لا تحبُ نجيب محفوظ !

أمل السعيدية –

ما زلت أتذكر حتى لحظة هذه الكتابة، مقالاً غاضباً قرأته قبل ما يزيد عن ثمان سنوات، ففي إحدى لقاءات مدونة عمانية لمراجعات الكتب “أكثر من حياة” عبرت شابة صغيرة في مقتبل العمر عن كراهيتها لنجيب محفوظ، الأمر الذي استفز كاتب المقالة، ليهجو فيها الشابة، وهذا التكبر الذي يسمُ جيلها كله. ودعوني أعترف بما أنني واحدة من هذا الجيل، أن دوافعنا أحياناً، تنطلق من هذه النقطة: الرغبة في البقاء حراً طليقاً. أن نرفض ما كرسه أهلنا، وما اعتبره العالم بديهياً ومسلماً به، وكأنني إذا ما قلتُ أنني أكره نجيب محفوظ، لا أعلن موقفي من أدبه فحسب، بل أتمردُ على منظومة كاملة يُعتبر فيها محفوظ ومكانته شيئاً مسلماً به من أشياء كثيرة أخرى. لا يعني هذا بالضرورة أنني أستبعد أن تكون تلك الشابة قد قرأت محفوظ، وقررت بإرادة واعية أنها لا تحبه ولا تفضله، لكنني أقول أننا في الغالب نحبُ هذا الشكل من الهتافات، لأننا نظن، أننا نجرح السلطة ونمزقها علانيةً، وأننا لسنا خائفين من قول ما قد يبدو شاذا وغير مقبول. والدليل على ذلك أننا نستخدم أسماءً ورموزاً نعتقد أن هنالك إجماعا على أهميتها، لم أسمع كثيرا أن هنالك من يكره تشيخوف، لكن قرأت إعلانات كثيرة عن كراهية ديستوفيسكي! وبما أننا نعيش في زمن “الحداثة السائلة” حيث جرى تمييع كل شيء، وتطويع كل شيء على أن يكون قابلا لأن يعكس مواقف متباينة تمثل روح عصر “الصوابية السياسية” بدأت الكثير من هذه الأصوات تأخذ حيزاً في الفضاء الافتراضي، ولم يعد ذلك علامة على التمايز فحسب، بل على اختلاف الذوق وإدراك القارئ لميوله، وعدم نخبوية نشاط القراءة، إذ هي مثل كل شيء آخر، قابلة لأن تكون شعبية، مما يقتضي أن تتخلص لا من الأصنام بل من رفات المواقف الحاسمة والمتطرفة. وبصراحة أجد في ذلك كله شيئاً من المبالغة، سوزان سونتاغ تبدأ مقالها الشهير “ضد التأويل” مستشهدةً بأوسكار وايلد في قوله ” وحدهم الأشخاص السطحيون لا يحكمون من خلال المظاهر، إن سر الكون هو في ما ظهر لا في ما لا يظهر.” وبذلك تبدو انحيازاتنا في كثير من الأحيان تمثيلاً مباشراً لجوهرنا أليس كذلك؟ أنا أفكر بصوت عال الآن، سيشعر بعض منكم بأنني أطالب قراء نجيب محفوظ الذين لا يحبونه بتقديم تبريرات كافية ونقد فني لما ظنوا أنه سبب كراهيتهم لأدبه، وهذا صحيح نوعاً ما، لأنني أطالب بأن نكون أكثر جديةً في تعاطينا مع القصص التي تمثل روح أمتنا! هل هذا يجعل القراءة نخبوية؟ ربما، وما ضير ذلك عموماً؟ مع أن كل شيء محكوم بالسرعة، فإن ما يفعله الأدب هو ترسيخ البطء، وجعلنا غير متعجلين في أحكامنا، أشعر بأن الكثير من التجارب تفوتنا بسبب مواقفنا المتعنتة أو بسبب انغلاقنا على أنفسنا، أو وفي حالات لا بأس بها بسبب رغبتنا في إعلان تمايزنا عن الآخرين، وفرادتنا، وذوقنا الخاص، وحساسيتنا المستقلة التي لا تتأثر بصنمية الأسماء. كانت لدي فكرة مسبقة عن أدب نجيب محفوظ قوامها، الجدل الذي أحاط برواياته، خصوصاً فيما يتعلق بمواقفه الدينية في هذه الروايات ولعل أبرزها “أولاد حارتنا” فوصل بمنددي نشر هذه الرواية المطالبة بقتل محفوظ! تخيلتُ أن رواياته ستكون صدامية، أنه يتناول مسلماتنا ويبدأ بتحطيمها واحدة تلو الأخرى، وليس هذا ما أنتظره من العمل الفني. لا أتذكر أنه قد شاع في محيطي حديث عن أسلوب محفوظ! توقعته كاتباً مدرسياً رغم فوزه بنوبل، لكنني فوجئتُ كثيراً عندما قرأته، حتى أنني لا أتردد في أن أقول أنه الكاتب العربي الأهم، وأننا محظوظون أن ثقافتنا العربية المعاصرة قد قدمت لنا محفوظ وأدبه. إن قراءة ثلاثية القاهرة، كانت تجوالا رائقا في الحسين ووسط البلد، ومرورا على تاريخ مصر وصراعاتها في حقب زمنية متباينة، ليس الموضوع وحده المثير في هذا العمل، بل الأسلوب، طريقة محفوظ في السرد، الإتقان السردي البارع، الفن في أقصى تجلياته، حتى لا تكاد تكون هنالك جملة مدرسية واحدة. كم كان سيفوتني لو أنني أعلنتُ كراهيتي لأدب نجيب محفوظ؟!