الاعتمادات المستندية والاحتيال في التجارة الدولية

د.عبد القادر ورسمه للاستشارات

Email: AWARSAMA@WARSAMALC.COM

العديد من رجال الأعمال وشركات التصدير والاستيراد لديهم شكاوى بسبب تعرضهم لعدم وفاء بعض الشركات بالتزاماتهم في عقود الاستيراد والتصدير. وتضمنت الشكاوى، قيامهم بتحويل مبلغ من قيمة الصفقة ثم يتلقون رسائل إلكترونية تطلب تحويل باقي المبلغ إلى حساب بنكي آخر وبعد التحويل تصلهم إفادة إلكترونية تفيد بتعرض الشركة المصدرة إلى احتيال عن طريق تهكير البريد الإلكتروني والاستيلاء على حقوقها المالية. ويقول رجال الأعمال والشركات أنهم أصبحوا مصيدة لعمليات احتيال ونصب ممنهج من شركات إجرام عالمية. ومن واقع تجربتنا في هذا المجال، فإن هذا يحدث وسيستمر في الحدوث لأن الجريمة باقية مع بقاء البشرية. والمجرمون وفقا لعلوم الإجرام يتلونون كالحرباء للتمويه ولإيقاع ضحاياهم في شبكة النصب والاحتيال. وكذلك، فإن الحاجة للتجارة العالمية وتبادل البضائع والمنتجات ستبقى وتستمر لأننا في حاجة لها خاصة مع تجذر العولمة التي جعلت كل العالم قرية واحدة تتداخل في بعضها البعض.
هذا الوضع، يجعل التبادل والحراك التجاري العالمي أمرا واقعا وضرورة قصوى لأن العالم يكمل بعضه البعض. وهذا الاحتيال والإجرام والنصب الذي يتم في مسار التجارة الدولية، يجب مواجهته والتصدي له عبر كل الوسائل وشتى الطرق. وفي اعتقادنا الراسخ، أن أفضل الممارسات والطرق للاستيراد الآمن الذي يحمي حقوق المتعاملين، ويضمن للمشتري تسلم البضاعة وللبائع تسلم القيمة، يتمثل في اللجوء إلى البنوك التي تقدم خدمة “الاعتمادات المستندية” لتمويل التجارة الدولية مع ومن كل أرجاء المعمورة. وهذه الخدمة المصرفية تعتبر من أهم أعمال البنوك وأثبتت نجاحها منذ فترة طويلة ترسخت فيها هذه الممارسة السليمة وأصبحت من الأعمال الدولية المصرفية، ومن عوامل نجاح تجارة السلع والبضائع في كل دول العالم.
آن خدمة الاعتمادات المستندية، تتم عبر لوائح وقواعد “موحدة” تصدرها غرفة التجارة الدولية بباريس. حيث توجد لجنة فنية دائمة تتكون من المصرفيين والمهنيين والقانونيين، وهذه اللجنة تجتمع بصورة دورية لمناقشة اللوائح والقواعد ووضعها وإصدارها للتنفيذ في كل بنوك العالم. أتشرف، بأني أحد الأعضاء القانونيين في هذه اللجنة الفنية لغرفة التجارة الدولية بباريس منذ عدة سنوات وأشارك في أعمالها بصورة منتظمة. وتقوم اللجنة بدراسة كل الأمور والمعضلات والمستجدات المتعلقة بالاعتمادات المستندية بغرض الفحص والتغيير والتعديل والتطوير، خاصة وأن التجارة الدولية ليست جامدة بل في حالة “هيجان” وتلاطم وشد وجذب وارتفاع وانخفاض، وكل هذا يتطلب المسايرة والمتابعة والتفاعل والتفاهم حتى تسير الأمور وفق وتيرة واحدة “موحدة” تراعي مصالح جميع الأطراف وبما يضمن تدفق التجارة الدولية وانسيابها لفائدة الجميع.
وبصفة عامة، فان القواعد الموحدة للاعتمادات المستندية، تهدف للمواءمة بين متطلبات التصدير والاستيراد عبر القارات، وتقديم الخدمة لعدة طلبات متنوعة تشمل تعدد حالات البيع والشراء، خدمة التأمين، الكشف على البضاعة للتأكد من سلامتها وموافقتها لطلب فتح الاعتماد، شهادة المنشأ والشهادات الفنية والتخصصية، وغير ذلك من الضمانات المطلوبة التي تمنح الأمان لكل الأطراف بما في ذلك البنك الذي يموِل المشتري بدفع القيمة ثم يضيفها إلى حسابه المدين بضمانة وفاء قوية، أو يحجز المستندات حتى يقوم المشتري بسداد القيمة أو توقيع ضمانات للبنك للوفاء بها. وهذه الممارسات المصرفية تتم بصفة “موحدة” في كل العالم، التزاما وتماشيا مع القواعد الموحدة للاعتمادات المستندية. وهذا عمل متواصل وجهد جهيد تشكر عليه غرفة التجارة الدولية بباريس، ونقول، ليس في الإمكان أحسن مما كان.
كما ذكرنا أعلاه، أصبحت التجارة الدولية مسرحا للكثير من الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية. وهذا الوضع، يحتم على الجميع الحرص في التعامل وتفادي الوقوع ضحية للمحتالين وغيرهم من سيّئي النية الذين يبحثون عن صفقة عابرة أو خطفة سريعة يختفون وراءها ثم يعودون مجددا للبحث عن ضحية أو ضحايا جدد. وعلى الجميع، وقد تكون أنت منهم، عدم التعامل المباشر في أمور التجارة الدولية خاصة وأنك لا تعرف من يقف في الجهة الأخرى ولا تعرف سلوكياته ومنهجه في الحياة وهل هو حسن النية أو العكس. ومن يتعامل مباشرة، يفتح الباب وقد يقع فريسة للاحتيال والنهب ويكتشف هذا لاحقا حيث لا ينفع الندم.
المجرمون من أذكى البشر، سبحان الله، خاصة من ذوي الياقات البيضاء الذين يقومون بهذه النوعية من الجرائم المباشرة أو الجرائم السبرانية. وعلينا الحرص من هؤلاء الغرباء المتربصين وتجنب المحاذير واتخاذها قدر الإمكان. وهنا، ننصح الجميع بعدم التعامل المباشر في شتى أمور التجارة الدولية والتجارة عن بعد من مجلس العقد. وعليه نقول: إن من أفضل السبل في مثل هذه الحالات اللجوء للبنوك وهي على استعداد دائم لتقديم خدمة تمويل التجارة الدولية عبر القواعد الموحدة للاعتمادات المستندية. وعبر هذه الوسيلة المصرفية الآمنة، تقفل الباب أمام شبكات الإجرام والاحتيال نظرا للضمانات التي توفرها هذه الخدمة المصرفية المتطورة والتعامل عبر سلسلة البنوك المنهجية. ولنصل لقمة النجاح، على البنوك تفهم وضع كل زبون وتوضيح كل النقاط الضرورية المرتبطة بالاعتمادات المستندية خاصة مبدأ التعامل بالمستندات فقط ومفهوم قاعدة “الأتونومي”، وعبر هذه التوضيحات والفهم على كل طرف القيام بواجباته حتى تمام اكتمال العملية بنجاح، ومن هذا الجميع “كسبان”.