رمي الأحزان

عادل محمود


قرّر الانتحار.. فأحضر عتادا يجعل الانتحار محكما، ولا رجعة عنه.
وترك وراءه هذه القصة في قصاصة ورق:
“كان فيكتور هوجو ـ الروائي الفرنسي صاحب كتاب البؤساء- يجلس كل يوم على منحدر صخري في الجزيرة التي نُفي إليها، وبعد أن يجمع مجموعة من الأحجار الصغيرة والحصى.. يبدأ بإلقائها بقوة في الماء واحدة تلو الأخرى، ويتفرج على الدوائر التي تحدث، وتتوسع، وتتلاشى.
تقدمت منه فتاة صغيرة، كانت تراقبه، كل يوم في نفس الموعد، وسألته: لماذا تأتي إلى هنا كل يوم لتلقي بهذه الأحجار في البحر؟
صمت الكاتب لبعض الوقت، ثم ابتسم ونظر إليها وقال:
“هذه ليست أحجارا يا صغيرتي… أنا ألقي بأحزاني إلى البحر”.
……
صعد الرجل الذي قرر الانتحار إلى أعلى صخرة عملاقة، ربط حبلاً في عنقه، وربطه من الطرف الثاني بالصخرة. وتناول قليلا من السم، وسكب على جسمه الكاز وأشعل النار. ثم رمى بنفسه من أعلى الصخرة وفي الهواء وهو يهوي أطلق على نفسه رصاصة، كي لا يترك أي ثغرة تنفيذية أو أي أمل بالنجاة.
لكن الطلقة أخطأته وقطعت الحبل. ووقع الرجل في البحر فانطفأت النار. وحين ابتلع ماءً مالحاً… تقيأ، فتخلص من السم. شاهده صياد سمك فأنقذه وأخذه إلى المشفى، وهناك أعطوه إبرة بالغلط… فمات.
قرأت كتابا عن دوافع الانتحار. واكتشفت أن المنتحر يخفف تلقائيا، الدافع، وهو في طريقه إلى مشنقة السقف، أو إلى الصيدلية لشراء حبوب الموت،، أو لرمي نفسه في نهر بردى الذي لا يغرق فيه حتى ضفدع.
واكتشفت أيضا…أن الطرق المسدودة، والخيارات الضيقة، والفشل الصريح، وحتى الأمراض المستعصية… لا تدفع، على نحو حاسم، للانتحار.
مثل هوجو… أنا اكتشفت، بدلا من رمي الأحزان في البحر، ألعب بها ومعها ككرة قدم في طريق جبلي معشب، وظليل، وتأتي الشمس، كأنها شموس، من بين الأغصان، فأرى الحياة وهي تدفأ تحت أظافري، فأمضي وقتا طيبا في انتقاء أحجاري…وأعود إلى طريقة هوجو.
ثم بعد الانهماك بالعودة من الموت إلى البيت… أنصحك بأن تضع رؤوسا من الشوندر في وعاء واغلِها حتى يملأ البخار رئتيك، وحلاوة الثمرات فمك.
ثم تذكر الكاتبة المصرية التي قالت قبل الانتحار:
المنتحرون أرستقراطيو الموت!