هوامش ..ومتون: لغة بلا طفولة .. ولا تشيخ!

عبدالرزّاق الربيعي

كلّما يقترب يوم الثامن عشر من ديسمبر من كلّ عام، تنشط وسائل الإعلام منبّهة المعنيين أن العالم يستعدّ للاحتفال بيوم اللغة العربيّة، الذي قرّرته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة عندما اعتمدت العربية لغة رسميّة سادسة في المنظّمة عام 1973، وهو العام نفسه الذي كنّا نردّد في طابور المدرسة الصباحي قصيدة مدرجة ضمن المنهج الدراسيّ المقرّر، كما في الكثير من الدول العربيّة، عنوانها العريض ” اللغة العربية تندب حظّها بين أهلها” أو”تعاتب أبناءها”، وهي للشاعر حافظ إبراهيم (1872- 1932)، مكتوبة عام1903 م، وكما هو واضح من العنوان، فالقصيدة تتحدّث على لسان اللغة العربية:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
في ذلك العمر المبكّر، كنّا ندرك وجود مشكلة، تعاني منها لغة الضاد، كما سمّيت لتفرّدها بحرف الضاد، وهو مصطلح قديم يرى بعض العلماء أنه يعود للفراهيدي أو سيبويه لتمييز العربية عن بقية اللغات، تلك المشكلة أوضحها نصّ شاعر النيل الذي يفيض مرارة، وبه تدافع اللغة العربية عن نفسها، وتتهم أبناءها بالعقوق، وتردّ على من يتّهمها بالعقم، والجمود، والتخلف، ولأن المشكلة معقّدة، لذا احتاج حلّها قرارا على مستوى رفيع، وجرى هذا بالفعل في بلد كالعراق في عام1977 سنّ قانون حمل عنوان( قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية) ألزم الوزارات، والجمعيات، والشركات العامة، بالمحافظة على سلامة اللغة العربية، واعتمادها في وثائقها، ومعاملاتها، وجاء في المادة الثانية من القانون ” على المؤسسات التعليمية في مراحل الدراسة كافة اعتماد اللغة العربية لغة للتعليم، وعليها أن تحرص على سلامتها لفظا، وكتابة، وتنشئة الطلاب على حسن التعبير، والتفكير بها، وإدراك مزاياها، والاعتزاز بها”، ويومها منعت المطبوعات المكتوبة باللهجة المحلية الدارجة من النشر، ومن بينها الشعر الشعبي الذي يجد له قاعدة جماهيرية واسعة كون أن من بين أسبابها انتشار العامية، فمجال العربية محصور في الكتب، أما الكلام، ففي اللهجة العامية ولكلّ بلد من البلدان العربية لهجاته التي كان من نتائجها حصول”بلبلة في الألسن”، ورغم أن اللهجات ثقافات، وتعددية، ولكنها سحبت من رصيد اللغة العربية الكثير، فنشأ جيل يكتب بلغة، ويتحدث بأخرى، ولا ننكر أن القانون حقّق نجاحات، لكنها لم تستمر طويلا، فـ”الخرق واسع، والرقعة صغيرة”! ومع ذلك حال اللغة العربية في المشرق العربي، أفضل من مغربه، فحين زرت دولة عربية في المغرب العربي فوجئت بعدم قدرتي على التفاهم مع أهلها لأنهم يتحدّثون العامّية، والفرنسية!
ويوما بعد يوم تكبر المشكلة، ويعوجّ اللسان، وتتّسع الفجوة، وتضيع العربيّة،
وبدلا من معالجة الخلل، ظهرت دعوات للكتابة بالعاميّة التي استشرت، وصارت تعيش عصرها الذهبي اليوم، ومن المؤسف أنّ مواقع التواصل الاجتماعي فاقمت من المشكلة، فالمحتوى المكتوب يأتي ركيكا من الناحية الأسلوبية، مليئا بالأخطاء النحوية، والإملائية، وحين تنبّه الناشر لوجود أخطاء يبعث لك إيقونة وجه مبتسم، وفي الغالب لا يقوم بالتعديل !!
واليوم، بعد مرور حوالي (120) سنة على كتابة شاعر النيل، كما يلقّب، تلك القصيدة، مازلنا نردّد أبياتها، إدراكا منها بأنّ المشكلة مازالت قائمة رغم تغيّر الظروف، وتطوّر المناهج التعليميّة، وتعدّد الوسائل، والأساليب!
ومع تعاظم المشكلة لابد من مخرج، والحلول لا تكمن في الندب، والصراخ، والبكائيات، كما رأينا في نص حافظ إبراهيم، بل في تحبيب النشء الجديد للغة، التي نصحنا الخليفة عمر بن الخطّاب بتعلّمها لأنّها” تزيد في المروءة”، وتشجيعهم على التحدث بلسان عربي فصيح، وبث البرامج، والأعمال الدرامية الناطقة بالعربية على غرار برامج كان يعرضها تلفزيون العراق في السبعينيات، والثمانينيات، من بينها ” أين مكاني من الإعراب”، و”الفتى غيّاث في أروقة التراث”، والأعمال الموجّهة للأطفال التي أنتجتها مؤسسة الإنتاج البرامج المشترك لدول الخليج العربية، وأبرزها”افتح ياسمسم”، والأغاني الخاصة بالأطفال المكتوبة باللغة الفصحى، التي هي هويتنا الجامعة، ومعجزتنا، التي تتجسد في الكلمات، لنحقّق أمنية حافظ إبراهيم حين يتكلّم عن الغرب التي قال أحد فلاسفته عن العربيّة أنها” ليست لها طفولة، ولا شيخوخة”، مخاطبا الأجيال الجديدة:
أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا
فيا ليتكم تأتون بالكلمات
فهل ستظلّ أمنية الشاعر عصيّة عن التحقّق؟