الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية (2-2)

د. عبدالملك بن عبدالله الهِنائي –

العلاقات الاقتصادية الدولية في ظل التنافس الدولي.. هل هي حرب باردة جديدة ؟ أم مجرد ظاهرة ترامبية؟

الوجه الأبرز للتنافس الاقتصادي الدولي في الوقت الحاضر هو ذلك التنافس المستعر بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، لكن هناك ساحات أخرى للتنافس مثل ما كان يسمى “السيل الجنوبي” وهو خط الغاز الروسي الذي يزود جنوب وغرب أوروبا بالغاز، والذي ألغته روسيا في عام 2014 لصالح “خط الغاز التركي” القادم من وسط آسيا عبر تركيا المتجه إلى جنوب أوروبا، وكذلك مشروع “السيل الشمالي 2” والذي سينقل الغاز الروسي عبر دول البلطيق إلى دول وسط أوروبا، لكنه يعاني من بطء في التنفيذ بسبب اعتراض إدارة الرئيس الأمريكي ترامب “سابقا” على المشروع وفرض عقوبات على الشركات المنفذة له، وأخيرا خط غاز البحر الأبيض المتوسط، وكذلك التنافس التجاري بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا، إضافة إلى التنافس الأوروبي الأمريكي الصيني على ثروات وأسواق أفريقيا وغيرها من مناطق العالم.
لكن المؤكد أن العلاقات الاقتصادية، والتي كانت تسير بخطوات حثيثة نحو عولمة واسعة، تشمل فتح أسواق السلع والخدمات وتخفيف القيود أمام الاستثمارات، قد تأثرت بدرجة كبيرة خلال السنوات الأربع الأخيرة، أي منذ أن أصبح دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ ترامب فترة رئاسته بإعادة التفاوض على منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا) ثم فرض عقوبات وقيود بمليارات الدولار على صادرات الصين إلى أمريكا وكذلك فرض قيودا على واردات أمريكا من الاتحاد الأوروبي. لقد استخدمت إدارة ترامب العقوبات الاقتصادية على نطاق واسع شملت دولا وشركات وأفرادا، ولم تقتصر على المنافسين والخصوم وإنْ شملت دولا حليفة أو صديقة لأمريكا، الأمر الذي أضر بالاقتصاد العالمي وأضعف الثقة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وفي مقابل ذلك ردت الصين بعقوبات مماثلة. وبالإضافة إلى القيود التجارية على واردات أمريكا والعقوبات الأخرى، قامت إدارة ترامب بفرض قيود على بعض الاستثمارات الروسية مثل فرض عقوبات على الشركات التي تتعامل أو تقوم بتنفيذ خط الغاز الروسي إلى ألمانيا ووسط أوروبا المعروف بالسيل الشمالي، وكذلك مقاطعة الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية مثلما حدث مع شركة هواوي الصينية في موضوع شبكات الجيل الخامس، حيث دفعت أمريكا ببريطانيا وأستراليا إلى مقاطعة شركة هواوي ومنعها من مواصلة استثماراتها هناك، وكذلك الحال مع شركة تيك توك التي أجبرتها إدارة ترامب على بيع أعمالها في أمريكا.
لكن الواقع يشير بوضوح إلى أن العالم يتجه إلى التعددية والعولمة ولا يمكن لحرب باردة جديدة أن تؤثر على الاقتصاد العالمي، حيث تمكنت الصين خلال العقدين الماضيين من تطوير علاقاتها التجارية مع كل دول العالم بما فيها الدول الأوروبية، التي هي المنافس التقليدي لها، وذلك من خلال الاستثمارات المتبادلة معها ومن خلال التجارة التي لم تعد تنقل فقط عن طريق الموانئ والمطارات، وإنما أصبحت الصين ترتبط أيضا بقطارات سريعة مع أكثر من ثلاثين بلداً في أوروبا، تنقل سنويا مئات آلاف الأطنان من السلع في الاتجاهين. كما أنه يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جوزيف بايدن لن تستمر في سياسات إدارة ترامب القائمة على العقوبات وفرض القيود الأحادية مع شركائها ومنافسيها، ومنهم الصين، وإنما ستباشر في التفاوض والتوصل إلى اتفاق يخدم الطرفين، الأمر الذي سيخدم الاقتصاد العالمي ويحسن من فرص نموه.
• أولويات العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، من التعاون العسكري والتنسيق الأمني إلى التعاون الاقتصادي والتجاري.
يمكن القول إن العلاقات الاقتصادية الدولية في العصر الحديث وحتى نهاية القرن العشرين شهدت ثلاثة أوجه أو مرت بثلاث مراحل، فخلال مرحلة ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية وبداية مرحلة الاستعمار في أوائل القرن السادس عشر اتسمت العلاقة بين الأمم والشعوب بالعنف والقهر عن طريق الغزو والحملات العسكرية، مثلما حدث في الغزو البرتغالي لعمان.
وفي وقت لاحق، خاصة منذ الثورة الصناعية في أوروبا، أصبحت الدول الأوروبية في حاجة إلى تأمين أسواق لبيع منتجاتها وكذلك تأمين مصادر للسلع الأولية والمواد الخام، مثل القطن والصوف والنفط والخامات المعدنية اللازمة كمدخلات لصناعاتها المختلفة. لذلك بادرت تلك الدول إلى توقيع معاهدات واتفاقيات تضمن لها الحصول على تسهيلات تجارية في موانئ وأسواق الدول الأخرى والحصول على امتيازات لاستخراج المواد الخام والسلع الأولية منها، وكذلك تأمين امتيازات وإعفاء من القوانين المحلية لمواطنيها الذين يتاجرون أو يقيمون على أراضي تلك الدول، وفق ما يسمى extraterritoriality أي حق تطبيق قانون الدولة على مواطنيها خارج حدودها.
وخلال الحرب العالمية الثانية والفترة التي تلتها، وهي فترة الحرب الباردة، ومع أنه ظهرت تجمعات اقتصادية – سياسية كبيرة بين الدول النامية، وعلى رأسها حركة عدم الانحياز ومجموعة 77، إلا أن أثرها الاقتصادي كان ضعيفا أو معدوما، فالعلاقات الاقتصادية لهذه الدول مع الدول الصناعية الغربية كانت أهم بكثير من العلاقات فيما بينها، لذلك أصبحت الاتفاقيات والمعاهدات بين الدول الكبرى في الشرق والغرب مع الدول النامية تميل لصالح الجوانب العسكرية والأمنية، على اعتبار أن الأسواق ومصادر المواد الأولية في الدول النامية أصبحت مؤمنة أو مضمونة لها.
لكن انتهاء الحرب الباردة في صورتها السابقة التي كانت مدفوعة بمزيج من الصراع الأيديولوجي والتنافس الاقتصادي قد غيّر من أولويات كثير من الدول في علاقاتها الخارجية، فلم تعد إقامة أو استضافة القواعد أو التسهيلات العسكرية أو منح الامتيازات لصادرات وشركات الدول الكبرى تشكل الجانب الأهم في تلك العلاقات، وأنما أصبحت الأولوية للتعاون التجاري والاقتصادي المبني على أساس المنافع المتبادلة reciprocity وذلك في صورة اتفاقيات للتجارة الحرة أو اتفاقيات التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار أو اتفاقيات منع الازدواج الضريبي. هذا إلى جانب اتفاقيات التعاون في المجالات العلمية والثقافية وغيرها التي أصبحت سمة تلازم كل التجمعات والاتفاقيات بين الدول.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها السلطنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعزمها مع بقية دول مجلس التعاون على توقيع اتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، كذلك إعلان السلطنة والصين رفع مستوى العلاقة بينهما إلى مستوى “العلاقات الاستراتيجية”.
وإلى جانب ذلك فإن جائحة كورونا COVID-19 وإسراع الصين لتقديم المساعدات الطبية إلى دول في الاتحاد الأوروبي، وكذلك زيادة التبادل التجاري بواسطة القطارات بين الصين وهذه الدول قد جعل البعض في أوروبا يتساءل عمن هو الحليف والشريك الحقيقي، وما هي أولويات التحالف بين الدول.
خلاصة القول إنه مع بداية القرن الحادي والعشرين طرأ تغير في أولويات العلاقات بين الدول والشعوب فلم يعد للتحالفات العسكرية والأمنية الوزن المرجح فيها، وإنما أصبحت المصالح الاقتصادية هي العامل الأهم. كما أنه لم يعد من الممكن للشركات والممولين والمستثمرين في الدول الكبرى الحصول على امتيازات لاكتشاف النفط والموارد الطبيعية في الدول الأخرى بالدرجة نفسها من السخاء الذي كانوا يحصلون عليه خلال القرن الماضي. ولكي يكون للقواعد العسكرية التي تقيمها دول في دول أخرى قبول شعبي فإنه لا بد أن تؤدي إلى منافع اقتصادية في صورة تعويضات كبيرة أو اتفاقيات للتبادل التجاري واستثمارات تخدم التنمية والتقدم، على أن يكون ذلك وفق مبدأ التكافؤ والمنفعة المتبادلة.

عمان في اقتصادها وعلاقاتها الدولية “استشراف”
على مدى قرون من الزمن كانت عمان ملتقى السفن ومعبر التجارة بفضل شغف أهلها بالبحر والزرع، وموقعها بين آسيا وإفريقيا وعلى مشارف أوروبا، فكانت التجارة مورد رزقهم الرئيس وكانت الزراعة أهم مصادر الأمان في استقرارهم وعيشهم. لكن التطورات التي طرأت على صناعة السفن منذ القرن الثامن عشر ثم اكتشاف النفط، خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أدخل الاقتصاد العماني في مرحلة مختلفة، فأصبح من اقتصادات “الأطراف periphery” التي تخدم “المركز core” وذلك حسب “نظرية التبعية depency” لعالم الاقتصاد السياسي، الماركسي المصري الأصل، سمير أمين.
وخلال الخمسين سنة الماضية تراجع دور كل الأنشطة والقطاعات الاقتصادية وأصبح النفط يشكل ما يزيد على 40% من الناتج المحلي الإجمالي وحوالي 80% من إيرادات الميزانية العامة للدولة، كما أصبح الإنفاق الحكومي يشكل النسبة الأهم والمحرك الأول للنشاط الاقتصادي، كذلك فإن خلق فرص العمل أصبح معتمدًا بالدرجة الأولى على الإنفاق الحكومي وما توفره الأجهزة الحكومية من فرص جديدة أو إحلال في فرص العمل القائمة. وفي السنوات العشر الأخير ازداد وضع الاقتصاد صعوبة، بسبب الأزمة المالية العالمية في نهاية العقد الأول من هذا القرن ثم صعود وانهيار أسعار النفط في منتصف العقد الثاني منه ثم جائحة كورونا حاليا، وهو ما أدخل الاقتصاد الوطني في متلازمة syndrome من العجز المتزايد في الموازنة والمديونية العالية والبطالة المرتفعة.
وبالرغم من أن تحقيق المصالح المتبادلة وتطوير التعاون الاقتصادي من أولويات العلاقات الدولية لسلطنة عمان، فإنه الأزمة الحالية تثبت، من جانب، أهمية الإبقاء على جانب من تلك الأولويات، ومراجعة بعض السياسيات والالتزامات، من جانب آخر.
ومن الجوانب والتوجهات التي يجب التأكيد عليها العلاقات الاقتصادية مع الدول المطلة على المحيط الهندي في آسيا وإفريقيا وفي آسيا عامة، حيث إن هذه المنطقة كانت تاريخيا من ضمن ما يمكن أن يسمى “المجال الحيوي sphere of influence” لعمان. كذلك فإن وقائع الحاضر ومؤشرات المستقبل تؤكد كلها الدور المتزايد لهذه المنطقة في الاقتصاد العالمي، وعليه فإنه يجب العمل على توسيع العلاقات مع دول تلك المنطقة وتطويرها لتشمل التجارة والصناعة والبحث والتطوير العلمي وقضايا البيئة. وفي هذا الجانب أيضا من المهم للسلطنة الاستمرار في تطوير العلاقات مع الأصدقاء التقليدين في أوروبا وأمريكا وأن تكون الأولوية في تلك العلاقات للتعاون في المجالات الاقتصادية والعلمية، وذلك عن طريق استقدام مزيد من الاستثمارات ورؤوس الأموال من تلك الدول للاستثمار في قطاعات خارج القطاعات التقليدية التي كانت تستثمر فيها، مثل قطاع النفط والغاز والقطاع المالي، وإنما في قطاعات جديدة تشمل الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة وقطاع السياحة وفي الجامعات ومراكز البحث والتطوير. وفيما يخص العلاقات مع الدول العربية، سواء على الصعيد الثنائي أو في إطار مجلس التعاون والجامعة، فلا شك أنها علاقات لحمة وأخوة ويفرضها الواقع الجغرافي والإرث الثقافي، حتى وإن تعارضت المصالح واختلفت وجهات النظر من بعض المواقف، لكن المطالب والتطلعات الحالية والمستقبلية تتطلب مقاربة مختلفة للعلاقات الاقتصادية بين السلطنة وهذه الدول، فلم يعد من الممكن البقاء على الحد الأدنى من التعاون الاقتصادي مع الدول العربية في إطار اتفاقية عرجاء تسمى “منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى”، ويجب أن يكون الحد الأدنى للتعاون في المستقبل القصير والمتوسط هو اتفاقية تجارة حرة كاملة، تشمل السلع والخدمات والاستثمار، على غرار الاتفاقيات التي توقعها الدول العربية بصورة ثنائية مع الدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا.
وعلى صعيد مجلس التعاون، فبالرغم من أن المجلس كان من أنجح تجارب التعاون الاقتصادي في العالم العربي، بل أنجحها على الإطلاق، حيث حقق المجلس نجاحاً سريعا في وصول أعضائه إلى منطقة تجارة حرة، ثم أعلنت دول المجلس دخولها في اتحاد جمركي وسوق مشتركة، وقد تم انحاز خطوات مهمة في هذا المجال وألغيت كثير من القيود على حركة رؤوس الأموال وتم بعض التقدم في مجال انتقال العمالة والمعاملة الوطنية لمواطني دول المجلس في العمل وممارسة الأنشطة الاقتصادية والاستفادة من خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي. لكن يبدو أن المجلس قد دخل في حالة التباطؤ منذ أكثر من عشر سنوات، ثم في شبه شلل وعدم فاعلية منذ حوالي خمس سنوات. لذلك بقي الاتحاد الجمركي غير مكتمل وقاصر عما يجب أن تكون عليه الاتحادات الجمركية في حالاتها المثلى، بل إن الاتحاد الجمركي أصبح مقيداً للدول ومعطلا لجهودها في مجال تطوير علاقاتها التجارية والاقتصادية من خارج المجلس، الأمر الذي يعني أن دول المجلس مجتمعة ومنفردة لم تستطع تطوير علاقاتها التجارية والاقتصادية، لأن اتفاقية الاتحاد الجمركي الخليجي لا تسمح للأعضاء بتوقيع اتفاقيات فيها تنازلات جمركية مع الدول الأخرى من خارج المجلس.
وللسلطنة علاقات تقليدية واستراتيجية مع عدد من الدول، مثل الصين والهند وباكستان وإيران وبلدان شرق أفريقيا، ولا يمكنها الإبقاء على علاقاتها الاقتصادية معها جامدة، بل أقل مما ينبغي أن تكون عليه، لأن الاتحاد الجمركي الخليجي لا يسمح لها بتطويرها. لذلك فإن من المهم للسلطنة أن تسعى لتعديل اتفاقية الاتحاد الجمركي بما يسمح لأعضائه بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع دول أخرى، على غرار الاتحاد الجمركي القائم بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الجمركي القائم بين دول مجموعة إفتا والاتحاد الأوروبي، أو غيرهما من الاتحادات الجمركية في العالم.
أخير وعودا إلى عنوان هذه المقالة، لا بد من التأكيد أن الاقتصاد أصبح العامل الأهم في العلاقات الدولية، فعليه يعتمد مستقبل معيشة الناس كما يعتمد عليه مستقبل البيئة والحياة على الأرض. وحيث إن للسياسات الحكومية الدور الأهم في توجيه العلاقات الاقتصادية، بما في ذلك ما تفرضه قوانين واتفاقيات العولمة على الدول، فإن الاقتصاد في العلاقات الدولية سياسي بطبعة.

• محاضرة ألقيت في كلية الدفاع الوطني