الموسيقار العراقي نصير شمه.. من الإعدام إلى العالمية

نال جائزة “شخصية العام” الأكثر تأثيرا في العالم –
بغداد “الأناضول”: نال الموسيقار وعازف العود العراقي الشهير نصير شمه، جائزة “شخصية العام” الأكثر تأثيرا في العالم، المقدمة من المنظمة الهولندية الدولية لحرية وحماية حقوق الإنسان والسلام العالمي. وحاز شمه (58 عاما)، الاستحسان والتهاني في العراق لحصوله على الجائزة. وأجرى الرئيس العراقي برهم صالح، اتصالا هاتفيا مع شمه، الجمعة، أعرب فيه عن سعادته وأحر تهانيه له وللأوساط الثقافية بمناسبة نيله الجائزة. وأشاد صالح بمسيرة الموسيقار الإبداعية المتواصلة في المجال الثقافي والاجتماعي والإنساني، متمنياً له المزيد من الإبداع ووافر الخير والسلام، وفق بيان لرئاسة الجمهورية. من نصير شمه؟ شاعر وموسيقي عراقي وعازف عود، ولد عام 1963 في مدينة الكوت مركز محافظة واسط (جنوب)، أنهى دراسته الجامعية في معهد الدراسات الموسيقية “النغمية” في بغداد عام 1987، وبدأ إعطاء دروس العزف على العود بعد 3 سنوات من تخرجه مع مواصلة دراسته الخاصة. وفي 1993، حصل على وظيفة للتدريس بالمعهد العالي للموسيقى في تونس. شمه، متزوج من الشاعرة السورية لينا الطيبي، ولديهما فتاة تدعى “ليل”، يعيشون في فرنسا، والطريف في الأمر أنه يتحدث اللهجة العراقية وزوجته اللهجة السورية، في حين تتحدث طفلتهما باللهجة المصرية كونها ولدت ودرست هناك. بيت العود العربي أسس شمه بيت العود العربي في مصر عام 1998، وهو أول مركز متخصص وشامل لكل آلات العود والناي والقانون والبزق، واستطاع من خلاله أن يعمل على تخريج مجموعة من العازفين طوروا العود ومزجوه بآلات أخرى. قدّم أولى حفلاته المنفردة في سن مبكرة على مسارح العراق، أشهرها التي أقامها في قاعة الأورفلي ببغداد عام 1985، في حين قدم أولى حفلاته خارج العراق في باريس، على مسرح الأرمانيه عام 1985. وبعد ذلك قدم في نفس الإطار 6 حفلات في ألمانيا الغربية آنذاك، كلها مع الفنان منير بشير، ثم حفل عام 1986 في جنيف بسويسرا، بعدها في أثينا باليونان مع مصممة الأزياء العراقية هناء صادق عام 1988، ثم تعددت حفلاته خارج الوطن العربي. بائع جرائد وخبز نشأ شمه، في بيئة شيوعية معارضة لحكم صدام حسين، وتمرس منذ نشأته على حب التغيير والروح الثورية، عندما ألقت السلطات القبض على الشيوعيين وزجت بهم في السجون. عمل في بيع الجرائد، فكان يضع الشيوعية منها داخل الحكومية ليسربها إلى نزلاء سجن الكوت. كما كان مغرماً منذ بداياته بالصوفية، وربما بسبب طبيعة أسرته المتدينة كذلك منظوره للموسيقى، فتعمق في قراءة الطرق الصوفية العشر وما اشتق منها فيما بعد، كذلك سيرة الصوفيين الكبار، كابن عربي وابن الفارض والسهروردي ورابعة العدوية والحلاج، وذكر في إحدى مقابلاته أنه قارئ نهم، ومن خلال ذلك استطاع أن يرى العالم بأبعاد مختلفة. في طفولته كان شمه يستيقظ عند السادسة صباحاً ليبيع الخبز حتى يشارك بالتبرعات التي ترسلها المدرسة كل خميس إلى أطفال فلسطين، حيث يقول: “تعلمت أن أخدم الفن، حتى أستطيع أن أخدم الجانب الإنساني بشكل أكبر، كما أن راحة القلب أهم من الملايين، والله منحنا الموهبة لنكون قريبين من الناس لا لنزيد أرصدتنا في البنوك”. العود تلقى أول دروس العزف على العود في بغداد وعمره 11 سنة، على يد أستاذه الأول حسين الناموس، وكان والده صاحب متجر ورجل دين محافظًا، لكنه لم يعترض على طموح ابنه الفني. استطاع أن يشكل علاقة فريدة مع العود، فوضع شمه الوتر الثامن، وتمكن من أن يخترع عدة طرق للعزف، حتى وصل إلى مرحلة العزف بيد واحدة مؤلفاً بهذه الطريقة مقطوعته الموسيقية “قصة حب شرقية”، حيث ابتكر هذه الطريقة ليتمكن أحد أصدقائه الذي فقد ذراعه أثناء الحرب من مواصلة عزفه على العود. وأضاف كذلك طريقة أخرى هي العزف بإصبعين على زند العود، وابتكر هذه الطريقة أيضاً ليتمكن صهره أن يعزف على آلة العود بعد أن فقد أصابعه الثلاثة ولم يتبق منها سوى الإبهام والسبابة. النجاة بأعجوبة من الإعدام نجا نصير شمه من الموت بأعجوبة عندما كان في العشرين من عمره، ووفق ما رواه بنفسه فإنه اعتقل من قبل النظام العراقي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بسبب هروبه من الخدمة العسكرية واتهامه بمعارضة النظام، فحكم عليه بالإعدام مع المئات. بقي شمه في السجن 170 يوماً بانتظار تطبيق حكم الإعدام الذي نفذ بالفعل بحق مئات من زملائه، إلا أنه نجا بفضل تعليقات أدلى بها الفنان نور الشريف على أدائه خلال مهرجان “يوم الفن” في البصرة جنوبي العراق، وآنذاك كان مسؤول بعثي اسمه ثابت الدوري حاضرا. ووفق رواية شمه، فإن المسؤول ذاته حال دون إعدامه، إذ قال “كيف نعدم شخصاً قال عنه نور الشريف كلاماً كبيراً وجميلاً؟”. أعمال شمه لدى شمه عدد كبير من الأعمال في تأليف الموسيقى بأسطوانات وأعمال مستقلة أو للمسرح والموسيقى التصويرية للأفلام وحتى في تجربة الموسيقى المرافقة للفنون التشكيلية، وفي الأفلام الوثائقية، وكذلك في الحفلات العالمية. وينظر إلى شمه على أنه من أهم عازفي العود والمؤلفين الموسيقيين المعاصرين في الوطن العربي والعالم، وصاغ لنفسه رؤية موسيقية فريدة تتميز بأسلوب عزف متطور ومختلف. فهو يعزف على العود بطريقة تجمع بين الأساليب التقليدية والتراكيب الحديثة الخاصة به وتتسم موسيقاه بالشجن، ولم يتجه إلى الغناء لاعتقاده بأن ذلك سيحد من انتشار ألحانه وهذا يتعارض مع رسالته التي يقول فيها “سأعولم العود” حتى يدرس في كل جامعات العالم. وأسس شمه عام 2008 أوركسترا الشرق التي ضمت 70 عازفة وعازفاً من العالم، على آلات من الشرقين الأوسط والأدنى، وهي أول تجربة لتحويل الموسيقى الشرقية إلى أوركسترالية. تميزت “أوركسترا الشرق” أنها مكونة من الآلات الشرقية الأصيلة فقط وهي: العود والقانون والناي، بالإضافة لمشتقاتها مثل الساز والجوزة. حصل على العديد من الجوائز والألقاب منها “أفضل موسيقي عربي” عام 1997، وأيضاً جائزة البازلاء الذهبية من المركز الألماني للقصص عام 2015، وحصل على لقب فنان اليونسكو للسلام عام 2017. خلال مشواره الموسيقي الممتد لأكثر من ثلاثين عاماً، تعاون مع موسيقيين غربيين منهم الفنان الباكستاني أشرف خان، وأسطورة الجاز الأمريكي وينتون مارساليس، وعازف الغيتار الإسباني كارلوس بينيانا. معزوفته “العامرية” تحولت إلى أعمال مسرحية وباليه وأفلام وثائقية ولوحات تشكيلية، ألفها للتعبير عن الصورة المروعة لقصف ملجأ من قبل القوات الأمريكية في العراق.