قصة الربيع العربي كما حكاها أوباما ـ 4

باراك أوباما
ترجمة : أحمد شافعي
في الحالة الليبية، حاول أنصار التدخل الأمريكي التشويش على الواقع فتمسكوا بفكرة فرض منطقة حظر للطيران لحبس طائرات القذافي ومنعها من القصف، عارضين هذه الفكرة بوصفها طريقة آمنة وخالية من المخاطر لإنقاذ الشعب الليبي. (وهذا نموذج لسؤال من مراسل في البيت الأبيض آنذاك: “كم من الناس ينبغي أن يموتوا قبل أن نخطو هذه الخطوة؟”) ما كان يغيب عنهم هو أن مجرد منطقة حظر طيران في المجال الجوي الليبي تقتضي أولا إطلاق صواريخ على طرابلس لتدمير دفاعات ليبيا الجوية، وهذا إعلان حرب واضح على بلد لم يمثل لنا أي تهديد، وليس ذلك وحسب، بل إنه لم يكن واضحا أصلا أن فرض منطقة حظر طيران كفيل بإحداث أي تأثير، إذ كان بوسع القذافي أن يستعمل قواته البرية وليس القصف الجوي لمهاجمة معاقل المعارضة.
كما أن أمريكا كانت غارقة لم تزل في حربي العراق وأفغانستان، وكنت قد أمرت للتو القوات الأمريكية في المحيط الهادي بمساعدة اليابانيين في التعامل مع أسوأ حادث نووي منذ تشرنوبل تسبب فيه طوفان أتى على مدينة فوكوشيما، وكنا قلقين فعلا من احتمال وصول التسرب الإشعاعي إلى الساحل الغربي [للولايات المتحدة]. تضاف إلى ذلك حقيقة أنني كنت لم أزل أتعامل مع اقتصاد أمريكي بدأ يلتقط أنفاسه على استحياء، ومع كونجرس جمهوري أخذ على عاتقه أن ينقض ما سبق أن أنجزته إدارتي في السنتين الأوليين من ولايتي، وليس من الإجحاف في شيء القول إنني رأيت فكرة إطلاق حرب جديدة في بلد بعيد لا يمثل للولايات المتحدة أهمية استراتيجية فكرة تنقصها الحكمة، ولم يكن ذلك تقديري وحدي؛ فبيلي دالي -الذي كان في طريقه إلى أن يصبح كبير موظفي البيت الأبيض في يناير- بدا عاجزا عن فهم أسباب أي شخص لمجرد التفكير في تلك الفكرة.
قال لي في أحد اجتماعاتنا المسائية “لعل شيئا غائبا عني يا سيادة الرئيس، لكنني لا أعتقد أننا منينا بالهزيمة في انتخابات التجديد النصفي [للكونجرس] لأن الناخبين لا يعتقدون أنك مهتم بالقدر الكافي بالشرق الأوسط، اسأل عشرة أشخاص في الشارع وستجد تسعة منهم لا يعرفون أصلا في أي أرض تقع ليبيا”.
ومع ذلك، في ظل تواتر الأخبار من ليبيا عن امتلاء المستشفيات بالجرحى المصابين بجراح رهيبة وإعدام الشباب في جذل في الشوارع، ازداد الضغط العالمي على دعم التدخل في ليبيا، ولدهشة الكثيرين، صوَّتت الجامعة العربية لدعم التدخل الدولي ضد القذافي، وليست تلك فقط علامة على مدى تطرف المستويات التي وصل إليها العنف في ليبيا، بل هي أيضا علامة على المدى الذي وصل إليه سلوك القذافي وتدخله في شؤون البلاد الأخرى إلى أنْ عزله حتى عن زعماء البلاد العربية الشقيقة، (ولعل ذلك التصويت أيضا كان طريقة يسيرة استعملتها بلاد المنطقة لإلهاء الأنظار عما يجري فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان نظرا لأن بلادًا “…” قد بقيت لها عضويتها الثابتة في الجامعة). في الأثناء نفسها إذا بنيكولا ساركوزي -الذي تعرض لانتقادات قاسية في فرنسا بسبب دعمه لنظام بن علي في تونس حتى نهايته المريرة- يقرر فجأة أن يجعل إنقاذ الشعب الليبي قضيته الشخصية؛ فأعلن هو وديفيد كاميرون [رئيس وزراء بريطانيا آنذاك] عن النية إلى التقدم فورا بقرار إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نيابة عن فرنسا والمملكة المتحدة للتفويض بتشكيل تحالف دولي للبدء في فرض حظر طيران على ليبيا، وذلك قرار كان علينا أن نتخذ منه موقفا.
في الخامس عشر من مارس، بدأت اجتماعا لفريق مجلس الأمن الوطني لمناقشة قرار مجلس الأمن الأممي الموشك. بدأت باستعراض تقدم القذافي بقوات حربية ثقيلة متمركزة للاستيلاء على بلدة في ضواحي بنغازي بما يتيح قطع المياه والطعام والكهرباء عن المدينة بسكانها البالغ عددهم ستمائة ألف نسمة، وفي ظل حشد قواته تعهد القذافي بالتقدم “من بيت إلى بيت، ومنزل إلى منزل، وزقاق إلى زقاق، وشخص إلى شخص، حتى يطهر البلد من الحثالة والقذارة”. سألت مايك مولين عما يمكن أن تمثله منطقة حظر الطيران من تأثير. قال لي: لا شيء، مؤكدا أنه ما دام القذافي يستعمل قواته البرية غير معتمد تقريبا إلا عليها، فالسبيل الوحيد إلى إيقاف هجومه على بنغازي هو استهداف هذه القوات مباشرة بضربات جوية.
قلت “بعبارة أخرى، نحن مدعوون إلى المشاركة في منطقة حظر طيران ليبدو الجميع وكأنهم يفعلون شيئا في حين أن ذلك لن ينقذ بنغازي حقا”.
ثم طلبت توصيات الحاضرين. فأبدى جيتس ومولين اعتراضا قويا على أي عمل عسكري أمريكي، مؤكدين ما تعانيه قواتنا بالفعل من ضغط في حربي العراق وأفغانستان، كما كانا على قناعة -أصابا فيها في تقديري- بأنه على الرغم من بلاغة خطابات ساركوزي وكاميرون، فإن جيش الولايات المتحدة هو الذي سيتحمل في النهاية أغلب عبء أي عملية في ليبيا. أما جو بايدن فرأى من الحماقة أن نتورط في حرب أخرى بالخارج، وبقي بين رودز مندهشا من مناقشتنا الأمر أصلا.
وفيما أحاول تبين طريقي داخل الغرفة، بدأت الأصوات المنادية بالتدخل تكتسب ثقلا. تم الاتصال بهيلاري في باريس، حيث كانت تحضر اجتماع مجموعة الثمانية، وقالت إنها معجبة بزعماء المعارضة الليبية الذين قابلتهم هناك. وعلى الرغم من نهجها الواقعي في التعامل مع مصر من قبل -أو ربما بسبب ذلك- صارت تؤثر انضمامنا إلى المهمة الدولية. وانضمت إلينا سوزان رايس من مكتبنا في الأمم المتحدة بنيويورك فقالت إن الوضع يذكرها بعجز المجتمع الدولي عن التدخل سنة 1994م في أحداث الإبادة الجماعية في رواندا. لقد كانت عضوا في مجلس الأمن الوطني لبيل كلينتون آنذاك ولم تنس قط ذلك التقاعس. فرأت أنه إذا كان لعمل بسيط نسبيا أن ينقذ أرواحا، فعلينا أن نقوم به، وإن اقترحت بدلا من الموافقة على منطقة حظر الطيران المقترحة أن نقدم قرارا يسعى إلى تفويض أوسع باتخاذ ما يلزم من أعمال لحماية المدنيين الليبيين من قوات القذافي.
أعرب قليل من الأعضاء الأصغر سنا عن تخوفهم من أن عملا عسكريا في ليبيا قد ينتج عنه دونما قصد قناعة لدى بلاد مثل إيران باحتياجها إلى أسلحة نووية لصد هجوم أمريكي في المستقبل. لكن مثلما حدث في حالة مصر، شعر بين وتوني أن علينا مسؤولية أن نساند القوى المطالبة بالتغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، وبخاصة في ظل استعداد الدول العربية وأقرب حلفائنا للعمل معنا، في حين بقيت سمانثا تحليلية -على غير العادة- في وصفها لأعداد الضحايا المحتملة في بنغازي إذا قررنا عدم التدخل، فقد كنت أعلم أنها على اتصال يومي مباشر بالليبيين الذين يطلبون مساعدتنا. فلم أكن بحاجة تقريبا إلى سؤالها عن موقفها.
تحققت من ساعتي مدركا أن عليّ عما قريب أن أستضيف العشاء السنوي مع قادة مقاتلين في الجيش الأمريكي بصحبة زوجاتهم في (الغرفة الزرقاء) بمقر إقامتي، قلت “حسنا، لم أستعد بعد لاتخاذ قرار. لكن بناء على ما أسمع، إليكم ما لن نفعله: لن نشارك في حظر طيران عديم المعنى لن يحقق هدفنا”.
وقلت للفريق: إننا سوف نستأنف الاجتماع في غضون ساعتين، وبحلول ذلك أتوقع أن أسمع خيارات حقيقية لما ينبغي أن يكون عليه التدخل الحقيقي، مع تحليل للتكاليف، والموارد البشرية، والمخاطر المحتملة. قلت: “إما أن نفعل هذا، أو نتوقف عن التظاهر بأننا جادون بشأن إنقاذ بنغازي لمجرد أن نشعر بالرضا عن أنفسنا”.
عندما وصلت إلى (الغرفة الزرقاء) كانت ميشيل وضيوفنا قد اجتمعوا بالفعل. التقطت لنا صورا مع كل قائد وزوجته، وثرثرنا عن أبنائنا ومباريات الجولف التي نلعبها. وخلال العشاء كنت جالسا بجوار شاب من المارينز وزوجته، كان قد وطأ قنبلة في ثنايا عمله خبير متفجرات في أفغانستان ففقد كلتا ساقيه. قال لي: إنه لم يزل في طور اعتياد طرفيه الصناعيين، لكن بدا أنه في روح معنوية جيدة وبدا وسيما في زيه الرسمي. رأيت على وجه زوجته مزيجا من الفخر والتصميم والألم المكبوت، وهو المزيج الذي بات مألوفا لي تماما من زياراتي لعائلات الجنود على مدار السنتين السابقتين.
طوال الوقت، كان عقلي يموج بالحسابات، مفكرا في القرار الذي تحتم عليَّ اتخاذه سريعا بينما بادي وفوز والخدم الآخرون يرفعون أطباق الحلوى. كانت حجج مولين وجيتس ضد العمل العسكري في ليبيا مقنعة. لقد بعثت بالفعل آلاف الشباب من أمثال ضابط المارينز الجالس بجواري إلى الحرب، ولم يكن من ضامن -مهما بدا خلاف ذلك للمشاهدين عن بعد- ألا تفضي حرب جديدة إلى أن يعاني آخرون من إصابات مماثلة، وربما ما هو أسوأ. وكنت أضيق من إقحام ساركوزي وكاميرون لي في المسألة، سعيا إلى حل جزئي لمشكلاتهما السياسية الداخلية، وأشعر بالازدراء لنفاق الجامعة العربية. كنت أعرف أن بيل على حق، وأنه لم يكن ثمة دعم كبير خارج واشنطن لما نحن مطالبون بعمله، وأنه فور أن يسوء حال أي عملية عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة في ليبيا، فإن مشكلاتي السياسية سوف تسوء.
كنت أعرف أيضا أنه ما لم تكن لنا الريادة، فإن الخطة الأوروبية على الأرجح لن تحقق شيئا، ستفرض قوات القذافي حصارا على بنغازي، وفي أفضل الحالات، سوف ينشب صراع طويل المدى، بل ربما حرب أهلية كاملة، وفي أسوأ الحالات سوف يتضور جوعا عشرات الآلاف أو أكثر، ويتعرضون للتعذيب، والرصاص مصوب إلى الرؤوس، وكنت أعلم أنني الشخص الوحيد في العالم، في تلك اللحظة على الأقل، القادر على الحيلولة دون حدوث ذلك.
انتهى العشاء. وقلت لميشيل: إنني سأرجع إلى البيت في غضون ساعة ومضيت راجعا إلى غرفة الأزمات حيث كان الفريق يراجع الخيارات منتظرين مزيدا من التعليمات.
قلت: “أعتقد أنني توصلت إلى خطة قد تنجح”.
***
استمر اجتماعنا ساعتين أخريين في تلك الليلة بداخل غرفة الأزمات، مستعرضين نقطة بعد نقطة الخطة التي وضعتها في ذهني خلال العشاء، مدركا أننا بحاجة إلى منع وقوع مجزرة في ليبيا مع تقليل المخاطر والأعباء الملقاة بالفعل على كاهل الجيش الأمريكي. لقد كنت مستعدا لاتخاذ موقف معقول ضد القذافي وإعطاء الشعب الليبي فرصة لرسم ملامح حكم جديد. لكن كان علينا أن نفعل ذلك بسرعة، بدعم من الحلفاء، وبمعايير لمهمتنا واضحة ومعروفة.
قلت للفريق: إنني أريد أن أبدأ بما اقترحته سوزان رايس، أي بإقناع الفرنسيين والبريطانيين بسحب مقترحهم المتعلق بفرض منطقة حظر طيران، لكي نتقدم بقرار معدل لمجلس الأمن، مطالبين فيه بتفويض أوسع لمنع هجمات قوات القذافي حماية للمدنيين الليبيين. في الوقت نفسه يضع البنتاجون خطة لحملة عسكرية تقسم المهام بوضوح بين الحلفاء. في المرحلة الأولى من الحملة، تساعد الولايات المتحدة في إيقاف تقدم القذافي إلى بنغازي وتسلبه نظام دفاعه الجوي، وتلك مهمة كانت تناسبنا تماما في ضوء قدراتنا الفائقة. بعد ذلك نسلم أغلب العمليات للأوربيين والدول العربية المشاركة. ستكون طائرات الأوربيين المقاتلة مسؤولة بالدرجة الأساسية عن تنفيذ أي هجمات جوية مستهدفة لازمة لمنع تقدم قوات القذافي من المدنيين (وذلك جوهريا يعني فرض منطقة حظر حركة جوية أو برية) ويقدم الحلفاء العرب الدعم اللوجستي بصورة أساسية، ولأن منطقة شمال أفريقيا تقع في فناء أوروبا الخلفي لا في فنائنا نحن، فسوف نطلب من الأوربيين أيضا أن يدفعوا أغلب المعونات اللازمة لإعادة إعمار ليبيا ومساعدة البلد في الانتقال إلى الديمقراطية فور غياب القذافي عن السلطة.
سألت جيتس ومولين رأييهما. وبرغم أنهما كانا لا يزالان عازفين عن الاشتباك في ما كان في جوهره مهمة إنسانية ونحن في غمار حربين أخريين، فقد اعترفا بأن الخطة قابلة للتطبيق، وتقلل من التكلفة والخسائر المحتملة بين الأمريكيين، ويمكن أن تحول ميزان القوة ضد القذافي في غضون أيام.
عملت سوزان وفريقها مع سامنثا طوال الليل، وفي اليوم التالي وزعنا مسودة قرار معدلة على أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وكانت الدراما الأساسية السابقة على التصويت تتعلق بما إذا كانت روسيا سوف تصوت لصالح هذا الإجراء الجديد، ففيما مضت سوزان تقنع زملاءها في مقر الأمم المتحدة، كنا نحن نرجو أن تثمر جهودنا المبذولة مع ديمتري ميدفيديف على مدار السنتين السابقتين فنحصل على دعمه، مؤكدين لروسيا أنه بعيدا عن الواجبات الأخلاقية التي تفرض منع مجزرة جماعية، فإنه كذلك من مصلحة روسيا وأمريكا ألا نشهد حربا أهلية طويلة الأمد في ليبيا فيصبح البلد في تلك الحالة أرضا خصبة للإرهاب. بدا واضحا أن ميدفيديف لديه تحفظات جادة على أي عمل عسكري غربي القيادة يؤدي إلى تغيير النظام، لكنه أيضا لم يكن يميل إلى التدخل لصالح القذافي. في النهاية، أقر مجلس الأمن القرار في 17 مارس بتصويت عشرة إلى صفر، مع امتناع خمسة عن التصويت (منهم روسيا). اتصلت بالزعيمين الأوربيين ساركوزي وكاميرون فأبدى الاثنان ارتياحا مكتوما لأننا قدمنا إليهم السلم الذي يمكن أن ينزلا عليه من الغصن الذي تسلقا إليه. في غضون أيام، كانت جميع عناصر العملية قد استقرت، ووافق الأوربيون على أن تعمل قواتهم تحت هيكل قيادة الناتو، وبمشاركة عربية كافية -من الأردنيين والقطريين والإماراتيين- لحمايتنا من الاتهامات بأن مهمة ليبيا إن هي إلا حرب أخرى تشنها قوى الغرب على الإسلام.
مع تهيؤ البنتاجون وانتظاره صدور الأمر مني لبدء الضربات الجوية، عرضت على القذافي علنا فرصة أخيرة، فدعوته إلى أن يسحب قواته ويحترم حقوق الليبيين في التظاهر السلمي. ورجوت أن تدفعه غريزة البقاء -إذ يرى العالم مصطفا ضده- فيحاول التفاوض على خروج آمن إلى بلد يقبله، ويمكنه أن يعيش أيامه بملايين من أموال النفط التي اختلسها على مدار السنين وادخرها في حسابات بنكية عديدة بسويسرا. لكن بدا أن كل الخيوط التي كانت تربط القذافي بالواقع قد تمزقت.
ما لم نضعه في الحسبان هو أن الصراع العسكري وشيك، فما كادت الطائرة الرئاسية تهبط في العاصمة البرازيلية حتى أخبرني توم دونيلون أن قوات القذافي لم تبد بوادر للانسحاب، بل إنها بدأت تخترق محيط بنغازي.
قال “ربما يكون عليك أن تصدر الأمر في وقت ما من هذا اليوم”.
في ظل أي ظروف، كان إصدار الأمر بعمل عسكري خلال زيارة بلد آخر ينطوي على مشكلة. وزاد من سوء الوضع أن البرازيل بصفة عامة كانت ترغب في اجتناب الانحياز في النزاعات الدولية، فامتنعت عن التصويت في قرار مجلس الأمن بالتدخل في ليبيا. وكانت تلك الزيارة هي زيارتي الأولى إلى أمريكا الجنوبية كرئيس، ومقابلتي الأولى مع رئيسة البرازيل المنتخبة حديثا ديلما روسيف. كانت اقتصادية ورئيسة سابقة لفريق سلفها الكاريزمي لولا دا سيلفا وكان من بين اهتماماتها تحسين العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة. استقبلتنا ووزراؤها بحفاوة عند وصولنا إلى القصر الرئاسي، وهو بناء حديث فسيح ذو دعائم مجنحة وجدران زجاجية. وعلى مدار الساعات العديدة التالية، ناقشنا سبل تعميق التعاون الأمريكي البرازيلي في الطاقة والتبادل التجاري والتغير المناخي. لكن مع ازدياد التكهنات بشأن الموعد المحتمل لبدء الضربات الجوية ضد ليبيا، أصبح من الصعب تجاهل التوتر. اعتذرت لروسيف عن أي خرق يتسبب فيه الموقف. فهزت كتفيها، وثبتت عينيها الداكنتين عليَّ بمزيج من التشكك والقلق.
قالت بالبرتغالية “سنتدبر الأمر. أرجو أن يكون هذا أقل مشكلاتك”.
بانتهاء اجتماعي مع روسيف، سارع توم وبيل دالي بي إلى غرفة انتظار جانبية، وأوضحا أن قوات القذافي لم تزل تتحرك وأن الوقت الراهن هو أفضل فرصة لإجراء مكالمة. كان البدء رسميا في عمليات عسكرية يقتضي أن أتصل بمايك مولين. لولا أن الاتصال الهاتفي المؤمَّن الحديث والنظام الذي ينبغي أن يتيح لي ممارسة عملي كرئيس لقيادة الأركان من أي مكان في الكوكب كان في ما يبدو متعطلا.
“نأسف يا سيادة الرئيس، لم نزل نواجه مشكلة في الاتصال”.
فيما سارع تقنيو الاتصال في فحص الأسلاك والوصلات، جلست في كرسي واغترفت حفنة لوز من طبق على مائدة جانبية. كنت قد توقفت منذ أمد بعيد عن القلق على التفاصيل اللوجستية المتعلقة بالرئاسة وقد علمت أني محاط في جميع الأوقات بفريق من الكفاءات الرفيعة. لكنني رأيت حبات العرق على جباه جميع من في الغرفة. كان بيل في أولى رحلاته الخارجية ككبير للعاملين في البيت الأبيض فأحس بضغط كبير. قال ونبرة صوته ترتفع “هذا أمر لا يصدق”.
تحققت من ساعتي. عشر دقائق كانت قد مرت، واجتماعنا الثاني مع البرازيليين يقترب موعده. نظرت إلى بيل وتوم وقد بدا أنهما على وشك أن يخنقا شخصا ما.
قلت لبيل “لماذا لا نستعمل هاتفك المحمول؟”
“ماذا؟”
“لن تكون مكالمة طويلة. تأكد فقط من أن التغطية جيدة”.
بعد بعض المشاورات بين أعضاء الفريق حول فكرة استعمالي خطا هاتفيا غير مؤمَّن، اتصل بيل برقم وأعطاني الهاتف.
قلت “مايك؟ هل تسمعني؟”
“أسمعك يا سيادة الرئيس”.
“إنني آذن لك”.
وبتلك الكلمات، التي نطقتها عبر هاتف ربما استعمل أيضا لطلب البيتزا، بدأ أول تدخل عسكري في رئاستي.

انتهى

*مقتطف من كتاب باراك أوباما السيري الصادر في نهاية 2020م بعنوان “أرض موعودة”.