مرفأ قراءة.. «المنتخب» وإحياء ثقافة المختارات الأدبية!

إيهاب الملاح

– 1 –
تمثل الكتب التعليمية المدرسية أخطر أنواع الكتب وأكثرها تأثيرا في حياة الإنسان، وهي التي قد تحبب إليه علما ما أو أدبا ما (أو العكس!).. ولقد انتبهت لذلك وزارات المعارف المصرية المتعاقبة في النصف الأول من القرن العشرين، حين كانت قريبة عهد من سياق النهضة الأدبية والفكرية التي بدأت مع رفاعة الطهطاوي، وعلى مبارك، والأفغاني والإمام محمد عبده، وصولا إلى جيل النهضويين والتنويريين العظام في النصف الأول من القرن العشرين.
وكانت هذه الوزارات تعهد بتحرير كتب المطالعة واللغة، وتاريخ الأدب ونصوصه، إلى كبار الأدباء والمثقفين في عصرهم، والذين كانوا على قدر المسؤولية والوعي، لا سيما أن أكبر اسم بين هؤلاء وهو الدكتور طه حسين، تولى وزارة المعارف خلال الفترة (1950-1952) ليتوج جهودا عظيمة استمرت لما يقرب من ثلاثين سنة، فكانت هذه الكتب التي تسمى مصنفات مشتركة؛ مثل: «النحو الواضح»، و«البلاغة الواضحة» لعلي الجارم ومصطفى أمين، و«المفصل في تاريخ الأدب العربي»، و«الوسيط في الأدب العربي وتاريخه»، و« المجمل في تاريخ الأدب العربي».. الخ.
كتب قيمة رائعة ما زالت محتفظة بقيمتها المعرفية والثقافية حتى بعد مرور ما يقرب من القرن على صدور طبعتها الأولى، ولا تزال عمدة في أبوابها، وذلك بسر الإخلاص والاحتراف الذي كتبت به، وقد وضع مؤلفوها نصب أعينهم هذا النشء الذي يرغبون في النهوض به.

  • 2 –
    وقد كان هذا الجيل، من رواد النهضة الأدبية والثقافية في النصف الأول من القرن العشرين، هُم مَن أحيا ثقافة جمع المختارات والنصوص الأدبية بعناية فائقة، وتأليف الكتب الموجهة للطلاب من منظور ثقافي ومعرفي تنويري، وليس من منظور تلقيني جاف وجامد، وأثمر هذا الجهد التعاوني المشترك سلسلة من الكتب الرائعة في الأدب العربي وتاريخه ونصوصه، ربما كانت هي الأهم التي ألفت في القرن العشرين لطلاب ما قبل الجامعة! (ولا أنسى كذلك ضمن هذه الطائفة من الكتب، كتاب «التوجيه الأدبي» الذي كان ضمن برامج الدراسة لكل الطلاب الملتحقين بكلية الآداب في سنتهم الأولى؛ واشترك في تأليفه كل من الدكتور طه حسين، وأحمد أمين، وعبد الوهاب عزام، ومحمد عوض محمد.. رحمهم الله أجمعين).
    ومن أشهر كتب المختارات في أدبنا المعاصر كتاب «المنتخب من أدب العرب» الذي يقع في جزئين، وهو واحد من أهم وأجمل وأمتع كتب النصوص العربية، والمختارات الأدبية التي تغطي الشعر والنثر منذ الجاهلية، وحتى القرن الثاني عشر الهجري… وقد قام بإعداد الكتاب واختيار نصوصه وشرحها لجنة أدبية عظيمة كان يرأسها طه حسين نفسه، وتضم من الأعضاء أحمد أمين، وأحمد ضيف، وعلي الجارم، والشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ عبد العزيز البشري.. وكان هذا الكتاب المرجع سببًا رئيسيًا في تقريب نصوص الأدب العربي إلى نفوس الناشئة والطلاب الصغار، وكان نجيب محفوظ أحد الذين تأثروا بهذا الكتاب، وأشادوا به وتحدثوا عنه بتقدير كبير واحترام وافر!
    يقول نجيب محفوظ في حواراته مع محمد سلماوي:
    «وأذكر في تلك السنوات من صبايا كتابا كان مقررا علينا في الدراسة، وأعتقد أن اسمه كان “المختار”، وكان الذي جمعه وشرحه هو الدكتور طه حسين، والشيخ الإسكندري، كان هذا الكتاب يضم مقتطفات من أعمال جميع شعراء العربية من أجهل الجاهلية إلى العصر الحديث، وكان يصاحب هذه المختارات الشعرية نبذة عن الشاعر وحياته، ولقد احتفظت بهذا الكتاب مدة طويلة، وأذكر أنني قمت ذات مرة بعمل مختاراتي الخاصة من هذا المختار، وكنت أدونها في كراسة مستقلة وأعود إليها كما يعود الإنسان لسماع موسيقى معينة يهواها كلما استطاع..»
    (حوارات نجيب محفوظ ـ محمد سلماوي)

  • 3 –
    وبعد قرابة نصف القرن من ظهوره الأخير (وعدم إعادة طبعه من حينها)، بادرت اللجنة العلمية لسلسلة «الذخائر» التي كانت تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، في 2001، باختياره ضمن إصداراتها الممتازة، وقد أوردت اللجنة أسباب اختيارها لهذا الكنز الأدبي الرائع لإعادة طبعها إياه؛ إذ يقول رئيس تحرير السلسلة آنذاك، المرحوم الدكتور محمود فهمي حجازي:
    “اختارت اللجنة «المنتخب من أدب العرب» لعدة أسباب؛ منها، قيمته الأدبية العالية، وندرة الكتاب وحاجة المثقفين إليه، إن القيمة الكامنة في هذا الكتاب ذي المجلدين كبيرة، فالمختارات الأدبية هنا تغطي كل مراحل تاريخ الأدب العربي الذي كان “ديوان العرب”، والنثر هنا تمثله الخطب والرسائل والمقامات، وغير ذلك.
    الشعراء هنا، وكتاب النثر، ينتظمون في نسق تاريخي مع نصوصهم، قدمت مضبوطة بالشكل مع قدرٍ من الشرح اللغوي البسيط في الهامش بطريقة تساعد، القارئ ولا تحول دون تذوقه للنص، المجلدان متوازيان، كلاهما يبدأ بنصوص العصر الجاهلي، ويضم نصوصا من عصور الأدب العربي، ويصل القارئ ببدايات التجديد في الأدب العربي الحديث، وهو كتاب قيم وجدير أن يكون في مكتبة كل مثقف عربي”.
    وهذا الكتاب الذي يظهر في هذه الطبعة، بعد أن توقف طبعه ونشره وإتاحته لما يزيد على نصف القرن، هو ثمرة اختيار موفق أنجزته هذه النخبة من الأعلام الأفذاذ وأساتذة الأدب العربي في مصر في مرحلة مهمة كان الأساتذة الكبار والمجمعيون الراسخون والمثقفون المرموقون يهتمون فيها بالتعليم، وبالكتاب المدرسي، وبالعمل الثقافي.
    لم يكن التعليم منفصلا عن الثقافة والمعرفة والإجادة، فلا معنى لأن يدرس الطالب العربية، ونحوها وصرفها، من دون أن يتمثلها في نصوصها المبدعة الجميلة، ولا معنى لأن يدرس الطلاب القواعد مجردة من دون الإحساس بها وتذوقها والتمكن من فهمها واستيعابها في تجسداتها النصية؛ شعرية كانت أو نثرية.

  • 4 –
    كيف رسم مؤلفو الكتاب خطة جمعه وتبويبه؟ وما الأهداف التي حددوها من وراء هذه الاختيارات وفق المنهج الذي أقروه؟ يجيب معدو الكتاب وشارحوه:
    لقد جمعنا في هذا الكتاب لطلاب المدارس الثانوية ما تقدمت إلينا به وزارة المعارف في جمعه لهم من النصوص الأدبية شعرا ونثرا، وقد حرصنا أشد الحرص على أمرين نرى أن لهما خطرا عظيما؛ هما:
    الأول؛ أن تكون النصوص التي نختارها لكل عصر من عصور الأدب العربي مرآة صافية، وصورة صادقة واضحة للحياة الأدبية في هذا العصر، على اختلاف فروعها، وافتراق نزعات الشعراء والكتاب والأدباء فيها.
    الثاني؛ أن يكون ما اخترناه، على صحة تمثيله للعصور الأدبية، وصدق تصويره لشخصيات الأدباء ومذاهبهم في الأدب، في جملته، جميلًا رائقًا وجزلًا رائعًا، خفيفَ الموقع من الأسماع، لطيف المسلك إلى النفوس، يستطيع أن يبعث في قلوب الشباب حب لغتهم وأدبها، ويرغبهم في التزود منهما والتفقه فيهما. وتوخينا إلى ذلك كله، أن يكون جل ما اخترناه من الشعر والنثر سهلًا يسيرًا يلائم حالة الشباب وطاقته.

  • 5 –
    وقد أفاد كتاب «المنتخب من أدب العرب» من كل ما سبقه من جهود عظيمة في تأليف كتب النصوص والمطالعة والقراءة والأدب العربي وتاريخه، وخاصة فيما يتصل بخاصية “التدرج” في تأليف هذه الكتب وفي عرض المادة المختارة، بحيث تتسع الدائرة مع كل مرحلة تعليمية (من الابتدائي إلى الثانوي)، ومع كل صف دراسي، لترسخ ما سبق وتضيف إليه.
    وعلى هذا الأساس ظهر كتاب «المنتخب» باعتباره كتابا في المختارات الأدبية على أساس تاريخي، ينمي التذوق الأدبي، ويساعد أيضًا في دراسة تاريخ الأدب وتطوره، وقد تألف من جزأين؛ الأول “لطيف المختار” قريب المتناول، والثاني “جزيل المختار” مفتن المعنى والغرض.
    وقد ظلَّ كتاب «المنتخب من أدب العرب» يطبع ويسلم لتلاميذ المرحلة الثانوية وما في مستواها على مدى نحو ثلاثين عاما كاملة (1926-1955)، وظل بعد ذلك ملمحا رفيعا من تاريخنا الثقافي، يتحدث عنه المثقفون لأجيال وأجيال ولا يجدون نسخة واحدة منه إلا بجهد جهيد وكد ومعاناة!