مقالات يعقوب الكندي بين صحيفتي “الاتحاد” و”الفلق”

كتابات عُمانية مُبكرة “7”
حضر يعقوب الكندي في صحافة المهجر وكان حضوره النوعي في “الفلق”
د. محسن بن حمود الكندي. تزخرُ صحيفةُ “الاتحاد” الإماراتية – الصادرة أعدادها الأولى عن دائرة الإعلام والسياحة بإمارة أبوظبي – بجهود واضحة لسلسلة من الكتّاب العُمانيين يتصدرهم عميد الصحافة الخليجية الأستاذ عبدالله بن محمد الطائي ( 1924 -1973)، الذي كان يشغل آنذاك وظيفة نائب مدير دائرة الإعلام والسياحة بحكومة أبو ظبي، ثم مسؤولاً عن الشؤون الخارجية بالديوان الأميري فمستشاراً مقرَّباً من الشيخ زايد، فبجانبه تحضرُ أقلام عُمانية توقفت الآن وأصبح إنتاجها في عهدة التاريخ، ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر: قلم الأستاذ يعقوب الكندي، والأستاذ أحمد سالم جمعة، وقلم الأستاذ أحمد محمد الجمالي، وقلم الأستاذ سالم بن محمد الغيلاني إضافة إلى قصائد شعر أخرى ومقطوعات للشاعر حمد مبارك المعشري، وللشاعر علي الخليلي، وكتابات علمية للكاتب عبدالله راشد العبسي، وعدة لقاءات مع شخصيات أقامت وقتها في إمارة أبوظبي وما جاورها من مثل: الأستاذ سالم حسن مكي، وعلي بن حمدان بن علي،ومبارك ناصر بهوان، فهذه المقالات والإبداعات والحوارات التي وقفنا عندها تتموضع في الأعداد الستين الأولى التي بحوزتنا فقط، وبالتأكيد اتسع بعدها الحضور الثقافي العُماني على مدى خمسين عاما من تاريخ “الاتحاد”، فامتلاكنا لهذه الأعداد أتاح لنا هذه الكشف الأوّلي الذي نحسبه رائداً وسنتناول منه هذه الحصيلة على شكل تراتبي نبدأه بجهود الأستاذ يعقوب بن موسى بن صالح بن سعيد الكندي الذي كان يوَقّع مقالاته باسمه المختصر “يعقوب الكندي”. والأستاذ يعقوب هو حفيدُ العلَّامة المرجعي المعروف الشيخ سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي، وقد ولد – كما أخبرنا – في سلطنة عُمان بقرية “العامرات” من أعمال مسقط قرابة عام 1939م، ثم هاجر مع والديه إلى زنجبار بعد الحرب العالمية الثانية أي قرابة عام 1944م، وأقام فيها وتعلم في مدارسها إلى أن تخرج من كلية الدراسات الاجتماعية بجامعة “نيروبي” بكينيا، ثم عمل مترجماً في المحكمة الشرعية بزنجبار لمدة عامين، انتقل بعدها إلى دائرة الإعلام بزنجبار للعمل كمساعد محرر لصحيفة “المعرفة” التي كانت تصدر باللغة السواحلية، كما شغل في زنجبار مهام “سكرتير عصبة الشباب المسلمين”، ثم الأمين العام لجمعية الشباب المسلمين خلال الفترة من عام 1957 – 1963م، وعند تغيير الحكومة في زنجبار والإطاحة بالحكم العُماني في الخامس من يناير من عام 1964،عاد مع أسرته إلى وطنه عُمان، ولكن ضيق الحياة وشظفها في تلك المرحلة لم تساعده على الاستقرار في ذلك الوطن الجريح، فشدَّ رحاله إلى الإمارات، بمؤازرة من الأديب عبدالله الطائي، فبدأت خطواته للعمل معه خلال الفترة (1968- 1971)، وعند استقلال دولة الإمارات عام 1971م نقل للعمل في وزارة الخارجية بدرجة سكرتير ثالث، واستمر في عمله فيها متدرجاً في مختلف الوظائف الدبلوماسية إلى حين تقاعده سنة 2004م، حيث شغل مناصب عديدة آخرها “سفيراً” في وزارة الخارجية الإماراتية وقد شارك في جميع مؤتمرات القمة العربية في عصر التحولات والتجاذبات والمشاريع الفارقة، وشهد نشأة كيان دولة الإمارات، ونشوء مجلس التعاون الخليجي، واستوجبت عليه وظائفه المشاركة في أغلب مؤتمرات وزراء الخارجية العرب ورابطة العالم الإسلامي، ومؤتمرات دول عدم الانحياز وغيرها. كما شارك في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة السنوية المتعاقبة، وكان له حضورٌ ملموسٌ ونقاشاتٌ مطوَّلة شهد له فيها بخبرة ودراية في عوالم السياسة والعلاقات الدولية مبرزاً اسم دولة الإمارات في تلك المحافل الدولية. استوطن الأستاذ يعقوب الكندي دولة الإمارات العربية وما زال يُقيم فيها بإمارة أبوظبي، وقد أجريت معه أثناء عمله لقاءات في إذاعة أبوظبي، وفي سائر الصحف الإماراتية، أبان فيها عن حسّه الإعلامي المتقد، وقد اكتسبه من تجربته في الكتابة الصحافية المبكرة في المهجر الزنجباري وخاصة صحيفة “الفلق”. وقد وجدنا له مقالاتٍ وتحقيقاتٍ وأخباراً في هذه الصحيفة من بينها سلسلة تربوية مطوَّلة حول إصلاح “التعليم في زنجبار” نشر أولها في عدد الأربعاء 6 فبراير 1956، وتلاها بمقال نشر بتاريخ 20 فبراير 1957بعنوان ـ” التعليم في زنجبار نموذج المدرسة الثانوية، وآخر حول ” التعليم في زنجبار المدرسة والابتكار الجديد” وقد نشر بتاريخ 6 مارس 1957م، ورابعة عن “التعليم في زنجبار:” انشر بتاريخ 25 مارس 1957م، وكذلك رسالة سياسية عنوانها “الانتخابات على الأبواب” بعثها إلى “الفلق” ونشرتها بتاريخ 8 أغسطس 1956 هـ،وهناك مقال مقتضبٌ عنوانه “إن الله يحب المحسنين” نشر في الفلق بتاريخ 16 أبريل 1956م وقد وقعه باسمه ومسمَّاه “سكرتير عصبة الشبان المسلمين” وعنوانه ص.ب 742 زنجبار، وآخر بعنوان “مجد الشباب” وهو مقال ثقافي تناول فيه التاريخ الخالد للشباب المسلمين الفاتحين والمساهمين في نشر الإسلام عبر العصور، وقد نشر بتاريخ 7 جمادى الثاني 1376هـ 9 يناير 1957م، ومن مقالاته أيضا مقال نشر بتاريخ 8 صفر 1377 هـ الموافق 4 سبتمبر 1957م حول ندوة العصبة، وفيه قراءة لما دار في هذه الندوة وما حفلت به من تجمع حميم بين الشباب المسلم في تلك البقاع وفيها يقول “ندوة العصبة هي ندوة الشباب المؤمن في كل مكان، فما من أخ بعدت داره وشط مزاره، ومهما حالت بيننا وبينه السهول والقفار والبحار وتباينت الثقافات واللغات إلا وهو عضو من أعضاء هذه العصبة شعر به أم لم يشعر…”. وهذه المقالات التثقيفية التوعوية كلَّها كانت تستقطبُ اهتمام الرأي العام في زنجبار وتنمُّ عن رؤية تربوية مبكرة تنحو تجاه تطوير التعليم وتجديده بأساليب المرحلة، وتظهر هذه المقالات رؤى كاتب بارع ك لديه ما يقوله في مختلف القضايا التربوية التي شخصها وأفضى بإجادته الكتابية فيها لغة وأسلوباً وإحكام بناء، يستوي هذا الحكم كذلك في مقالاته الأربعة الأخرى التي عثرنا عليها في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية والتي سنتناولها في هذا العرض التوثيقي المبين لجهود الأستاذ يعقوب الكندي. فلقد كتب كذلك عدة مقالات في صحف المهجر الإفريقي باللغة السواحلية وربما باللغة الإنجليزية كانت تتوالى على صحف أخرى من مثل “المعرفة”، وأكملها بصحيفة “الاتحاد الإماراتية” وهي مقالات كفيلة بتجسيد فكرة الكتابة المبكرة، مع أقرانه كتاب المرحلة الإصلاحية في زنجبار الذين يتزعمهم الشيخ هاشل بن راشد المسكري، وأعضاء الجمعية العربية. ومجمل القول: إن الأستاذ يعقوب الكندي واصل جهوده الصحفية والكتابة الأولى وقد انصبَّ أغلبها على بث رؤى معرفية إصلاحية هي من واقع تخصصه الجامعي حيث كتب في هذه الصحيفة الوليدة مقالات أخذت العناوين الآتية: 1- “الملل هو لا شيء، وهو أيضاً لا شيء” العدد 12، 15 كانون الثاني 1970م، ص11. وهو مقالٌ طويلٌ أشبه بالدراسة النفسية المستفيضة لمناقشة فكرة مركزية تنبعث من النفس وتؤول إليها هي فكرة “الملل” وتداعياته في النفس وشرح عوارضه ومكوناته والإجابة على الأسئلة التي تعتري النفس وهي تشعر بالملل. يقعُ في قرابة ثلاثة أعمدة طويلة بحجم الصفحة كل عمود منها يتكون من سبعة وثلاثين سطراً بمجموع وقدرة مائة وعشرة أسطر تتراوح كلماتها بين خمس وست كلمات، وقد عالج فكرة الملل معالجة وصفية مركزة منطلقا فلسفة سفسطائية مبكرة تدل على وعي نفسي مبكر؛ ليكون فاتحة لمقال تاريخي يمزج فيه الخاص بالعام عبر قصة الملك “شهريار” وكيفية انتشاله من الملل الذي أطبق عليه، وفي ذلك بقوله: “بينما كنت جالساً وأصابعي تعبث بالأوراق على الطاولة كانت قد أصابتني نوبة من الملل، كنت أفكر في كلِّ شيء، وفي لا شيء في آن واحد… كان الشعورُ بالملل يخالجني بمزيج من الضجر والتعب، حاولت أفهم ما هو الملل، هل هو الإعياء من التفكير، أم هو عدم القدرة على في التفكير على التركيز؟.. هل هو زيادة العمل فوق الطاقة المُمكنة؟ أم هو عدم وجود العمل الكافي لملأ الفراغ؟. هل هو التعب أم الشعور بالضجر؟… وفيما أنا غارقٌ في هذا البحر بحر الملل خطرت ببالي قصة الملك شهريار.. لقد كانت له مملكة عظيمة وثروة هائلة ونفوذ قوي، كما كانت لديه من الأعمال ما تشغله وتملي فراغه، لكنه كان مع ذلك غارق في بحر من الملل لم يستطع الخروج منه إلا بعدما اهتدى إلى شهرزاد، هي الوحيدة التي استطاعت أن تنقذه فتفت الملل من قلبه بأحاديثها المبدعة وزرعت فيه الحب فروته بماء حنانها ودفعت به إلى السعادة”. وينتهي في نهاية المقال – وبعد استعراض موسَّع لفكرة الملل وكيفية القضاء عليه بدءًا من القراءة وانتهاء بالعمل المجدي الذي يكسب النفس سعادة ويضفي عليها مشاعر السرور -إلى القول: “كنت أطفح وأضيع وسط هذا الزحام من الأفكار المتناقضة، توقفت لأتساءل إن كانت هناك ” وصفة” تقضي على روح الملل ؟! عند ذلك تذكرت ما خطر لي سلفا بأن الملل هو لا شيء. 2- “أمنيةُ العام الجديد”، العدد 19 ، 12 آذار 1970 م ص 4. وهو مقالٌ مركَّز يقعُ في قرابة أربعمائة كلمة فقط،وميزته أنه عميق يظهر امتلاكه للعناصر ومكوناته وكذا الانتقال من التمهيد إلى العرض إلى الخاتمة بشكل متسلسل سلس ينفذ إلى القلب ويرتسم بلغة العاطفة، فقد بدأه بالسؤال الاستفساري، وختمه بالجواب التقريري، وبينهما الفكرة المركزية التي أراد أن يصل إليها وهي الأمنية، وهذا ما جعل المقال مبني على كتل من الأفكار المتناسقة تنبي بحسّ عبقري واضح، فهو يقول في المقدمة: “هل يمكن للمرء أن يتمنى وأن يتجسد؟ ولا يغيبُ عن المقال استحضار الشعر للاستدلال على الفكرة من مثل قوله معلقاً على البيت المعروف: ما كلُّ ما يتمنَّى المَرءُ يُدْرِكُهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السَّفَنُ. فهو يقول :”الواقع أن الآية الشعرية هذه قد انقلبت في عصرنا الحديث، فأصبحت السَّفن تتحدى الرياح، بل يمكن أن تجري حتى بما لا تشتهي الرياح وذلك لأن الإنسان قد تحدى حدود الأمنية عندما دخل ساحة التجربة؛ ليخرج بشيء واحد ملموس وهو الإرادة …” وينتهي في مقاله إلى التساؤل “أنَّا للإنسان ما تمنى؟ فالأمنية في عالم متفاوت الشعور، متباين الطبقات متنافي المبادئ ومتناقض المباني إنما هو بحر يتمرد على الحدود لا يوقف له على ساحل، والأمنية في هذا العالم الرهيب تبدو كالشمعة في ليلة ريح عاتية تبعث الدفء والاطمئنان ما دامت مشتعلة، ولكنها ما تلبث أن تعصف بها الرياح فتطفئ بصيص نورها، أو أن تحترق عن آخرها، فيعود الظلام ليلف المحيط من جديد، وأي أمنية نتلهى بها تجد منطلقها الكبير في الأوهام في خرافات الملاحم وعوالم الأساطير، ومع ذلك ما أجمل أن نتمنى وأن نتفاءل حتى وأن سأمن الأمنية…” ولا يخرجُ مقاله عن تساؤل نقدي يبرر به فكرته، فيقول :”أيستطيع رجل الفكر أن يطلق لأمنياته العنان في عصرنا هذا فيما يتربع على عرش السلطة منطق القوة والكبرياء…؟ 3- كلمةُ الخير خصبةٌ: الكلمةُ الخبيثةُ والكلمةُ الطيبة، العدد 19 ، 12 آذار 1970، ص (9)، وهو مقالٌ وعظيٌّ أخلاقيٌّ إرشادي يتمحورُ حول بيان أهمية الكلمة وما يتصل بها من مكونات، ويتكون من قرابة واحدٍ وستين سطراً حوى الواحد منها اثني عشر كلمة، وعالج فكرة الكلمة السلاح الفتاك ودورها في إضفاء السعادة على الإنسان، وقد بدأها بتناول أهمية الكلمة قائلا: ” عندما خلق الله الإنسان خلق الكلمة، والكلمة هي الجسر الموصل بين فرد وآخر، وهي أيضا الرباط الذي يربط بين البشر، وهذان الجسر والرباط إما أن يكونا قائمين على أساس الصدق والصراحة، فتوثق الكلمة بيننا الخير والتعاطف، وإمّا أن يكونا قائمين على الكذب والزيف والانحراف فيمسخهما الشر .. ” ويراوحُ الكاتب بين نقيضي الكلمة ففي الوقت الذي يشرح المفاهيم التي تؤول إليها الكلمة الطيبة، يراوح شرحه حول كلمة شر ويتناول الفوائد التي تحققها الثانية والخسائر التي توفرها الأولى، وفي ذلك يقول: “وإن كانت كلمة الخير أو الكلمة الطيبة الصادقة تفتح نافذة مشرعة على الإنسان وتغمره بالنور والمحبة، فكلمة الشر أو الكلمة الخبيثة الكاذبة يحاول أصحابها دائما أن يكيفوا لها الطقس المناسب وأن يلبسوها ألفاظا معسولة رنانة تلامس الوتر الحساس فتؤثر في نفوس الذين لا يجهدوا أنفسهم ليبنوا كلمة الحق من كلمة الباطل ..” 4- المال .. الصحة .. العقل، العدد 38، 23 تموز 1970 م، وهو مقال أدبي يقع في عمود مكون من خمس وخمسين سطراً يحوي كلُّ سطرٍ قرابة ثمان كلمات، ويتناول ثلاثية الحياة بادئا بتمهيد نص فيها بالقول الجامع قائلا: “يتمنى الإنسان بطبيعته الطموحة الحصول دائما على كل ما يستطيع الوصول إليه من جاه أو مال أو كمال علمي أو عقلي أو جسدي، أو كل ما يوفر له راحة أفضل، فهو دائما يسعى إلى الحصول على مزيد من الأشياء والمزايا سواء كانت مادية ملموسة أو غامضة مبهمة ، ولكنه لو وقف لحظة تأمل بما يفصله من الأشياء التي يتمناها ، لوجد نفسه في حيرة وتردد.. هكذا وجدت نفسي عندما حاولت معرفة أفضل الأشياء الثلاثة التي يحاول كل منا الوصول إليها: المال والصحة والعقل “. ثم يعرضُ فكرته هذه الثلاثية ويفصّلها بمنهج نفسي يغلبُ عليه الأسلوب الجدلي متوصلاً إلى نتيجة حتمية بديهية لا جدال فيها فيقول:” كثيراً ما يطوف في مخيلة الإنسان هذا السؤال: ما هو الأفضل من بين هذه الأشياء الثلاثة: المال، أم الصحة، أم العقل ؟ ثم يغيب في حيرة وتردد دون أن يقف على رأي ثابت، أو مقنع، فإعطاء الأفضلية لأي منها أمر يصعب تقديره، لأن هذه العناصر الثلاثة مجتمعة تكون ضرورة واحدة متماسكة من ضروريات الحياة، وأن كل عنصر منها مكمل للآخر، وأنا كغيري أيضاً أتمنى أن يتوافر لي المال والصحة والعقل معاً، ولأني كغيري طموح أسعى إلى الحصول على كلِّ ما أستطيع الحصول عليه مع الاعتقاد بأن ما من شيئان إلا ويكون أحدهما أفضل من الآخر … ” إن أهم ما تتميزُ به مقالات الأستاذ يعقوب الكندي -رغم بدايتها ووقوعها في هنات البدايات- انطلاقها من التجربة الذاتية بطرح أسئلة جوهرية تلامس شغاف النفس وتعبر بسلاسة وتلقائية إلى فضاء الآخر المتلقي؛ لتكون جسراً ممتداً إليه، ولهذا تجد في مقدمات مقالاته عبارات من مثل: (هكذا وجدت نفسي.. أجدني أستعرض.. قلت في بداية الحديث..). كما أن من مميزاتها سيطرة الموضوع الأدبي عليها مع إحكام المبنى ومطابقته للمعنى لغة وأسلوباً، فمجمل مقالاته التي عثرنا عليها تتصل بالحياة وبالنفس، وتنقل شيئاً من الوجدان إلى فضاء الواقع ليصف بها ما يعتمل في ذاته من مشاعر جياشة متفائلة ومتشائلة، كما أنها تتدرعُ بلباس البحث أو الرؤية العلمية الجادة وهدفها: “بيان فكرة ما أو تحليلها وشرحها وتسهيلها وتقريبها للأذهان، أو عرض قضية نفسية تعتري النفس في بعض حالاتها “كالملل” وغيره من القضايا بحسّ أدبيّ معجب، وهو في مجمل ما كتب لا يخرج كثيراً عن الموضوع وإن لم ينصّ على الصفة، لكن يتبادر للذهن من السياق أن المراد من المقالة هو تحقيق النصّ لا غيره، كما أن مفاتيح إثارة الانتباه متحققة بدءًا من الأسئلة المتكررة مع كلِّ فاتحة، وانتهاء بأساليب التعجب والتقرير والنداء والدعاء، و وهذا كله يدل على امتلاكه لأدوات الكتابة الأدبية. بقي أن نقول: إن هذه الكتابات المبكرة جَسَّدت حضورَ العُمانيين في خطاب صحيفة” الاتحاد” الأول، وهي في بداياتها التأسيسية؛ ولهذا حرص كتابها على الاجادة والعمق والتناول المفضي بأفكار ذات قيمة مضافة؛ يستوي ذلك إذا ما عرفنا أن كتابها يتميزون بتجربة صحافية سابقة وحس شعري متقد وبطاقة تعبيرية خلاقة وأحكام ودقة في تناول المواضيع مع توق واضح إلى التغيير والنزوع إلى التجديد بإنشاء صيغ تناسب العصر ومستجدات المرحلة. وقد عضدَ ذلك توجهات الصحيفة، فهي وإن كانت سياسية محضة، فإنها لم تجانب الفكر الثقافي وتبني المواهب والسير على خطى التنوير، ولذا تحضر فيها مقالات ثقافية وتحليلات وأخبار وتحقيقات وقصائد لكبار شعراء الوطن العربي آنذاك فقد كانت تنشر للشاعر العراقية لميعة عباس عمارة ولتوفيق زياد ولمحمود درويش ونازك الملائكة، ولمخائيل نعيمه و نقاد عراقيون شأن صفاء خلوصي وبالطبع لحبيب الصايغ ولعبد الحميد القائد وعلي الشرقاوي وقاسم حداد الذي كان يخطو خطواته الأولى، ولهذا جاءت مقالات يعقوب الكندي وزملائه متوافقة مع هذا الخطاب الأول ليعكس بها بداية التأسيس القوية التي أراد لها القائمون عليها وبالذات الأستاذ عبدالله الطائي الذي أراد منها صورة عاكسة لذاته الثقافية؛ ولتكون عصارة تجربته وجهوده ومساهماته في صناعة الصحافة الخليجية.