرفية وغيرها. وعلى مدار التاريخ فإن الحوار هو الطريق الذي يقود إلى النتائج الأفضل في شأن بناء الفرص المستقبلية.
من الجوانب الأساسية في هذا الإطار، الموضوع الاقتصادي الذي يهيمن على العالم الحديث، بل على مدار العصور، وفي ظروف كورونا الحالية التي ضربت كل دول العالم، فإن الحديث عن مزيد من الحوارات والتفاهمات الاقتصادية يظل من المسائل المحورية في صياغة الترتيبات الأفضل لبنى الحياة بشكل عام. بقدر ما عزلت كورونا العالم بسبب إجراءات العزل العام والإغلاق التي عمت الدول، إلا أنها في الآن نفسه عملت على توحيد المشاعر البشرية باتجاه الإحساس بالأزمة الإنسانية الكبيرة التي تتطلب التعاون والالتفات إلى الجوانب الإنسانية العظيمة، تلك التي تصنع الوحدة بين البشر وتتصالح مع تعديل حياتهم بشكل عام.
يشكل الجانب الاقتصادي مدخلا للتفاهم البشري، فالتجارة عبر التاريخ كانت ولا تزال من السمات المركزية لمد جسور التواصل بين بني الإنسان، وغالبا ما تتحول الفرص التجارية في نهاية الأمر إلى فضاءات من التلاقي المعرفي والثقافي والحوار الإنساني الشاسع الذي يقود إلى بناء الحياة الكريمة وتعزيز إيجابيات التحضر وصناعة مستقبل البشرية بنحو أكثر رحابة. في هذا الإطار فإن الحوار الاقتصادي بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي الذي تشارك فيه السلطنة وقد وصل محطته الحادية عشرة، يصب في المسائل المشار إليها من بناء القيم الاقتصادية الجديدة التي تعبر في الخلاصات عن رحلة الإنسان لكل ما هو جديد معرفيا وإنسانيا وثقافيا بل في كافة تجليات الحداثة العالمية.
فالحداثة والتحديث هي صور لما وصلت إليه الشعوب في رحلة الانطلاق باتجاه تحقيق العالم الأفضل، ولم يتم ذلك إلا عبر أدوات الحوار والتثاقف وكل ما يعمل على ربط الشعوب والأمم تحت ألوية واحدة تقوم على مفاهيم متحدة وصور تشاركية عمادها الرغبة في بناء العالم الذي تسوده المبادئ الحسنة من عدالة وإخاء وسلام.
إن بناء العالم المتسع الذي يقوم على اختيار العناصر الإيجابية في تجربة الإنسانية، يتم دائما عبر الحوار وليس من طريق آخر، فالحروب والنزاعات والعنف وغيرها ليست إلا أدوات عابرة تثبت بمرور الزمن أنها عاجزة عن تشكيل الإطار المستقبلي الذي يساعد بالفعل في تلمس الطريق للمشروع الإنساني العالمي والرائد بالفعل في صناعة الحضارة والمدنية المنشودة.
يجب أن نضع في الاعتبار أن تجارب الأمم والتحالفات الاقتصادية أو السياسية تعبر في نهاية المطاف عن اتحاد حول المفاهيم والقيم، قبل أن تكون أشكالا تعكس صورا من التبادل المنفعي سواء التجاري أو غيره، فالاقتصاد سيظل في النهاية هو صورة فوقية لما يختزن تحته من فاعلية الحضور الاستراتيجي والواعي للتاريخ والثقافة والبناء المعرفي المتراكم.