الأنيق ..

آمنة الربيع

وداعا حاتم علي …

كنت استثنائيا في حياتنا، وأشبه بغودو الشخصية الدرامية المحورية لمسرحية صموئيل بيكيت. وإذا كان غودو المنتظر لتحقيق الخلاص لم يأت وظل الجميع في انتظاره طويلًا ولا يزالون، إلا أنك يا حاتم قد أتيت إلينا كريمًا وسخيًا في أشياء كثيرة، لتحقق لنا معادلة صعبة جدًا إزاء نظرتنا إلى حال الدراما العربية التي ننتمي إليها مع الأسف الشديد من المحيط إلى الخليج، ولاستثنائيتك تلك، صرتَ واحدا من عائلتنا.
ماذا فعلت بنا يا حاتم علي؟
فوجئنا بخبر وفاتك الفاجع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: (إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). هكذا أقفل عام 2020م نهاياته في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر.
تلقف المجتمع العربي خبر رحيلك بغرابة وتساؤل وإدهاش! لا اعتراض على الموت الذي ألفناه من جراء جائحة كورونا، ولكن فقدك كان موجعا جدًا، وخسارتنا لك كبيرة جدا جدا.
لقد أجمع الأغلبية الساحقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أنك قد شكلّت تحولا فارقا في صورة الدراما العربية بوجه عام، والتاريخية على وجه الخصوص بتعاونك الآسر البديع مع الكاتب والمؤلف الدرامي وليد سيف، ليعيد هذا التعاون إلى منصة الأحداث مفهوم الثنائيات الثقافية التنويرية والفنية العربية الناجحة.
تُعد المشروعات الثقافية العربية بوجه عام كثيرة، ولكن الناجح منها قليل. ويستند خطاب مشروع التنوير الثقافي إلى المرجعيات الفكرية الفلسفية، وعوامل الاتصال بين الشعوب، ومقدار إيمانها العميق باستمرارية رسالتها في الوجود والتأثير في العالم.
وقد نجحت ثنائيات فنية كثيرة في وطننا العربي وقدرت أن تحتل مساحة كبيرة على خارطة الإنتاج الدرامي المشترك، لكنيّ أكاد أجزم أن الثنائيين حاتم علي ووليد سيف كالأجودين يُعدان استثناء فريدا. ويتمثّل نجاح بعض الثنائيات لوجود وشائج عميقة في الروح والذهن، ونظرة ذات وعي مسؤول نحو الثقافة التي ينوء العقل بحملها.
إن ما ربط هذين الثنائيين تجسّد نحو نظرتهما لرسالة الفن، ووعيهما الجدلي بالمجتمع العربي المعاصر ومتغيراته السياسية الحادّة، ونظرتهما إلى تاريخه وموقفهما النقدي منه، ومدى كثافة حضور الماضي في الحاضر والذهاب إليه بواسطة الدراما.
فهذه العناصر مجتمعة، أعتقد أنها بفضلهما شكّلت نقطة ارتكاز لتطور الدراما العربية متعددة الأبعاد، وتمثّل نجاحها من طرفين متلازمين، مثَل الطرف الأول ثراء النص الدرامي الذي يكتبه وليد سيف والمعالجة الإخراجية الرشيقة التي يطرحها حاتم علي.
أما الطرف الثاني فيُمثله المتلقي الواعي القادر على التقاط المعنى في سياقات تأويلية متباينة، وقد جسّد هذا الطرف مجموعة الأجيال المختلفة التي تلقت أعمالهما بوجدان عربي مشترك وذائقة تأويلية خاصة في ظل ظروف سياسية معقدة على امتداد الجغرافيا والوجدان واللغة، ما جعل هذا المتلقي متشوقًا إلى كلّ عمل درامي يجمعهما.
في أثناء دراستي مرحلة الماجستير كنت أتحدث مع أستاذي وليد سيف في مكتبه بقسم اللغة العربية بالجامعة الأردنية عن عمله الدرامي الذي يحضّر له آنذاك، وكان يستعير الكثير من المراجع للتحقيب عن اللحظة التاريخية أو الشخصية التي سيتناولها، وكم تكررت المرات التي كنا نعاون فيها أستاذنا باستعارة بعض الكتب على بطاقاتنا المكتبية، وأذكر في ذلك الوقت حديثه عن كيفية القراءة النقدية للشخصية الدرامية في سياقها التاريخي، مستشهدًا لنا عن قلة المراجع لشخصية الخليفة العاضد لدين الله في مسلسل صلاح الدين، وكنا ننتبه إلى إشاراته النابهة إلى الممثل الصاعد في ذلك الوقت الفنان تيم حسن مؤديا شخصية العاضد، وكذلك حديثه بمحبة واقتدار عاليين عن المخرج القدير حاتم علي.
الناظر إلى ثمرة هذا التعاون، الذي أنتج لنا تباعًا أعمالهما الخالدة: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، التغريبة الفلسطينية، ملوك الطوائف، وعمر، يلحظ مدى تقارب بعض السياقات التاريخية بين المؤلف والمخرج، من بينها على سبيل المثال الانتماء الوجداني العربي الإسلامي إلى فلسطين هوية ومعنى، ونظرتهما إلى فلسفة الفن والتاريخ والكتابة ليست بمعزل عن الواقع المجتمعي وحيوية متغيراته ومنعطفاته الكبرى، وشغفهما باختيار النماذج الإنسانية الفريدة التي استطاعت أن تحقق ذاتها بانصهار في الواقع.
يقول وليد سيف موضحًا اختياره لشخصية عبدالرحمن الداخل: إنه «أنموذج فذّ للإنسان الذي يصل بالرغبة والإرادة الإنسانية إلى حدودها القصوى، في مواجهة مختلف المعيقات والمخاوف والحواجز والتحديات لتحقيق هدف بعيد يبدو مستحيلًا»، وشبيه بهذا التحدي -حسب تقديري- ما فعله حاتم علي الذي اضطرت عائلته إلى النزوح بعد احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان في عام 1967م، والعيش والترعرع في مخيم اليرموك، فيقول: «أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيات مسلسل التغريبة الفلسطينية، ولكنني أيضا عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك…»، فيحيلني هذا إلى المراجعة الفكرية التي صاغها وليد سيف لمفردة المخيم في التغريبة الفلسطينية، وقد عاش طفولته على أطراف مخيم طولكرم.
إنّ وجه التعالق أو الاشتباك أن المؤلف والمخرج دفعتهما ظروف المخيم إلى اختبارات الذات والتحول والتساؤل والتمرد، دون التخلي عن مسؤوليتهما النقدية والثقافية تجاه المجتمع والنص.
بالعودة إلى بعض المحطات الدرامية المتميزة في مسيرة حاتم علي التي تسنى لي مشاهدتها: كـ«مرايا، الفصول الأربعة، عصيّ الدمع، الزير سالم، على طول الأيام، الملك فاروق، الغفران، قلم حمرة، وأهو دا للي صار»، أشاهد قدرا كبيرا من تنوع مفردات الحياة الاجتماعية في سوريا، إذّ تضطلع عدسة المخرج بمهمة توريط المتلقي في كل ما يحدث حوله، ليس على مستوى الواقع بتناقضاته وغرابته لوحده، بل بالاستناد إلى الصورة البصرية التجريبية وفنون الحكي.
اتسمت اللقطات في كثير من الأماكن بالتماهي مع مساحات التجريب الحُّر حيث أبدع المخرج في اختيار قاموس مفرداته الإخراجية عبر زوايا التصوير التي جعلت المشهد التلفزيوني يتسم بالشاعرية، لا سيما التصوير الخارجي للشوارع والمناظر الطبيعية ودمج لغة السينما البصرية داخل العمل التلفزيوني، والمشهد المسرحي داخل السردي، دون الإخلال بجماليات الرؤية النقدية المنبثة في ثنايا العمل.
لقد حظيت أغلب أعمال المخرج حاتم علي الاجتماعية والتاريخية بالنجاح والاختلاف والنقاش، وهذا ما جعله مخرجًا قديرًا ورقمًا صعبًا في مسيرة الدراما العربية.
حاتم علي، رحمك الله أيها المبدع الأنيق..