تطوير شامل لمنظومة القضاء وتعزيز كفاءته وتحقيق العدالة الناجزة

انطلاقا من الرؤية المستقبلية «عُمان 2040»

كتب – خالد بن راشد العدوي –

أعلن فضيلة السيد خليفة بن سعيد البوسعيدي رئيس المحكمة العليا – نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء – رئيس مجلس الشؤون الإدارية للقضاء عن ملامح خطة استراتيجية شاملة ومتكاملة لتطوير المنظومة القضائية، ورسم معالمها المستقبلية، وتعزيز كفاءتها، واستقلاليتها، ونزاهتها، بما يضمن إيصال الحقوق لأصحابها كاملة، وبكل عدالة، وبأسرع وقت ممكن.
وقال فضيلة السيد خليفة في تصريح مكتوب لـ «عمان»: إنه انطلاقا من الحرص التام لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء على تحقيق أهداف الرؤية المستقبلية «عُمان 2040»، وإيمانا من المجلس برسالة القضاء الأساسية المتمثلة في صيانة الحقوق في المجتمع، وإرساء دعائم العدل بين الناس دون تراخٍ أو تباطؤ؛ فقد تم رسم ملامح خطة استراتيجية لتطوير المنظومة القضائية ترتكز على عدة محاور أساسية هي: تحقيق العدالة الناجزة، ودعم الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتعزيز الشفافية والنزاهة، وخلق قضاء متخصص، وتقديم الخدمات القضائية من خلال كفاءات قضائية، وكوادر إدارية مؤهلة ومدربة، وتحديد إطار زمني لتنفيذها ينسجم مع رؤية «عُمان 2040».

وأكد فضيلة السيد خليفة أنه مع بزوغ فجر النهضة المتجددة في سماء السلطنة، والتي يقودها بحكمة واقتدار صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه -، والتي كان من ثمارها اعتماد السلطنة لنظام التخطيط منهجا وأسلوبا لها، تأتي أهمية هذه الخطة الاستراتيجية في بناء مؤسسة قضائية فعالة، وخاضعة للمحاسبة، تضمن وصول العدالة للجميع في أسرع وقت ممكن، ووفق إجراءات تتسم بالسهولة واليسر، وتساير معطيات العصر الحديث.
استراتيجية المجلس تهدف إلى تشييد صرح للعدالة الناجزة مُحكم الصنع، متين الأساس، شاهق البنيان، يضاهي صروح الأمم الأخرى التي تتفاخر أنظمتها القضائية بتقديرها المطلق للعدالة الناجزة.
وأوضح فضيلة السيد خليفة أن ما وصل إليه القضاء في السلطنة من الرقي باستقلاله، وإتاحة الفرصة له بأن تظل شؤونه وإدارته بيد قضاته هو إنجاز نزهو به جميعا ونفخر، وتشرئب به قاماتنا بين أقراننا، وترتفع في جميع المحافل والمؤتمرات الدولية، والحق أنّ ما بلغه القضاء في السلطنة، وما يتمتع به من استقلال تام لم يزل بعدُ أمانيَّ تسعى إلى بلوغها الكثير من النظم القضائية في بعض الدول ذات التاريخ القضائي العريق.
وهذه المكانة الرفيعة التي يحتلها النظام القضائي في السلطنة بين أقرانه في دول العالم ينبغي أن يصاحبها تحقيق العدالة بصورتيها: الموضوعية والإجرائية، بحيث يحصل الفرد على حقه الذي يطالب به، وفقا لإجراءات تتسم بالسرعة والشفافية والنزاهة.
وتقديرًا لمدى أهمية نهوض القضاء بأداء أمانته في إرساء دعائم العدل بين الناس يُفرض علينا الحرصُ على أن نحفظ لقضائنا مكانته الرفيعة من أجل ترسيخ الثقة في عدالته، ويوجب ذلك – بداهة – أن يشعر الفرد بحصوله على هذه العدالة دون تراخٍ أو تباطؤ، وهو ما عُقد العزم على تحقيقه بتضمين الخطة الاستراتيجية محورا يركزّ على أن يُشيَّد للعدالة الناجزة صرحٌ مُحكم الصنع، متين الأساس، شاهق البنيان، يضاهي صروح الأمم الأخرى التي تتفاخر أنظمتها القضائية بتقديرها المطلق للعدالة الناجزة.

تحقيق العدالة الناجزة

وقال: «من أبرز ملامح استراتيجية تحقيق العدالة الناجزة العمل على تحديث التشريعات المتعلقة بالقضاء والعدالة بما يواكب أحدث التشريعات والنماذج الناجحة والمتطورة، وذات الترتيب المرتفع في المؤشرات الدولية مثل: الدنمارك، والنرويج، والسويد، وكندا، والمملكة المتحدة، مع مراعاة طبيعة وخصوصية المجتمع العماني، ومن تلك التشريعات: قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 90/99، وقانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 97/99، وقانون الإجراءات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29/2002، وقانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 68/2008».
وتابع فضيلة السيد خليفة قائلا: إن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – يولي اهتماما كبيرا، وحرصا صارما لتطوير منظومة القضاء، والعمل على تحديثها، وتطويرها، وكفالة تحقيق العدالة المتكاملة والناجزة، فقد ركّز جلالته على جوهر العدالة في مستهل حكمه الرشيد حين أضاف إلى المنظومة القضائية فضلا لا ينسى بإصداره قانون تبسيط إجراءات التقاضي في بعض المنازعات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 125/2020، والذي اشتمل على أحكام تتضمن اختزال مراحل البت في بعض المنازعات التي لها أبعاد اقتصادية واجتماعية، وإصدار الحكم وتنفيذه في مواعيد محددة وقصيرة وملزمة للقاضي، وتقصير مدد الطعن في الأحكام القضائية، واستخدام وسائل التقنية الحديثة في العمل القضائي، ومنح قوة السند التنفيذي لكل من عقد الإيجار المثبت للعلاقة الإيجارية، ومحضر الصلح (التسوية) الذي يجري في مكتب العمل المختص بين العامل وصاحب العمل، بما يؤدي إلى توفير الثقة والطمأنينة في السوق العقاري، ويقلص عدد القضايا المتعلقة بالمنازعات الإيجارية والعمالية، والقضاء على تكدسها في ساحات المحاكم.

تطوير المنظومة القضائية

وأشار فضيلة السيد خليفة إلى أن الوصول إلى قمة تطوير المنظومة القضائية في أي دولة لتواكب أفضل الممارسات العالمية لا يتحقق فقط من خلال سلامة الأحكام، وصحتها، ولا بسرعة صدورها، وإنما أيضا بيسر وسلاسة الإجراءات المتبعة أمام المحاكم، وهو الأمر الذي يستلزم لتحقيقه الاعتماد على التقنيات الحديثة في عمل المحاكم، بحيث تُقدم جميع خدمات القضاء إلكترونيا؛ لذلك فقد بدأ مجلس الشؤون الإدارية للقضاء في وقت سابق بتفعيل بعض الخدمات الإلكترونية، مثل: بوابة المحامين، ومنصة «قضاء»، وإطلاق بعض الحزم من خدماتها، وهو ما رأى المجلس عدم كفايته في الوقت الراهن لمواكبة التطلعات الوطنية في المرحلة القادمة من ناحية، وتحقيق طموحاته نحو الوصول بمنظومة القضاء إلى مراتب متقدمة في المؤشرات الدولية من ناحية أخرى؛ لذا فقد عمد المجلس إلى تبني خطة لإعادة هندسة إجراءات التقاضي بصورة شاملة ومتكاملة، وبناء استراتيجية للذكاء الاصطناعي في العمل القضائي، ليصبح مسار إدارة القضايا في المحاكم بالكامل إلكترونيا، بدءًا من قيد الدعوى، وسداد الرسوم، مرورا بإجراء الإعلان، وعقد الجلسات عبر وسائل الاتصال الإلكترونية، وانتهاءً بصدور الأحكام، وتنفيذها، بما يؤدي إلى تبسيط الإجراءات القضائية، ويضمن سرعتها، وفاعليتها، ويقلل من حجم النفقات الحكومية التي ينصب الجزء الأكبر منها لتغطية تكاليف الإعلانات القضائية، فضلا عن إرساء معايير الشفافية والنزاهة في العمل القضائي، ويشمل أبرز معالم هذه الخطة تفعيل الخدمات الإلكترونية للجمهور والخبراء والمحامين بصورة كاملة، وتطوير الأنظمة الإلكترونية لإدارة الجلسات، وتزويد قاعات المحاكم بالوسائل التقنية المتطورة، وتوفير خدمات السداد الإلكتروني، وتبليغ الأحكام وصحف الدعاوى والطعون وغيرها من الأوراق القضائية من خلال الوسائل الإلكترونية، بالإضافة إلى تفعيل الربط الإلكتروني مع الوحدات الحكومية، وتدريب الكوادر الوطنية، والتي تصب جميعها في إطار الرؤية المستقبلية «عُمان 2040».
إنشاء دوائر اقتصادية متخصصة يسهم في توفير بيئة جاذبة ومحفزة للاستثمار، ويساعد على رفعة الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة.

توفير بيئة قضائية آمنة

وأضاف فضيلة السيد خليفة أنه إدراكا لتوجيهات ورؤى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – لتطوير وتحسين الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة، وتماشيا مع خطط الحكومة الرامية إلى تحسين مناخ الاستثمار في السلطنة، وتعزيز ثقة المستثمرين، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الاستثمارات الوطنية، فقد رأى مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ضرورة العمل على توفير بيئة قضائية آمنة وملائمة وذات كفاءة للاستثمار، وفضّ منازعاته، بما يسهم في تحسين الاقتصاد، وتسريع وتيرة التنمية، ويعزز من جودة الحياة في السلطنة؛ باعتبار أنه لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية بدون استثمار، ولا يمكن للاستثمار أن ينمو ويزدهر إلا ضمن فضاء رحب من الثقة، ولا ثقة دون وجود قضاء كفء ومتطور ومتخصص.

ملامح استراتيجية المجلس

وتنطلق ملامح استراتيجية المجلس فيما يتعلق بتعزيز الثقة ببيئة الاستثمار العمانية من واقع المشكلات والتحديات التي واجهها المجلس بشأن المنازعات الناشئة عن تطبيق القوانين ذات الصلة بالشأن الاقتصادي، حيث لوحظ للمجلس أن المنازعات الناشئة عن المعاملات الاقتصادية تتسم بالصعوبة والتعقيد، ويحتاج أمر الفصل فيها إلى درجة عالية من التخصص، ومن هذا المنطلق رأى المجلس ضرورة العمل على إنشاء قضاء متخصص للمنازعات الاقتصادية تتسم إجراءاته بالسرعة والمرونة، ويتولاه قضاة مؤهلون وعلى درجة عالية من التخصص والمعرفة بالقوانين الاقتصادية، مما يسهم في غرس الثقة في نفوس المستثمرين العمانيين والأجانب على حد سواء، وترسيخ الشعور لديهم بأن استثماراتهم التي أودعوها في السلطنة محاطة بسياج قانوني وقضائي متين يضمن المحافظة عليها، ويوفر أقصى درجات الحماية للنشاط الاقتصادي في الدولة.
وأشار فضيلة السيد خليفة إلى أن فكرة إنشاء دوائر اقتصادية متخصصة تأتي استكمالا للخطوات التي بدأها المجلس من خلال وضع قانون تبسيط إجراءات التقاضي في بعض المنازعات، والذي تَضمّن إنشاء دائرة في كل محكمة ابتدائية تختص دون غيرها بنظر بعض المنازعات، ومنها المنازعات التجارية للمشروع الاستثماري الخاضع لقانون استثمار رأس المال الأجنبي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 50/2019، بحيث لا يقتصر الأمر على المنازعات الناشئة عن قانون رأس المال الأجنبي فحسب، وإنما يمتد ليشمل جميع المنازعات الناشئة عن تطبيق بعض القوانين ذات الصلة بالشأن الاقتصادي، على أن تتولاها دوائر تضم في تشكليها قضاة متخصصين.

كفاءات قضائية وكوادر إدارية مؤهلة

وشدد فضيلة السيد خليفة على أهمية التدريب والتأهيل المستمر للقضاة وموظفي المحاكم على اختلاف مستوياتهم الوظيفية، مشيرا إلى أن أحد المحاور التي ترتكز عليها ملامح الخطة الاستراتيجية تتجسد في الاهتمام بالعنصر البشري في المؤسسة القضائية، وتدريبهم وفق أحدث الأساليب والممارسات المتعارف عليها عالميا، مما يسهم في بناء كفاءات قضائية، وكوادر إدارية مؤهلة ومدربة. وتشمل أبرز معالم محور «الكفاءات القضائية» إعداد البرامج والخطط الكفيلة بالارتقاء بمستوى تدريب وتأهيل القضاة، وخاصة الجدد منهم، وتنمية قدراتهم ومهاراتهم القانونية والإدارية والتقنية، وتمكينهم من الاطلاع على أحدث الاتجاهات القانونية والقضائية في الدول المقارنة، وتحديث شروط ومعايير اختيارهم، وترقيتهم، فضلا عن إعداد خطة شاملة ومتكاملة لتدريب الكوادر البشرية بالمحاكم، بغرض رفع مستواهم العلمي والفني، وتحديث أسلوب وطريقة عملهم، وتدريبهم على استخدام التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال المتطورة التي تأتي ضمن محاور استراتيجية المجلس.
ويختتم فضيلة السيد خليفة حديثه بالقول إن مجلس الشؤون الإدارية للقضاء – قضاة وموظفين – على قلب رجل واحد، إيمانا بوطنهم، وإخلاصا لسلطانهم، وتقديرا لقدسية رسالتهم في إقامة العدل بين الناس، ويعاهد القضاة وجميع الموظفين بالمجلس جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – أن يبذلوا – كالعهد بهم – قصارى جهدهم لتحقيق العدالة الناجزة مهما كانت الأمانة ثقيلة والمشقة جسيمة.