الحصار بالكتب

أمل السعيدية

واحدة من أكثر الكليشهات التي يجد القراء أنفسهم بحاجة مستمرة للإجابة عنها: هل قرأتَ كل الكتب التي تملكها؟ لماذا تريد المزيد من الكتب؟ يرى الناس خارج مشهد القراءة أنها أسئلة وجيهة، لكن تاريخ القراءة يقول لنا باستمرار أن هذا السؤال لطالما استفز القارئ. ربما بالنسبة لي على الأقل لا أشعر بالاستفزاز بقدر ما أشعر بالألم، لأنني حينها أشعر بأنني أريد أن أشارك السائل كل المتعة التي تعنيها أن تصبح قارئا، من أصغر الأشياء وحتى أكثرها أهمية، من خطوة مراكمة الكتب، وحتى قراءة الكثير منها، قراءة لصيقة، فيها محاورة، وبناء وتفكيك، والكثير من الحفر الوجودية، والفسح الشاغرة التي لطالما انتظرتك. لا أتذكر من رواية اليوم ما قبل السعادة لـ “أري دي لوكا” التي قرأتها قبل سنوات، إلا مشهد الكتب وهو يتمدد وفجأة لا تستطيع أن تضع قدما في مكانها، عدتُ لنسختي المغبرة من الرواية ووجدتُ علامة تحت هذا الاقتباس، “الكتب تجسد حياة من اشتراها ورغباته ونزاوته وسعادته برؤية ثقافته الخاصة تنمو سنتمتراً كل يوم كأنها شجرة”. أليس هذا حقيقياً؟ كلما تأملتُ مكتبتي، وجدتُ هذا كله، إنها مرآة لحياتي وصراعاتي وشكي، وأسئلتي، الوقت الذي كنتُ فيه لا أقرأ سوى الكتب الدينية، ثم الوقت الذي بدأت فيه بالقراءة عن الوجودية، لسارتر وكامو وآخرين، ثم محبة الطبيعة في الأدب الآسيوي، وبعدها حالة من الانقباض، وجدت نفسي فيها أكثر مع الأدب الإسكندفاني البارد. صديقتي المقربة قالت ذات مرة في لقاء جماعي لأصدقاء مشتركين: كل كتاب في مكتبة أمل له حكاية، وثمة مغزى من شرائه.
هذه الأيام أقرأ “عيش حياة نسوية” لسارة أحمد، في مقدمة الكتاب تسرد سارة أحداثاً أثرت في شعورها بالانتماء لرابطة النسويات، ذكرت منها لقاءات للقراءة في مكتبة، كنَّ يقرأن الكتب، ويمررنها لبعضهن البعض، تُقدر سارة الكتاب ككيان “مادي” عليه بصمات من قرأ وتاريخ إنتاجه، هذا الإصرار على ذكر “مادية” الكتاب، أدهشني كثيراً، إذ أننا بلا أجسادنا من نكون، وكيف نتعلم مع مرور الوقت أن نرفض كل الأفكار المسبقة وأن نتمسك بقيمة الأشياء، حتى وإن كانت بسيطة مع أنها ليست كذلك في الواقع، ليس مديحاً للكتاب الورقي، بقدر ما هو تقدير للملموس، الملموس المتجسد الذي يستطيع دوماً أن يضعنا في قلب الحسي. لديّ تقدير لتمدد الكتب، ومحاصرتها لي، لديّ تقدير للنسخ القديمة والمستعملة من كتبي المفضلة، وفكرتُ كثيراً لمن ستؤول كتبي من بعدي!
في المقابل لا يمكن أن يفوت التجار مسألة الهوس بشراء الكتب أو ما يطلق عليه “بيبلومانيا” وبتنا نسمع عن عطور برائحة أوراق الكتب، أي رائحة الورق المطبوع حديثاً، أو علاجات للمهووسين باقتناء الكتب كنوع من الإدمان، بصراحة لا أخفي الشعور الذي ينتابني كلما سمعتُ عن هذا فما بالكم بأن أكتبه، مع ذلك عليّ فعل ذلك رغبة مني بالإحاطة بالمشهد كله – رغبتي العصابية – لكن ليس هذا هو المهم الآن؟ ما أريد قوله كجواب محتمل للسؤال الذي بدأت به هذه المقالة: الإنسان يتغير، يخلق أسئلة جديدة باستمرار إن لم يكن كذلك فقد يتسبب في فنائه الروحي، لذلك يستمر في انتظار كتب أخرى دائماً، وكمقترح آخر للإجابة: لا يتعامل الإنسان مع الحياة في الواقع فقط، بل هنالك عالم مواز آخر هو عالم “الأحلام” الذي له حساباته المختلفة والخاصة به وحده، لذلك قد لا يستطيع القارئ أن يفسر لك الأمر بلغة الواقع، ربما لو حررتَ أحلامك من الخوف، لكنتما على أرضية واحدة تسمح بنوع جديد من الإجابات التي ستدهشك أيها السائل.