مقامات : لقاء ووداع عبر اللغة فقط

د. فاطمة الشيدية

إلى : ز.هـ

عمي صباحا/مساء يا عز يزتي في (الهناك) الأخف الذي لا نعرف. لعلك تعلمين الآن؛ لقد استقبلت خبر رحيلك عبر اللغة البعيدة، عبر هندسة الغياب ولغة الذهاب، لم يكن خبرا، كان غيابا محضا يمثل إعلانا عن حضور، لم أكن أعرفك، وكان ذلك من الممكن جدا، فهناك فرص كثيرة غير الغياب كنت لأعرفك عبرها، فأنا وأنت نتقاسم فضاء واحدا لزمن لا أعرفه، وقد كان يمكن أن تكوني طالبتي نلتقي ونتحدث، وربما أسهمت قليلا في مدح الحياة عبر اللغة التي تمتلكينها بجدارة، وعشت فيها أنا عمرا طويلا؛ لأعطيك أملا صغيرا، وضوءا شاحبا للاستمرار لمدة أطول قليلا من عمرك القصير الذي انتهى الآن، عمر سيتساوى فيه الموت والحياة لاحقا كما نعيش جميعا هنا، ولكن دون القدرة التامة على الانحياز لأيهما، ولذا فنحن ننحاز لما في الحياة غالبا، ننحاز للغة أو للحب، ونجرؤ قليلا على هش الموت بعصا الأمل.
ولكن هذا لم يحدث، ولم يتم اللقاء بيننا إلا ضمن فكرة صادمة، وتلويحة جادة وجارحة، تشبه ما قرأته من كتب وأشعار ورسائل انتصر فيها الموت على الحياة فكان له الخلود فيها، تشبه رحيل سلفيا بلاث، فكأنني كنت أسمعك عبر نصها تقولين: “الحاضر بالنسبة إليّ يعني الأبد، والأبد يجري ويذوي بلا انقطاع. كل لحظة هي حياة، وكل لحظة تمضي هي موت. أشعر بأنّي مسحوقة تحت ثقل الأزمنة، فأنا الحاضر، وأعرف أني زائلة بدوري. هكذا يرحل الإنسان. أما الكتابة، اللحظة الأسمى، فتبقى وتمضي وحيدة على دروب هذا العالم”.
وعبر صوت فرجينيا وولف وهي تقول “سأقذف نفسي أمامك، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم”.
عرفتك إذن عبر ذلك الغياب الأنيق الذي أخذك للبعيد، وكأنك في ارتقاء الرفض، وشهقة الحرية المطلقة تصاعدين للأعلى خفيفة عذبة بهية بوردة على الشعر الفاحم، وانثيال في موسيقا الغياب، كشلال عذوبة دافئ وحزين.
عرفتك عبر غياب حميم أكثر من الحياة، وجارح كأكثر الموت.
عرفتك كأنك أنا قديمة في الزمن، حزينة يائسة، ببدء محاولات الكتابة والانتحار معا، بالاغتراب الذي يسحق روحي تحت عجلاته حد التلاشي واللاجدوى، بالأسئلة الكبرى، والنقمة الناقمة، والزهد الكبير في الآخر، وفي تكويناته الاجتماعية الفارغة، في الصرخات تلو الصرخات واللعنة التي تصادر كل شيء خرجت منه، وتمحق كل شيء حولها لا تنتمي إليه، كل شيء يتمحور حول قوة زائفة وكذب أنيق وزركشات تافهة، وأيقونات يحيا ضمنها العالم في فراغ ونفاق يصّاعد حتى الغثيان، وبهرجة تفتعل ضجيج الأواني الفارغة في حين يستوى العدم في الروح ويقبض عليها، ويصّاعد اللاجدوى كحمى تحرّق كل شيء من الوجدان حتى الجسد.
آه يا صغيرتي لو أنني كنت أقرب قليلا إليك في الحياة وأبعد كثيرا في الموت عنك، لو أنني كنت يدا امتدت لروحك ذات يوم؛ أمك، أستاذتك القريبة، صديقتك الكبيرة لحاولت أن أذود عن حياتك بحياتي، وأن أخفف عبء الحياة وثقلها الراسخ بسخرية من الموت والحياة معا، بقهقهة ننسكب فيها ونسكب الدموع ونشربها معا، لأخبرتك أنك لست وحدك في وهج العدم، وارتباكة اللاجدوى، وقلق الوجود، وأننا كلنا أنت، بحزننا القاتل، وغربتنا في الغابة، ووهج الشك، وصدود الحقيقة، وبكل ما أخذك للغياب هناك.
والأكثر جرحا، والأبلغ وجعا واغترابا نحن نساء الجحيم بسلطته الفوقية، نحن التفاحات الآثمات سلفا، المنذورات للخطيئة والمكبلات بالقيد، نحن نسوة النارين، الدنيا والآخرة، نحن بنات العبودية والرفض، فإذا ما امتلكنا حزنا كحزنك، وجرحا كوعيك، وقلقا يساوي الحياة بالموت، فكل شيء يجعل الطريق للغياب أسهل الطرق وأيسرها وأقلها فداحة، وربما أعذبها وأشهاها وأكثرها لذة وإغراء.
يصبح كل شيء هنا يدفع لذات مصيرك، حيث الغياب الأنيق الذي اخترت، ولكننا أجبن منك، أقل شجاعة وأكثر بؤسا، لذا اخترنا الحياة وعشناها كفعل مقاومة، وما زلنا نربّت على كتف العدم ونغني للسراب؛ لنحيا ليوم آخر فقط عبر معجزات صغيرة، أو أسباب نغزلها بتأنٍ وصبر.
نعم يا صغيرتي لقد قررت أنت الغياب بشجاعة، وقررنا نحن بجبن الاستمرار هنا حيث السلام الناقص، والخير الناقص، والجمال الناقص. حيث نصف الحياة، وأنصاف البشر. وحيث الخير هو وجه للشر، وحيث الصوت هو روح الصمت.
آه يا صغيرتي، لو أن الحياة منحت ضحكتك الصغيرة إطارا شاحبا للفرح، وقلبا متكأ للأمان، لربما كنت قادرة على موازنة الأمر بيديك الطريتين وقلبك الطيب، بالذهاب نحو قلوب أكثر رأفة، وربما استطعت أن تزيحي روحك المتشظية عن الأظافر الجارحة قليلا، وتبعدي ملحهم عن جرحك المفتوح، وأصابعهم الطويلة عن شوكتك الأزلية لمسافة آمنة، وربما تعلمت مثلنا جميعا كيف تجعلينهم يجلسون فقط إلى قشرتك، ويستمعون إلى رنين صوتك الخارجي، ويشربون معك القهوة بلا ملح الدمع، ويأكلون معك الطعام بلا حشرجة الروح، ويتناقشون معك في كل شيء إلا في لون الصمت وبحة الموت، وغصة الفقد وحنين يشطرك بين الفينة والفينة، وحلكة تغمرك وتشظى جسدك ألف شظية كما نفعل نحن أبناء العدم.
كنت لربما ستركضين كل يوم بضع كيلومترات كي لا يقرؤون تغضنات وجهك كلما تورم داخلك. وتضعين يدك على فمك حين تضحكين كي لا يسمعون شهقات الضحكة المتقطعة كالغرغرة، وهم يهدهدون أرقك بكلامهم التافه، وستدركين بعد زمن من المحاولات المرهقة أنه لا أحد يمكنه أن يقبض على تلك الموجات الحارقة في رأسك الثقيل، ولا أحد يمكنه أن يمتص لهاث الموت في رئتيك، وأنك لا تحتاجين إلا لذلك ومع ذلك ستستمرين في الركض والغناء وربما الكتابة والحلم بغد أجمل. وستدركين آجلا أن الجميع يضعون أحلامهم وأوهامهم تحت المخدة كل ليلة ثم يوقظونها معهم كل صباح، وتضعها النساء في مقابل المرايا لتتبرج معها، ثم تأخذها للعمل وللنزهات الجانبية، كما يفعل الرجال، ولكنهم جميعا حذرون من أن ينظروا في أعين بعضهم بعضا طويلا؛ كي لا تستيقظ أحزانهم فجأة فتلتهم كل ذلك السلام المفتعل، وكل تلك الأوهام الزائفة التي تكشف أن الصرة فارغة كالضمائر والقلوب.
لا عليك الآن فقد وصلت إلى هناك حيث السلام والصمت والدفء، حيث لا غدر ولا خيانات ولا هجر ولا نفاق، حيث لا ضجيج ولا كذب. وآن لك أن تنعمي بالسلام بعد رحلتك المرهقة باكتئاباتك الطويلة وأحلامك المنطفئة وخساراتك الصغيرة بذيولها الطويلة.
فعمي حياة أخرى يا صغيرتي هناك أكثر جمالا وسلاما من هنا، وانتظرينا، وأشعلي شمعة لأرواحنا الطيبة كي تنعم بالسلام هنا مع كل هذه الحروب والحروق والأوجاع والخسارات المتجددة.