الحارات العمانية من الإهمال إلى الاستثمار

سالم بن سيف العبدلي – كاتب ومحلل اقتصادي
samadshaan@yahoo.com
تعتز الدول بتراثها وتاريخها والسلطنة ولله الحمد لديها كنوز ومكنونات ثقافية وتراثية يرجع بعض منها للألف الثالث قبل الميلاد فهناك القلاع والحصون التي تنتشر في ربوع البلاد والآثار القديمة المتواجدة في العديد من المناطق التي تم التنقيب عنها خلال السنوات الأخيرة ، ولدينا الحارات القديمة والتي بنيت قبل مئات السنين والتي أصبح بعضها كالأطلال تنتظر من ينقذها من الدمار ونسيان السنين في هذا المقال سوف نلقي الضوء على هذه الحارات القديمة والتي ينبغي استغلاها واستثمارها بشكل جيد.
تتشابه الحواري العمانية من حيث التصميم والشكل والمكونات لقد زرنا العديد من هذه الحواري الموجودة في القرى والمدن في محافظات الشرقية والداخلية وحقيقة أعجبنا بروعة البناء والتصميم وغالبا هذه الحواري تنتهي بوجود مسجد من اتجاه ومن الاتجاه الآخر سوق وبعض القرى مصممة بحيث لا تتأثر بالسيول والأمطار حيث توجد ممرات خاصة بها.
بعض الحواري عبارة عن قرية كاملة كما هو الحال قرية المنزفة بولاية إبراء والتي تتشابه في تصميمها وممراتها ومداخلها بعض القرى في المملكة المغربية خاصة في مدينة مراكش وتمتاز قرية المنزفة بحصونها وبروجها وأبنيتها القديمة المبنية بالجص والإسمنت العماني القديم وتضم النقوش والزخارف والتي تعتبر معلما تراثيا بارزا، ورغم أن مباني البلدة القديمة متداعية وآيلة للسقوط، إلا أن الزمن لم يطمس معالمها، ولا تزال شاهدا حيا على ما شهدته هذه المنطقة من ماض عـريق.
وحسب البوابة الإعلامية التابعة لوزارة الإعلام فإن قرية المنزفة بولاية إبراء تعتبر ذات مكانة تاريخية مهمة على مستوى السلطنة نظرا لما تضمه من مبان هندسية جميلة إضافة إلى أنها كانت تمثل الثقل التجاري في ولاية إبراء بسوقها ومحلاتها التجارية وقد ذكرت بعض المصادر التاريخية أن قرية المنزفة تمكنت من استقطاب العديد من الرحالة والمؤرخين ووصفها البعض في حينها بأنها من أجمل القرى العربية ذات الطابع الإسلامي والعربي الفريد التي امتزجت فيها المباني بين الهندسة العمانية وهندسة بلاد الرافدين.
ورغم أن وزارة السياحة آنفا قامت بإجراء دراسة تفصيلية شاملة للحارة التي لم تركز على المباني القائمة فقط بل الواحات المحيطة بها والعادات والتقاليد والحرف الموجودة كما إنها لم تهتم بالجانب الحسي والمادي فقط بل الجانب البشري أيضا لتوظيف كل المفردات للأغراض السياحية ومن ثم يتبين من خلال هذه الدراسة ماهية الخطة الصحيحة والنهج السليم الذي ينبغي أن تنتهجه لتوظيف حارة المنزفة.
كان من المفترض أنه في حالة وإن ثبتت جدواها للأغراض السياحية فإنه يتم استغلالها على أسس علمية وثقافية واجتماعية وتراثية تأخذ القرية بنظرة الشمولية ولا تأخذها من ناحية المبنى فقط بل من الناحية التاريخية والثقافة والبشر والعادات والتقاليد والأفلاج والزراعة وسبل عيش الناس حيث كان التوجه لتحويلها إلى قرية تراثية سياحية متكاملة طبعا الدراسة انتهت منذ سنوات ولا نعرف أين ذهبت وما هي نتيجتها لذا نتمنى أن يتم تحديث الدراسة وتنفيذ المشروع والذي لا شك سوف تكون تكلفته عالية لذا تقترح أن تطرح للاستثمار من قبل القطاع الخاص المحلي مع وجود شريك استراتيجي.
حارة البلاد بولاية منح بمحافظة الداخلية أيضا تتميز بتصميمها الرائع فهي تتوسط الولاية وتقع بالقرب من السوق القديم تم ترميمها مؤخرا إلا أنها لم تستغل بعد رغم أنها كانت موضوعة ضمن البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي (تنفيذ) ، هناك أيضا حارة العين الأثرية بقرية أمطي بولاية ازكي والتي تمتاز بتصاميمها الرائعة وطرقها المنتظمة المبنية بالطين والجص والحصى تقام فيها حاليا بعض الفعاليات التراثية والمعارض الفنية إلا أنها أيضا لا زالت تنظر من يقوم باستعادة نشاطها واستغلالها سياحيا.
جدير بالذكر أن هناك أمثلة لمشروعات رائدة في محافظة الداخلية لتأهيل الحارات القديمة والاستفادة منها سياحيا من ضمنها حارة العقر بولاية نزوى ومسفاة العبريين بولاية الحمراء وغيرها من الحارات التي تتهيأ حاليا لتتخذ موقعها في خارطة السياحة إلا أنها لا زالت تفتقر إلى الترويج السياحي.
دول كثيرة قامت بمحاكات القرى والحارات القديمة وإقامة أسواق تقليدية فيها ومنتجعات بنفس الشكل والتصميم الذي تمتاز به حوارينا العمانية بينما نحن نتملك هذه الكنوز والتي تحتاج فقط إلى بعض اللمسات كالتأهيل والترميم وإنشاء بعض الإضافات فيها من خلال القطاع الخاص بحق الانتفاع أو حتى من خلال شركات أهلية.
لذا نقول حان الوقت أن يتم استثمار هذه الحارات وإدارتها واستغلالها بشكل مدروس خاصة ونحن نبدأ في تنفيذ الرؤية المستقبلية عمان 2040 والتي يتركز على تنويع مصادر الدخل وصناعة السياحة بشكل عام والسياحة التراثية يمكن أن تكون أحد روافد الاقتصاد الوطني.