عن القراءة والكتابة والتعاطف الراديكالي

في حوار معه بوصفه أحد أكثر الكتّاب مبيعًا باراك أوباما:-

حوار: ميتشيكو كاكوتاني –
ترجمة: أحمد شافعي –

تختلف سيرة باراك أوباما الصادرة حديثًا بعنوان «أرض موعودة» عن أي سيرة ذاتية لرئيس من قبل، وربما من بعد. صحيح أنها تقدم سردًا تاريخيًا للفترة التي قضاها في الحكم وتسهب في تفسير الأهداف السياسية لإدارته، من الرعاية الصحية إلى التعافي الاقتصادي إلى التغير المناخي، لكن الكتاب الضخم يمثل أيضًا صورةً ذاتيةً استبطانيةً مرسومةً بنفس النثر الطلق السلس الذي جعل من كتابه الصادر سنة 1995 بعنوان «أحلام من أبي» تلك السيرة العائلية الآسرة. ومثلما جعل الكتاب الأول من قصة نشأة مؤلفه تأملًا مسهبًا في العرق والهوية، فإن كتاب «أرض موعودة» يستعمل رحلة المؤلف الخيالية ـ من غريب عن البيت الأبيض حتى قضائه سنتين فيه ـ باعتباره منشورًا يستكشف من خلاله بعض ديناميات التغيير والتجديد التي حركت قرنين ونصف القرن من التاريخ الأمريكي. والكتاب شهادة على قدرات الرئيس أوباما الحكائية وعلى إيمانه بأن «الحكي والأدب» ـ في أزمنة الانقسام التي نحياها ـ «أهم من ذي قبل» لأننا «بحاجة إلى أن يفسر أحدنا للآخر من نحن وإلى أين نحن ذاهبون».
في محادثة هاتفية أجريت الأسبوع الماضي (وكانت بمثابة التتمة لحوار أجريته معه خلال الأسبوع الأخير له في البيت الأبيض في يناير 2017) تكلم أوباما عن تجربته في تأليف كتابه الجديد والدور التأسيسي الذي لعبته القراءة منذ سنوات مراهقته في صوغ تفكيره ورؤاه في السياسة والتاريخ وفي كتابته نفسها. تكلم عن الكتَّاب الذين يحبهم وتعلم منهم، وعملية العثور على صوته ككاتب، والدور الذي يمكن أن يلعبه القص كوسيلة تعاطف راديكالي تذكر الناس بما هو مشترك بينهم، من أحلام وإحباطات وخسائر في الحياة اليومية، وكل تلك المشتركات القائمة من وراء الانقسامات السياسية.

يتكلم أوباما ببطء وتدبُّر ولكن بالأريحية الحوارية التي تميز كتبه، متنقلًا ببساطة بين الذاتي والسياسي، والحكائي والفلسفي. سواء أهو يتكلم عن الأدب، أم الأحداث السياسية الأخيرة أو السياسات التي عملت بها إدارته، تأتي أقواله ـ شأن نثره ـ نتاجًا لقدرة على الربط بين الاجتماعي والثقافي والتاريخي، وموهبة منح الأفكار المعقدة سياقًا ووضوحًا، وهي الموهبة التي شحذتها سنوات العمل كمنظم اجتماعي وأستاذ للقانون الدستوري.
عند الحديث عن الكتَّاب المفضلين لديه يبرز أوباما أنهم يشتركون في سمات محددة: «سواء أهو ويتمان أم إيمرسن أم إليسن أم كيرواك، ثمة ذلك الإحساس الواحد باختراع الذات والقبول بالتناقض. أعتقد أن ذلك جزء من حمضنا النووي، منذ البداية؛ لأننا آتون من كل مكان، وبداخلنا التعدد. وكان ذلك دائمًا ولم يزل هو وعد أمريكا، وهو أيضًا ما يجعل أمريكا في بعض الأحيان مثيرة للنزاع».
أفكار أوباما في الأدب والسياسة والتاريخ تضرب بجذورها في قراءات موسعة بدأها شابًا. ففي مراهقته في هاواي، قرأ الكتاب الأمريكيين الأفارقة من أمثال جيمس بولدوين ورالف إليسن ومالكوم إكس ولانجستن هيوز وريتشارد رايت ودورا نيل هيرستن ودوبوا في محاولة «تنشئة نفسي على أن أكون رجلا أسود في أمريكا». وعندما أصبح طالبًا في جامعة كولمبيا في مطلع الثمانينيات، بذل جهدًا مرتبًا للتخلص من بعض العادات العابرة في شبابه ـ الرياضات والحفلات والتسكع ـ في محاولة منه لأن يكون «شخصًا أكثر جدية».
يضع «شخصًا أكثر جدية» بين قوسين، ويفسر قائلا: «لأنني كنت في غاية الضيق بهذه العملية كلها، وتحولت بصورة واضحة إلى شخص منعزل طوال بضع سنين، فلم أكن أزيد عن حضور المحاضرات، والتجول في المدينة، وحيدًا في الأغلب، قارئًا، كاتبًا في يومياتي، محاولًا أن أتبين ما الذي أومن به، وكيف ينبغي لي أن أفكر في حياتي».
يقول أوباما إنه «في ذلك الوقت كان أقرب كثيرًا إلى الملتزم بقائمة. كنت أسمع بكتاب، ثم أقرأ ذلك الكتاب، فإن أشار إلى كتاب آخر، أتعقب ذلك الآخر حتى أجده» وفي بعض الأحيان «كنت أكتفي بما في سلال الكتب المستعملة فقد كنت أعيش بميزانية محدودة للغاية». قرأ كل شيء من كلاسيكيات همنجواي ودوستويفسكي وسرفانتس إلى روايات مثل: «تحت البركان» لمالكوم لاوري و «الدفتر الذهبي» لدوريس ليسنج وأعمال روبرت ستون. قرأ في الفلسفة والشعر والتاريخ والسير والتراجم وكتبا من قبيل «حقيقة غاندي» لإريك إركسن.
ولم يكتف بقراءة الكتب بنهم، بل كان ينهل ما فيها من أفكار ويعيد تركيبها، مستوعبا ما يتماس منها مع الشخصي من تجاربه وقيمه. يتذكر أوباما أن «كل شيء» في تلك السنوات «كان مفعمًا بثقل وجودي» فلم يعرف كيف يستعيد روح الدعابة بحق إلا بعد أن انتقل إلى شيكاغو ليبدأ العمل منظمًا اجتماعيًا.
«خرجت من نفسي، أليس كذلك؟ كما تعلمين، الانغماس في الذات لدى الشباب الذين يغالون في أخذ أنفسهم على محمل الجد، ممن لديهم الرفاهية ـ نظرًا لغياب المسؤوليات ـ رفاهية التساؤل عمن يكونون وعما إذا كان ينبغي أن يأكلوا هذا الخوخ؟ وفجأة، إذا بي في حي يحاول الناس فيه أن يدفعوا الفواتير ويضمنوا سلامة أبنائهم ويطمئنوا إلى أن أحياءهم لن تتهاوى ولن يتم تسريحهم من أعمالهم فيصبحون في العراء. كانت وظيفتي هي أن أقدم المساعدة، وذكرني الناس الذين أعمل معهم، وكلهم كانوا في عمر أمي أو أكبر، بما لديهم من حكمة وقوة، وجلد وحس سليم، ذكروني بأن العمل لا يتعلق بي».
وهو في شيكاغو، بدأ أوباما يكتب قصصا قصيرة ـ حكايات أسى تأملية مستلهمة من بعض من كان يقابلهم خلال عمله كمنظم اجتماعي. تلك القصص واليوميات التي كان يداوم عليها هي التي ستغذي الملكات الأدبية التي أنتجت «أرض موعودة»، ملكات من قبيل الإحساس بالمكان والمزاج والجهود المبذولة للتقييم الذاتي (كشأنه حين يتساءل إن كان قراره بالترشح للرئاسة قد نبع جزئيا من حاجة «إلى إثبات قيمتي أمام أب هجرني وتحقيق أحلام أمي التي طاولت النجوم») ونزوع إلى خلق صور ديكنزية قائمة على ملاحظات حادة للمستشارين والساسة والرؤساء الأجانب. فهو يصف فلاديمير بوتين ـ رئيس الوزراء الروسي آنذاك ـ بالزعيم الذي يظهر صوته «تمرسًا على اللامبالاة» ويكشف عن «شخص اعتاد أن يحيطه التابعون والمرؤوسون» كما يكشف في الآن نفسه عن شخص ينظم لحظات التصوير بـ«تدقيق مراهق في صوره لانستجرام».
قراءات أوباما وهو في العشرينيات والثلاثينيات اجتمعت مع حبه لشكسبير والإنجيل ودراسته الحماسية للينكولن ومارتن لوثر كينج الابن ورينهولد نيبور لتصوغ رؤيته العامة للتاريخ، ورؤيته لأمريكا بوصفها بلدًا في حالة تحول دائم، على حد تعبير المناهض للاستعباد في القرن التاسع عشر تيودور باركر الذي طالما استشهد كينج بقوله: إن «منحنى الكون الأخلاقي طويل لكنه يميل باتجاه العدالة». بالنظر إلى التاريخ ـ وخطيئة العبودية الكبرى وتداعياتها المستمرة ـ مع المناداة في الوقت نفسه بالاستمرار في الجهود من أجل تقريب البلد من أرض موعودة، وضع كينج وجون لويس الكفاح من أجل الحقوق المدنية في تسلسل تاريخي، مع استدعاء للرحلة الكبرى الواردة في الإنجيل من المعاناة إلى المنفى إلى الخلاص.
من دراساته لهؤلاء المفكرين والناشطين، تعلم أوباما ما أطلق عليه الدرس «النيبوهرياني» ومفاده أننا قادرون على امتلاك «رؤية واضحة للعالم وواقع القسوة والخطيئة والجشع والعنف، ونبقى برغم ذلك متحلين بإحساس بالأمل والقدرة، كفعل إرادة ووثبة إيمانية». وهذه قناعة راسخة عميقة تحيي أقوى خطب أوباما الرئاسية، مثل خطبته التذكارية في الذكرى الخمسين لمسيرة سلمى وخطبة «الجمال المدهش» التي ألقاها في سنة 2015 غداة مذبحة كنيسة الأم إيمانويل الأسقفية الميثودية الأفريقية في تشارلستن بولاية كارولينا الجنوبية. وتلك العزيمة على إيجاد «الأمل في مواجهة الشك» تعزز أيضًا من تفاؤله اليوم مؤيدا بجيل جديد من الشباب الذين تظاهروا بقوة خلال احتجاجات جورج فلويد في الصيف الماضي.
يتضافر الشخصي والسياسي تضافرًا حميميًا في الأدب الأمريكي الأفريقي ـ من حكايات العبيد الأولى إلى سير فردريك دوجلاس ومالكوم إكس ـ وبينما كان أوباما يقيم في شبابه الأعمدة الفلسفية لمعتقداته، كان يكتب أيضًا الكثير في يومياته، محددًا ومرتبًا التقاطعات بين العرق والطبق والأسرة في حياته الشخصية.
إيمانه باستثمار الأمريكيين في أحلام مشتركة وقدرتهم على تجاوز اختلافاتهم ـ وهي القناعة التي سوف تتضح لاحقا في خطبته الأساسية في المؤتمر الديمقراطي سنة 2004 التي قدمته إلى الأمة بعامة ـ لا تتردد فيها فقط أصداء نهاية «الرجل الخفي» لرالف إليسن (حيث يخلص الراوي إلى أن «أمريكا منسوجة من خيوط عديدة» وأن «قدرنا هو أن نكون واحدا، ونبقى كثيرين»)، لكنها أيضًا جزء جوهري من تاريخه العائلي حيث ولدت أمه في كنساس ونشأ والده في كينيا.
يقول أوباما إنه اكتشف في المدرسة الثانوية ـ هو و«زمرة هائمة من الأصدقاء» ـ الذين كان الكثير منهم يشعرون أنهم غرباء ـ أن «القص وسيلة لنا إلى لون من فهم النفس والعالم المحيط بنا، والمكان الذي ننتمي إليه وكيفية اندماجنا فيه أو عدم اندماجنا». فيما بعد، في ثنايا محاولته تدوين قصصه على الورق والعثور على صوت مقارب للحوار الداخلي الجاري في رأسه، درس أوباما الكتّاب الذين كان معجبًا بهم. يقول: «شأني شأن أي شخص، عندما أفكر في الطريقة التي تعلمت بها الكتابة، ومن الذين حاكيتهم، فإن الصوت الذي يخطر ببالي دائمًا هو جيمس بولدوين. لم تكن لديّ موهبته، ولكنه الصدق الحارق والكرم الروحي، وذلك الحس المفارق الناجم عن قدرته على النظر إلى الأمور نظرًا محايدًا والتحلي مع ذلك بمحبة حتى للذين يزدريهم ازدراءً واضحًا أو لا يثق فيهم أو يغضب منهم. لقد كان لكتبه أثر عظيم عليّ».
تعلم أوباما أيضًا من كتّاب يختلف مع رؤاهم السياسية مثل «في إس نايبول». فبرغم إحباطه من «دفاع – نايبول» المقيت عن الكولونيالية»، فإن الرئيس السابق يقول إنه افتتن بطريقة نايبول في إقامة الحجج و«بلمسات قليلة، يرسم صورة شخص ويتناول قصة فردية أو غلطة أو حدثا فيربطه بثيمات أكبر وأكبر في التيارات التاريخية».
يضيف أوباما: إن «هناك من ثم كتابات لأشخاص يكاد المرء يستنسخها، يسرقها، يلصقها، وبمرور الوقت يتوافر له من الممارسة ما يكفي ليثق بصوته الخاص».
رصد الباحث فريد كابلان مؤلف «لينكولن: سيرة كاتب» توازيات بين أبراهام لينكولن وأوباما، ملفتًا إلى أنهما يشتركان في التمكن من اللغة وفي
«مزاج رئاسي من الطبقة الأولى» ـ قوامه التشكك والمرونة والإقبال على الإنصات لمختلف الآراء.
صوت أوباما سواء على المستوى الشخصي أو على الصفحة، شأن صوت لينكولن، فيه مرونة، ومراوحة بين العامية والجزالة، والطرافة والتأمل، والاستيعاب للحجج الشائعة والتأملات المؤسية (فشلالات نياجرا جعلت لينكولن يفكر في عرضية الحياة وزوالها، وأهرام مصر تجعل أوباما يفكر أن الزمن في نهاية المطاف يحيل كل مساعي البشر إلى هباء).
صاغ الرئيسان ـ وكلاهما دارس للمحاماة بحساسية شعرية ـ هويتيهما وعمليهما بما يسميه كابلان «بوتقة اللغة». يتذكر أوباما في نشأته أن «الغرابة الشديدة» لتراثه والعوالم التي خاض فيها كان يمكن أن تشعره بأنه «كائن خيالي» لا يعرف إلى أين ينتمي. لكن عملية الكتابة ساعدته ـ حسبما يقول ـ على «دمج كل تلك القطع من الذات في كل واحد نسبيا» وأعطته في نهاية المطاف «إحساسًا جيدًا» بمن يكون، ووعيًا بالذات تجلى في مسحة من الهدوء والثبات، ويمكنه في النهاية من الخروج من تحت سندان البيت الأبيض وهو لم يزل الكاتب الدقيق المنتقد لذاته الذي كان إياه حينما كتب «أحلام من أبي» في بداية الثلاثينيات من عمره.
برغم أن أوباما يقول إنه لم يكن لديه الوقت كرئيس للمواظبة على كتابة يومياته، لكنه كان يدون سردًا مباشرًا للحظات المهمة. كتلك المرة في قمة المناخ في كوبنهاجن حينما اقتحم هو ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون اجتماعا لرؤساء الصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا؛ لأنهم «كانوا يجتنبونني ويجتنبون صفقة كنا نحاول التوسط فيها وستصبح في النهاية بعد سنين كثيرة اتفاقية باريس». بعد الاجتماع، كتب ما قيل وكيف كان الإحساس، كان يعرف أنها قصة جيدة.
في حين أن الرئيس أوباما كان ليحتاج قبل عشرين سنة إلى جيش من الباحثين لمعاونته على كتابة سيرته الرئاسية، فإن الإنترنت الآن مكنته من أن يكتب كلمة «أوباما» ثم يحدد تاريخًا أو موضوعًا فيجد بين يديه في لحظة كل مقال معاصر للحدث ـ أو يجد خطبه نفسها، أو جدول مواعيده. بقيت عملية الكتابة نفسها مؤلمة تستوجب منه أن يعمل عليها بجد ويكدح فيها.
«هذا بالفعل عمل مهم حاولت أن أتركه لبنتي ولأي أحد يسألني عن الكتابة. عليك فقط أن تبدأ. أن تدون شيئا على الورق. لأنه ما من شيء أبعث للخوف من الصفحة الخاوية».
كتب أوباما «أرض موعودة» ـ وهو الجزء الأول من جزأين عن رئاسته ـ بمثل ما عمل على خطبه أو مؤلفاته الأولى؛ لأنه يعتقد أن الكمبيوتر قد يضفي على «الأفكار ناقصة الاستواء قناع الترتيب»، فهو يكتب بالقلم المسودات الأولى على كراسات صفراء، ثم تكون طباعتها بعد ذلك على الكمبيوتر بمثابة التحرير الأول لها. يقول إنه شديد الاعتناء باختيار أقلامه، فيستعمل دائمًا أقلام يونيبول فيجن إيليت سوداء ذات كريات ويضيف أنه يكتب أفضل ما يكتب بين العاشرة صباحًا والثانية ظهرًا «إذ أجد أن العالم يضيق، فيكون ذلك ملائمًا لخيالي. يبدو وكأن ثمة ظلمة محيطة وثمة شعاعًا استعاريًا من النور يشرق على المكتب، على الصفحة».
فيما كان يكتب «أرض موعودة»، لم يقرأ أوباما الكثير من الكتب ربما لأنه كان «مشغولًا بالعثور على مبررات للتراخي» وربما لأنه يجد نفسه مأخوذا بالكتب التي تستهويه ويستطيع أن يسمع أصوات أولئك الكتاب في رأسه. لكنه حينما انتهى من كتابة «أرض موعودة» وجد نفسه متلهفا على الانكباب على رواية صديقته مارلين روبنسن الصادرة حديثًا بعنوان «جاك»، وهي الأخيرة في سلسلة جلعاد، وكتاب «مراثي الوطن» لأياد أختار الذي يصفه بـ«البحث القوي الدقيق للسياسات والمواقف الأمريكية المعاصرة».
ما الأدب الذي يوصي بقراءته شخصًا وفد للتو على أمريكا ويريد أن يفهم هذا البلد المعقد، المحير في بعض الأحيان؟
أول ما يخطر له أن يقترحه هو شعر ويتمان، و«جاتسبي العظيم» لفيتزجيرالد و«الرجل الخفي» لإليسن، و«عناقيد الغضب» لشتاينبك و«نشيد الأنشاد» لموريسن، و«أي شيء تقريبًا لهمنجواي أو فوكنر» وفيليب روث الذين تقبض رواياتهم على «إحساس التوتر المحيط بالجماعات العرقية الساعية إلى الاندماج، ومعنى أن يكون المرء أمريكيًا، ومعنى كونه بالخارج ناظرًا إلى الداخل».
أما عن الأعمال غير القصصية، فسير فردريك دوجلاس ومالكوم إكس، و«والدن» لثورو، و«الاعتماد على النفس» لإمرسن. خطاب افتتاح لينكولن ولايته الثانية، و«رسالة من سجن برمنجهم» لكينج و«الديمقراطية في أمريكا» لألكسيس دي توكفيل التي تجعلنا نتذكر على حد قول أوباما «أن أمريكا في الحقيقة انقطاع عن العالم القديم. وذلك شيء يعتبره البعض من البديهيات والبعض ما عادوا يرونه، وذلك جزئيًا لأن كثيرا من الثقافة الحديثة لا يجسد من أمريكا إلا عناصر معينة دون البقية».
لقد أوضحت السنوات العديدة الماضية حسبما يقول أوباما أن «اللاصق المعياري الذي يربطنا ببعضنا بعضًا ـ أي الكثير من التوقعات والقيم المشتركة، قد ضعف، وتهرأ على النحو الذي توقعه توكفيل وأن «التفكك والوحدة وفقدان الإحساس بالمجتمع» أضعفت بلدنا الديمقراطي.
«ليس على المرء أن يلتصق بالنشرات الإخبارية ليشعر في بعض الأحيان أننا أشبه بالمحبوسين في برج بابل غير قادرين على الاستماع إلى جيراننا». لكن «لو أن الأدب والفن قادران على تذكيرنا بحماقتنا وافتراضاتنا وأنانيتنا وقصر نظرنا، فإن بوسع الكتب والقصص أيضًا أن تذكرنا بما نتقاسمه من مباهج وأمل وجمال».
«أعتقد سواء كنا نتكلم عن الفن أم السياسة أم مجرد الاستيقاظ في الصباح ومحاولة عيش حياتنا، فمن المفيد أن نقدر على السعي إلى تلك البهجة أينما أمكننا العثور عليها والعمل بناء على قاعدة من الأمل لا اليأس. إن لدينا جميعًا طرقًا مختلفة للتأقلم، لكن أعتقد أن إحساس التفاؤل الذي اعتمدت عليه هو بصفة عامة نتيجة تقدير للآخرين، وأولهم ابنتاي وأسرتي وأصدقائي. وكذلك أصوات أسمعها عبر الكتب وأسمعها عبر الأغنيات وتنبئني بأنني لست وحيدًا».
* نشر الحوار في نيويورك تايمز في 8 ديسمبر الجاري