الانتقال السلس للسلطة.. مرآة عكست للعالم المستوى الرفيع من الأمان والاستقرار والنماء الاقتصادي

في استذكار تولي مقاليد الحكم –

«عمان»: مرَّ عام كامل على تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في البلاد، ليقود سفينة عُمان ويواصل مسيرة باني نهضتها الراحل السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مستلمًا الراية في انتقال سلس للحكم، انتقال لفت انتباه العالم بأسره لتسطر المقالات والتحليلات السياسية التي أشادت بهذا الانتقال المبشر بأرض ثابتة الأركان ودولة مؤسسات آمنت بالرؤية الحكيمة لسلطانها الراحل قابوس بن سعيد في اختيار من يتولى قيادة البلاد من بعده، دون إلزام منه، إنما سطرها في وصيته التي كان من المفترض أن تفتح في حالة لم يحدث الاتفاق بين مجلس العائلة على من يتولى الحكم، إلا أن مجلس العائلة اتفق بالإجماع على فتح الوصية مباشرة، في صورة بهية تعكس السلام الداخلي بين أفراد مجلس العائلة واليقين برؤية جلالة السلطان الراحل، وتعكس عدم السعي للسلطنة ويقينًا بأن حكم البلاد تكليف عظيم ومسؤولية جسيمة وضع لها السلطان الراحل رجلًا وجده أهلًا ليقود البلاد.
وتحدث العالم عن هذا الانتقال السلس للسلطة، ولم يكن حديثًا من الجانب السياسي فحسب، بل اتسعت بقعة الحديث لتشمل الجانب السياسي والاقتصادي والديني كذلك، وهنا نستذكر ما كتب عن الانتقال السلس في الوسط المحلي والعربي والعالمي.

تفاؤل وارتياح اقتصادي

ومما كتبُ عن الانتقال السلس وتأثيره على الجانب الاقتصادي الكاتب سعود الحارثي، وذلك في مقالته التي عنونت بـ«الانتقال السلس للحكم ينعش الآمال بأداء اقتصادي مميز»، الذي نشر في صحيفة «لوسيل» الالكترونية، وقال فيها: «فوجئ الكثيرون بالانتقال السلس والسريع للسلطة في سلطنة عمان، بعد إجماع العائلة المالكة على اختيار من أقره جلالة السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله وغفر له- في وصيته، جاء هذا التحول بعد مرحلة شابتها حالة من القلق والخوف على مستقبل البلاد، خلال الأيام العصيبة لمرض السلطان قابوس، في ظل الضبابية التي تكتهن خليفته، التي اتسمت بالجمود والترقب وأثرت على نفسية المستثمرين وأضعفت أداء عدد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، ومن بينها بالطبع سوق مسقط للأوراق المالية، وقد سادت إثر الإعلان الذي تناقلته وسائل الإعلام المحلية والعالمية باختيار السلطان هيثم سلطانا للبلاد، حالة من التفاؤل والارتياح عند المستثمرين، ففي ذات اليوم الذي تمت فيه المبايعة وأداء القسم أمام مجلسي عمان والدفاع، ارتفعت السندات العمانية في الأسواق العالمية وتراوحت في الأسواق الأوروبية ما بين (0.5 – 1.5٪)، ما اعتبر مؤشرًا على ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد العماني بعد استقرار الوضع السياسي، فيما توشح اللون الأخضر شاشة التداول في سوق مسقط للأوراق المالية، وذلك صباح يوم أول دوام بعد الإجازة المقررة حدادًا على وفاة السلطان قابوس -رحمه الله- أي في الخامس عشر من يناير، في تداول نشط قاد إلى ارتفاع المؤشر بأكثر من (62) نقطة، وحصد السوق أكبر (عدد صفقات منذ أبريل 2018م)، وارتفعت أحجام التداول بنسبة (159%)، وواصل أداؤه الجيد لليوم الثاني الخميس الماضي، فيما توقع عدد من الخبراء والمراقبين بأن يشهد الاقتصاد العماني أداءً جيدًا وسوف يرافق ذلك الأداء نشاط إيجابي في سوقي العقار والمال، ونمو في عائدات عدد من القطاعات الأخرى في الناتج المحلي، ومن المتوقع أن يتحسن تصنيف السلطنة الائتماني على المديين القريب والمتوسط. تستند مبررات هذا التفاؤل على جملة من الأسباب من أهمها: أولا: الانتقال السلس والسهل للسلطة، والتطبيق الفعلي والدقيق لمواد النظام الأساسي للدولة في أجواء من الشفافية والوضوح، أكد على رسوخ نظام الحكم وصلابته، ومتانة واستقلالية مؤسسات الدولة وقوة القانون، مما عزز من ثقة العالم في النظام السياسي العماني وسلامة الإجراءات التي أقرها النظام الأساسي للدولة، ثانيا: ما تضمنه خطاب السلطان هيثم بن طارق في مجلس عمان بعد مبايعته، من محاور أساسية لملامح الحكم خلال المرحلة القادمة، وتأكيده على السير على خطى السلطان قابوس -الرمز الخالد- وعلى الثوابت التي رسخها في التعايش السلمي بين الأمم -وحسن الجوار- وتحقيق التكامل الاقتصادي والرقي بحياة المواطنين والنأي بهم عن الصراعات الخارجية، عززت الطمأنينة والثقة في استقرار وأمن السلطنة وقوة ونماء اقتصادها، ثالثا- إن السلطان هيثم بن طارق كان قبل توليه حكم البلاد، رئيسًا للجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية عمان 2040م، وكان عضوًا في مجلس الوزراء لأكثر من عقد ونصف بصفته وزيرًا للتراث القومي والثقافة، هذا فضلا عن توليه عددًا من المناصب والمسؤوليات القريبة من المجتمع والقطاع الرياضي، فهو قريب من هموم المجتمع، مدرك لتطلعاته، وعلى إلمام تام وإحاطة مباشرة بالملفات الوطنية، وفي مقدمتها الإشكالات والقضايا الاقتصادية، التي يتوقع الخبراء والمراقبون بأن يوليها الأهمية في قادم الأيام، كما تتميز شخصيته بفكر منفتح وقدرات على الحوار وتقبل للنقد وتعليم رفيع وثقافة متنوعة تؤهله لقيادة ناجحة».

النظام الملكي

«الشعوب العربية أقرب إليها النظام الملكي»، بهذه الجملة صدر موقع «سي إن إن» عنوان موضوع على لسان الداعية الإسلامي صالح المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء بالمدينة المنورة، إذ عقب على الانتقال السلس للحكم بسلطنة عمان، وجاء في لقائه الذي بثته قناة «إم بي سي» قوله: «إن النظام الملكي هو أقرب للشعوب، انتقال السلطة بهذه الطريقة، لا شك أن له الكثير من الدلائل، من أولها وإن كان هذا من طرف خفي، أن الشعوب العربية أقرب إليها النظام الملكي في الاستقرار والسكينة واليسر في انتقال السلطة، كما حدث في سلطنة عُمان الشقيقة، الأمر الثاني يظهر أن النظام في سلطنة عُمان في تسلسل انتقال الحكم كان بينًا واضحًا لا يدفع إلى الريبة، ولا يحيل على الشك ويعين الخلف على أن يأخذ عن السلف ويسلم له الجميع، فقد رأينا فيما أعلن أن رئيس المحكمة العليا ومجلس الدفاع ومجلس الشورى وأفراد الأسرة الحاكمة في عُمان كلهم توافقوا على ما كتبه في وصيته السلطان قابوس -رحمة الله تعالى عليه- في أن يكون خلفه من بعده جلالة السلطان هيثم بن طارق فهذا له دلالة كبيرة جدًا، كما أن الدلالة في شعب عُمان نفسه، يعني الشعب العماني فيه رقي وفيه حضارة وقدرة على التعايش والتقبل وهذا من أسباب بقاء الشعوب وأسباب نمائها وهذه هي الحضارة والثقافة بمعناها الحقيقي».

سيناريو

وجاء في صحيفة «الخليج أونلاين» التي مقرها في لندن وتأسست عام 2014، تقرير قبل عام تناول سيناريو انتقال الحكم في السلطنة، ومنها فقرة عنونت بـ«الانتقال السلس»، وجاء فيها: «كان اللافت هو الانتقال السلس والهادئ والسريع للسلطة من الراحل قابوس إلى السلطان الجديد هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-، بعد ساعات قليلة من إعلان وفاته فقط، وأدى السلطان الجديد اليمين الدستورية بحضور كبار المسؤولين في البلاد، بقاعة البستان بمجلس عمان، وقال مجلس الدفاع، الذي يضم كبار الضباط والمسؤولين، والموكلة إليه دعوة العائلة لتحديد خليفة للسلطان، في بيان: (تسلّم مجلس الدفاع، اليوم السبت، ردًا كريمًا من مجلس العائلة المالكة، التي دعته -بحكم النظام الأساسي للبلاد- إلى الانعقاد لاختيار خليفة السلطان قابوس بن سعيد)، وأوضح أن (مجلس العائلة المالكة انعقد وقرر -عرفانًا وامتنانًا وتقديرًا للمغفور له بإذن الله، السلطان قابوس بن سعيد، وبقناعة راسخة- تثبيت من أوصى به السلطان في وصيته)، وأضاف بيان مجلس الدفاع: (عليه أوكل مجلس العائلة المالكة إلى مجلس الدفاع فتح الوصية وفقًا لما نصّت عليه المادة السادسة من النظام الأساسي للدولة، واتخاذ الإجراءات لتثبيت من أوصى به السلطان، بالتنسيق مع مجلس العائلة المالكة، تشرّف المجلس بحضور أفراد العائلة المالكة.. شهودًا كرامًا على الإجراءات)، وتشترط المادة رقم «5» من النظام الأساسي المتعلق بنظام الحكم في دستور سلطنة عمان، أن «نظـام الحكم بالبلاد سـلطاني وراثي في الذكور من ذرية تركـي بن سعيد بن سلطان»، وهو الجد الثالث للسلطان الراحل قابوس، كما تنص المادة رقم «6» على أن «يقوم مجلس العائلة المالكة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم، وتضيف المادة: «إذا لم يتفق مجلس العائلة المالكة على اختيار سلطان للبلاد، يقوم مجلس الدفاع، بالاشتراك مع رئيسَي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا، وأقدم اثنين من نوابه، بتثبيت من أشار إليه السلطان فـي رسالته إلى مجلس العائلة».
وقال عوض باقوير: كان «انتقالًا سلسًا وسريعًا للسلطة من خلال تفهم عميق لضرورة الاستقرار بالسلطنة، وهذا درس كبير للآخرين في كيفية انتقال الحكم. وفيما يخص السياسة الخارجية العُمانية، فسوف تتواصل على النهج نفسه الذي رسمه السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله».
من جانبه، قال المحلل السياسي العُماني مصطفى الشاعر، في حديث مع «الخليج أونلاين»: إن «ما حدث لم يكن متوقعًا لكثيرين من خارج السلطنة، ولكن في عُمان كان ذلك متوقعًا، خاصة مع وجود مؤسسات عسكرية ومدنية راسخة وأنظمة قوانين معروفة ومحددة». وأضاف «الشاعر»: «في اعتقادي أن مجلس الدفاع الوطني قد أدى واجباته بكل أمانة وإخلاص، واستطاع خلال فترة وجيزة، سد فراغ الحكم في عمان، وهذا يعود لمتانة مؤسسات الدولة».
وبيّن أن «عُمان دولة راسخة ومتجذرة، ويعتبر نظامها من أقدم أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، وأسرة آل سعيد التي تحكمها منذ أكثر من 250 عامًا لها تاريخ عريق؛ وهذا بكل تأكيد له الدور الأكبر في هذا الانتقال السلس، ولا بد من الإشارة إلى أن الأوضاع الخارجية الحالية المضطربة قد تكون أسهمت في حل ذلك؛ لأن البلاد تعيش بمنطقة يشوبها كثير من الاضطرابات، ولا بد من أن يكون هناك سلطان؛ للإمساك بزمام الحكم بسرعة».
وأكد أنه «منذ عام 1996 والسلطان قابوس قد حضَّر لهذا اليوم حين أصدر النظام الأساسي للدولة، وأنشأ مجلس الدفاع الوطني، وكان دقيقًا في اختياره لمن يشغل أي منصب عسكري أو أمني بالبلاد؛ حفاظًا على البلد في مثل هذه اللحظات».

رحيل فارس ونهج ثابت

فيما نشرت صحيفة البيان الإماراتية في 16 يناير من العام الماضي مقالًا بعنوان «عُمان.. رحيل فارس ونهج ثابت»، بقلم الكاتبة أمل الهدابية، وتناولت الكاتبة مآثر السلطان قابوس الراحل، وكيف قام ببناء سلطنة عمان الحديثة، في مقال موسع تطرق فيه كذلك إلى الانتقال السلس في الحكم، وقال في هذه الزاوية: «ولعل في طريقة الانتقال السلس للحكم في سلطنة عمان، من السلطان قابوس، إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، التي شهدتها جميع الدول الخليجية الأخرى، ما يؤكد قوة بنيان الدولة الوطنية، التي أرسى دعائمها هؤلاء القادة المؤسسون، فمن يتابع مراكز الأبحاث الدولية يرى أنهم يشغلون أنفسهم بالحديث عن سيناريوهات «سوداوية» لطرق انتقال الحكم في دولنا الخليجية، وفي كل مرة تثبت هذه الدول أن لديها قواعد راسخة في عملية انتقال الحكم بشكل سلس، يضمن استمرار نهضتها الحضارية وعدم حدوث انقطاع في مسارها التنموي، في الوقت الذي تتعثر فيه كثير من تجارب الحكم عبر العالم في تحقيق مثل هذا الانتقال، لن تشهد سلطنة عُمان تغيرات كبيرة في سياستها الخارجية أو الداخلية التي أرسى دعائهما السلطان قابوس -رحمه الله- بالنظر إلى ما حققته هذه السياسة من مكاسب كبيرة لعُمان داخليًا وخارجيًا، وهذا ما أكده بوضوح السلطان الجديد هيثم بن طارق المعظم، الذي تعهد في خطاب التنصيب بمواصلة النهج ذاته، الذي اتبعته عمان في سياستها الخارجية، التي وصفها بأنها تقوم على التعايش السلمي والحفاظ على العلاقات الودية مع كل الدول، فضلاً عن تعزيز جهود التنمية والاستقرار الداخلي في السلطنة، برحيل السلطان قابوس -رحمه الله- وتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق الحكم في السلطنة، تبدأ عُمان الشقيقة مرحلة جديدة من مسيرة تطورها الإنساني والحضاري والتنموي، وهي مرحلة لن تشكل انقطاعًا عن الإرث الطيب، الذي خلفه السلطان قابوس بن سعيد، ولكنها أيضًا ستكتسي بروح وطموح القيادة الجديدة للسلطنة، الحريصة على تعزيز مكانة عُمان ودورها التاريخي والحضاري والإنساني العريق، رحم الله السلطان قابوس بن سعيد، الذي رحل بجسده، لكنه سيبقى حتمًا في وجدان شعبه، فالقادة العظام يخلدون في ضمير أمتهم وشعوبهم، وأدام الله على سلطنة عمان الشقيقة وشعبها نعمة الأمن والرخاء والاستقرار تحت قيادة سلطانها الجديد».

حديث يطول

فيما سبق جزء يسير من فيض ما كُتب وقيل عن الانتقال السلس للحكم في سلطنة عمان، وآثار هذا الانتقال على مستويات عديدة لا تقف عند الجانب السياسي فقط، لتكون عمان مثالا للدولة المستقرة، الدولة القوية، الدولة الحديثة بأركانها وجميع مفاصلها، ما يبشر بمستقبل واعد وقادم مشرق وحياة مستقرة مستدامة وإن كلفنا جميعًا حكومةً وشعبًا- بعض الإجراءات القاسية لتعيد ترتيب الأوراق وتضمن لنا مستقبلًا أفضل بقيادة حكيمة ورؤية مستقبلية واعدة لن تتحقق إلا بتكاتف الجميع.