ثـلاث صـور مـن مـسـافـة قـريـبـة

مـنـى بـنـت حـبـراس الـسـليـمـيـة –

يزدحم المكان بمرور الوقت وتتكاثف الأجساد أمامي حاجبة الرؤية. أتحرك صوب اليسار أكثر حيث أعتقد أن الكثافة أقل لأتمكن من الرؤية بوضوح. هؤلاء الناس لا يراعون طفلة صغيرة في الثامنة من عمرها، كل واحد منهم يود أن يستحوذ على المشهد بنفسه. يتمدد البشر باتجاه اليسار أيضا حيث وقفت، فحاولت ما وسعني أن أوجد شقا بينهم لا يحجب عني الرؤية.
يبدو أنني سأقف على مجرى الوادي تماما إذا ما بالغت في الذهاب يسارا، والجميع يتجنبون الوقوف في المكان المنخفض على الرغم من أنه لا وادي يجري في ذلك الوقت. أفراد الشرطة ليسوا بعيدين، ولكنهم غير منتبهين لي الآن. إذا ما اقترب الموكب فسأتحرك يسارا أكثر فأحظى بالرؤية حيث لا يشاركني أحد.
بعد وقت طويل بدأت تلوح من بعيد الدوريات الزرقاء الملوحة بإضاءة حمراء وزرقاء إيذانا باقتراب الموكب، فتأهبتُ للحركة يسارا عندما لاحت مقدمة الموكب. جريت خطوات باتجاه اليسار وبقيت وحدي على مسافة تفصلني عن الناس وتسبقهم في استقبال مقدمة الموكب. شاهدت الموكب يبطئ الحركة عندما أصبح قريبا مني. عيناي مصوبتان على الحركة البطيئة للسيارة اللامعة. رأيته يقودها بنفسه، وبجواره شخص آخر ليس مهمًّا أن أعرف من هو. التفتَ إليّ. رآني. خفق قلبي بقوة. تسمّرت عيناي في عينيه حتى فُتحت النافذة بيننا، ولم أشعر إلا بأوراق كثيرة من فئة ريال أحمر تنثال نحوي وتتناثر في كل مكان، ثم مضى، ولكن نظرتي بقيت مثبّتة في الفراغ حيث التقت عيناي بعينيه. ولم أدرِ كيف تكدّس الناس من حولي فجأة يجمعون الأوراق المتطايرة. أفقت من دهشتي تلك وأنا أردد: (شافني .. شافني). استغرب إخوتي أن أقول «شافني»، بينما الأصل في هذه المواقف أن نقول: «شفناه». كان امتيازي في ذلك اليوم الذي أحسبه يخصني وحدي: أنه «شافني»، فنظرته تلك، والنافذة التي فُتِحت بيننا، حتى غطتها مئات الأوراق المتطايرة على امتداد الرصيف، مما لن أنساه ما حييت.


كانت تُقلِنا حافلات المدرسة يوميا على مدى أسبوعين من مدرسة عائشة أم المؤمنين إلى ساحة العرض، التي أُعدت حديثا في سيح البشاير «قبل أن يصبح سيح الراسيات» غير بعيد عن المخيم السلطاني. نصطف طوابير لنتلقى تعليمات تصلنا عبر مكبّر الصوت من رجل مصري نسمعه ولا نراه، يوجّه المعلمات المشرفات كيف يفعلن بنا، وكيف يرتبننا. كنا نجسّد اللوحة الأخيرة من مهرجان السلام الذي سنقدمه بمناسبة الزيارة السامية إلى سمائل في عيد الأضحى من عام 1419 هـ/ 1999م، بُعيد حصول جلالته على جائزة السلام الدولية.
أدركنا منذ أيام تدريبنا الأولى أن آخر الطابور هو واجهة اللوحة، فتزاحمنا على من تكون الأخيرة في طابور يأخذ في الالتفاف على نفسه بمجرد دخوله الساحة، مشكّلا دائرة تقف على محيطها الخارجي آخر الواقفات فيه، ما يعني أنهن سيواجهن المقصورة السلطانية مباشرة.
مُخرِج المهرجان الأستاذ قمبر المصري «هكذا عرفنا اسمه مع الأيام» يصرخ على الطلبة الذكور في الجانب الآخر طالبا منهم الانضباط، ويقول لهم عبر مكبّر الصوت: «إذا لم يرَكم السلطان فستراكم الكاميرات وستظهرون بصورة مشينة وأنتم تتخاذلون عن أداء اللوحة بشكل جيد». والمعلمات يصرخن علينا لنكفّ عن الصراع على نهاية الطابور.
كل الأشياء تغيّرت بمجرد أن ظهر مرتقيا المقصورة السلطانية في ثالث أيام العيد. النبضات تضخ مشاعر جديدة، والحماس في أقصى مداه، والمتخاذلون في الصفوف الخلفية أيام التدريبات انتظموا في صفوفهم بإيقاع واحد. كنتُ مقابله تماما في اللوحة الأخيرة. أراه على بعد أمتار قليلة. أرقب ملامحه وأقيس درجة رضاه. أنهينا اللوحة وهتفنا بملء الشعور: بالروح والدم نفديك يا قابوس. حيّانا بطريقته، وتناول السلاح من العسكري الواقف عن يمينه، وراح يطلق طلقات في الهواء وسط هتافنا بعد كل طلقة: «يعيش»، حتى نفدت الرصاصات. ثم رأيناه يفصل الذخيرة الخاوية ويلقم السلاح ذخيرة جديدة فنفدت هي الأخرى، وبقي هكذا كلما فرغت واحدة فصلها وألقم السلاح ذخيرة جديدة. وعندما شعرنا أنه سيكتفي رحنا نصرخ بعبارات كنتُ أعتقد أنها تخلو من اللباقة: مررررة ثاااااانية .. مررررة غيرررررها، فاستبدل السلاح الذي بيده بسلاح آخر وراح يطلق من جديد حتى فرغت ذخيرته هو الآخر، فتمازجت هتافاتنا بالفرح لتجاوبه مع نداءاتنا العفوية.
غادر مقصورته وبقينا في الساحة نستعيد اللحظات التي انقضت قبل قليل، ونردد الأنشودة الختامية التي جسدتها لوحتنا: «الله أكبر يا سمائل كبّري، وتألقي فرحا جليًّا وافخري، فالعيد أشرق سعده وضياؤه، فلك الهناء به بعيد مزهرِ، قابوس زارك فاهتفي واستبشري، بجلال عيدك في جلال المظهرِ، نلتِ الريادةَ والفخارَ بمقدمٍ، يمتاز بالتقوى وطيب المعشر، وستفخر الأجيال ما طال المدى، وتردد الذكرى بطول الأعصرِ»، ونستذكر ذكريات أسبوعين مضيا، فمنذ الغد سنفتقد طعما حلوا خبرناه لأول مرة في المشاركة في المهرجانات الطلابية التي كانت تقتصر المشاركة فيها على طلبة مدارس محافظة مسقط.


مكالمة فائتة. رقم ثابت يبدأ بـ 24141. عرفتُ أنه من جامعة السلطان قابوس. عاودتُ الاتصال بالرقم وأخبرتُ من على الطرف الآخر أن مكالمةً وردتني من هذا الرقم، فسألني عن اسمي. قلت منى حبراس. قال: مني لك دعوة رسمية لحضور افتتاح المركز الثقافي بجامعة السلطان قابوس يوم 18 ديسمبر 2010 تحت رعاية المقام السامي!
انقطعت أنفاسي لدى سماع الكلمات الأربع الأخيرة، ولم أعرف بم أجيب مُحدثي، وعندما أحس انعقاد لساني قال: تعالي لاستلام الدعوة خلال هذين اليومين من إدارة الجامعة.
تركتُ الفرحة تضج بداخلي ولم أبُح بها لأحد حتى وصلتُ إلى البيت. دخلتُ لأجد عائلتي مجتمعة في الصالة بعد وجبة الغداء. قلت لهم: تخيلوا ماذا؟ اليوم تلقيت أجمل اتصال في حياتي. بكت أختي بشرى التي تخرّجت قبل شهر فقط من الجامعة ولم تنل دعوة مماثلة.
الاستعداد كان كبيرا، والجامعة في حالة عرس: ممنوع التنقل داخل الجامعة بالسيارات الخاصة. ارتدينا عباءات تم تفصيلها لنا خصيصا لهذا اليوم بلون فيروزي علامة على أننا طالبات ماجستير، ولبست طالبات البكالوريوس عباءات بلون أزرق. الشاشتان الكبيرتان في المسرح الكبير كانتا تبثّان أغاني وطنية، ولكن الأغاني انقطعت فجأة في غمرة الانتظار ليظهر لنا الموكب وهو يتقدم في شارع الجامعة بالاتجاه إلى المركز الثقافي، فصاحت الهتافات في القاعة حتى ما كاد أحدٌ يسمع أحدا. نتابع تقدُّمَه عبر الشاشات. ها هو يأخذ المسار الثالث في الدوار المقابل لبرج الجامعة. يسلك باتجاه المركز الثقافي. نشاهد الشاشات بلهفة، فمن نشاهده الآن من خلالها سيكون هنا بعد دقائق في هذه القاعة. يترجّل من السيارة، ويصافح أعضاء مجلس إدارة الجامعة قبل أن يزيح الستار عن نصب الافتتاح. ثم يدخل بوابة المركز وتفقد الكاميرات قدرتها على متابعته. فيطول الانتظار، ويزداد الترقب.
كنتُ في الصف الأول الثانوي عندما زار الجامعة في الثاني من مايو من عام 2000م. تمنيت وقتها لو كنتُ بين أولئك الطلبة الذين ضمّتهم قاعة المؤتمرات وهو يلقي خطابه الشهير عن حرية الفكر، أو الذين اصطفوا على جانبي ممرات الجامعة وهو يسير بينهم يحييهم فيبادلونه التحية بالتصفيق. في زيارته تلك أمر بإنشاء المركز الثقافي واعدا طلبة الجامعة بقاعة كبرى تتسع لخمسة آلاف متفرج، ومكتبة ضخمة وقاعات تعليمية متطورة. خبّأتُ الأمنية في سري بأن أكون هناك، ولم أكن أعلم أنها ستجد طريقها إلى الواقع بعد عشر سنوات كاملة فيما كنتُ أنهي آخر متطلبات الحصول على الماجستير. كان القدر جميلا عندما تأخرتُ فصلا عن تسليم أطروحتي، فحصلتُ بسببه على تمديد لعام آخر مكّنني من أن أكون أحد شهود ذلك اليوم.
تنتظم مقاعد القاعة الكبرى في طبقتين تأخذ شكل حرف U بالإنجليزية، بالإضافة إلى المقاعد التي تتوسط المساحة في المنتصف، وعلى الطرف المفتوح تقع خشبة المسرح. البوابات كثيرة في كل الاتجاهات، ولم نكن نعلم من أيّها سيدخل. بيد أننا رأيناه من مكان جلوسنا في الطبقة الثانية على الجهة اليسرى من المسرح يدخل من بوابة تشبه النفق أسفل مستوى الجالسين أمامنا في الجهة المقابلة. أطلقنا هتافات جعلت كل من في القاعة يتجاوبون معنا على الرغم من أنه لم يظهر لهم بعد.
ألقى خطابه واستأذن لمغادرة القاعة وسط تصفيق هو الأعلى على الإطلاق، وبقينا في مقاعدنا نرقب مرة أخرى عبر الشاشات الكبيرة جولته في المعرض الطلابي في مكان آخر من المركز، ثم ركوبه السيارة المرسيدس الذهبية اللامعة التي عبرت به شوارع الجامعة خارجا منها، ونمنّي النفس بزيارة أخرى قد تتجدد بعد عشر سنوات أخرى. كان رجلا قادرا على أن يجعل من حضوره عيدا، ومن طلته فرحا، ومن ابتسامته عرسا، ومن كلامه دستورا، ومن التفاتته بهجة، ومن لقائه ذكرى تستوطن الروح، ومن حضوره جذوة تثير الحنين أنى التفتنا في عمان أنشأها كما يشاء.