الفنانون الأفارقة يحظون بالتقدير على المستوى العالمي لكنهم كم مهمل في بلدانهم

نيروبي “د ب أ”: – يلاحظ المارة في مختلف أنحاء مدينة ميونيخ الألمانية، لافتات تعلن عن استضافة متحف “هاوس دير كونست” أي دار الفن الألماني، معرضا للفنان البريطاني من أصل كيني مايكل أرميتاج، وتدعو الناس إلى زيارة هذا المبنى المهيب لمشاهدة أعماله الفنية التي تعرض تحت عنوان “فرمان الفردوس”.
ومع ذلك تختلف الأوضاع بالنسبة لهذا الفنان في بلده الأصلي كينيا، وفي هذا الصدد يقول أرميتاج إن المؤسسات الفنية ليست لها أهمية كبيرة في كينيا، كما أن تراث البلاد الثقافي ليس متاحا بسهولة، وأصبح أرميتاج بسرعة أحد أهم الرسامين المعاصرين على الصعيد الدولي.
ويضيف إنك كفنان صاعد “لا يمكنك أن تتعلم وتفهم بمفردك، ما هي المدارس الفنية التي يمكن أن تتخذها نموذجا لأعمالك”. وفي نيروبي نجد أن المؤسسات الفنية الوحيدة التابعة للدولة، هي القاعة العتيقة والمهملة لعرض الأعمال الفنية بالعاصمة، حيث تتراكم الأتربة على المعروضات، بالإضافة إلى المتحف الوطني الذي يستضيف معارض فنية من آن لآخر.
ينتقد أرميتاج الوضع قائلا “إن عدم الاعترف بأهمية التاريخ وبحقيقة أن هناك تاريخا للفن بالمنطقة سواء في كينيا أو خارجها، يمثل إساءة وضررا كبيرا، كما أنه لا يعبر عن حقيقة وضع الفن لدينا”.
ويريد أرميتاج ومتحف “هاوس دير كونست” أن يغيرا هذا الوضع، ويعرض “فرمان الفردوس” أعمال أرميتاج الفنية إلى جانب أعمال فنانين أكبر سنا من شرقي أفريقيا أثروا فنيا في أعماله، وهذا العرض يعد حدثا نادرا في المعارض الفردية التي تخصص لفنان واحد بعينه.
ويقول أندريا ليسوني المدير الفني للمتحف “لا نستطيع القول بأننا نعرض تاريخا بأكمله، غير أن التاريخ المعروض هنا يتسم بالقوة، وكل ما بوسعنا فعله هو أن نتيح هذه المساحة للفنانين”.
ومن المهم لأرميتاج أن يبين لزوار المعرض من هم الفنانين الذين تأثر بهم.
ويوضح قائلا “لولا هؤلاء الفنانين لما أصبحت رساما وفنانا، إنهم بمثابة الأرضية للكيفية التي بنيت عليها قواعد فكري”. وعلى المستوى الدولي نلاحظ أن الفن الأفريقي المعاصر أخذ بشكل متزايد يكتسب التقدير والاهتمام، الذي يستحقه بالفعل.
فالفنان ويليام كنتريدج الذي ينتمي لجنوب أفريقيا بمجموعة أعماله واسعة النطاق في مجال الوسائط المتعددة، صار فنانا مفضلا في المشهد الفني العالمي منذ وقت طويل، وتم مؤخرا عرض أعمال الفنان الغاني إل أناتسوي في متحف “هاوس دير كونست”، كما أصبح المزيد من أعمال فناني منطقة شرقي أفريقيا محط اهتمام عالمي، مثل الفنانين بيترسون كامواتي ووانجيشي موتو.
غير أن هذا التقدير ليس كافيا لإحداث تحول دائم، ويقول بيترسون كامواتي إن قاعات عرض الفنون وهواة جمع الأعمال الفنية “يمثلون أهمية وعوامل للتغيير”، ويمارس كامواتي الفن منذ عقدين من الزمان، وحاز على شهرة دولية خاصة لأعماله السياسية.
ويقول كامواتي “ولكننا لا نستطيع الاستمرار في التوجه نحو الغرب للحصول على الدعم”، كما أن فرص الوصول إلى المؤسسات الخاصة محدود. ويواجه الكثير من الفنانين الأفارقة عوائق في بلدانهم، تتراوح بين الافتقار إلى المؤسسات الثقافية والموارد المالية، إلى التعرض للعزلة الاجتماعية والقمع السياسي.
ويشير كامواتي إلى أن “مكانة الثقافة والفن تقع على هامش” المجتمع الكيني. ويعاني أيضا إيماوس كيماني الذي ينتمي لجيل أصغر سنا من الافتقار إلى التقدير، ويقول إن “الناس لا يعتقدون أن الفن يعد مهنة وطريقة للحياة”، ويضيف إنه ظل لفترة طويلة لا يستطيع أن يخبر والديه بأنه يريد أن يصبح فنانا.
وبسبب عدم وجود دعم من الجهات العليا، صار الدعم يأتي من القاع، وعلى سبيل المثل من المجموعات التعاونية مثل “براش تو”، وتضم 12 فنانا يتقاسمون أستوديو ومساحة لعرض الأعمال الفنية، ويقول كيماني “إننا كمجموعة نعتني ببعضنا البعض”.
وتساعد مجموعة نيروبي على إتاحة المعارض وفرص التعليم، وتعد قوة دافعة فيما يتعلق بنشر الوعي حول مشهد الفن المعاصر. ويعلق كيماني قائلا “هذا التطور هو الأهم والأكثر تأثيرا في مشهد الفن بنيروبي، ولولاه لكان من الصعب علينا الاستمرار”. ويسعى أرميتاج لمساندة زملائه الفنانين عن طريق المعهد الذي أسسه تحت اسم “معهد الفن المعاصر بنيروبي”، ويشمل المعهد مساحة للعرض ومكتبة وأرشيفا وبرامج مختلفة للترويج للفنون، والحفاظ على التراث الفني لشرقي أفريقيا.
ويعلق ليسوني المدير الفني لمتحف “هاوس دير كونست” بقوله، “ليست هناك في الحقيقة معرفة يمكن مشاركتها عن المنطقة، هناك عالم لا يحتاج إلى الاستكشاف ولكنه بحاجة إلى أن يحظى بالتقدير”.