نوافذ : أنَّ لهذا القلب ..

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

على الرغم من الاختلاف على “ماهية القلب” في أدواره الميكانيكية، والفسيولوجية، والسيكولوجية، إلا أنه مطلوب منه أن يفرح، وأن يحزن، وأن يقاتل، وأن يسالم، وأن يتسع في مواقف، ويضيق في مواقف أخرى، وأن يتسامى على الصغائر، وأن ينزل من عليائه، فليس كل “ما ضاق اتسع” مطلوب منه أن يكون في مواقف الحزم صنديدا “قلب كالصخر” وأن يكون في مواقف أخرى لينا طريا، عليه أن يقود مشاعرنا الملتهبة تجاه قضية ما؛ إلى سلم الأمان، حتى لا تحرقنا شرر المصادمات، وعليه أن في قضية أخرى أن يتسلم قيادة المواجهة، حتى لا تخذلنا هذه المشاعر في ساحات النزال، بل عليه أن يوقظ فينا حساسية مشاعر الآخرين من حولنا، حتى لا نسيء إليهم بشيء، كما يشعرنا بأن هناك قادما علينا أن نستعد له بكل القوى المتاحة في تلك اللحظة، فارتفاع دقاته توشي بالكثير مما هو آت ليس بمقدورنا تحمله، واستقرارها يعني أن المساحة التي نشغلها في تلك اللحظة آمنة مطمئنة.
في المسافة التي تفصلنا عن الآخرين، هناك لغة، وهناك إشارات تتبادلها القلوب، شعرنا بذلك أم لم نشعر، هناك أحاديث صامتة، ولكنها فاعلة متفاعلة، ولذا لا غرابة؛ حقا؛ أن واجهنا أحد ما مستنفرا في وجوهنا لأمر ما، حيث قلبه المترع بالهم حفزه لأن تكون له تلك الحالة الصادمة في ذلك الموقف بالذات، ولا غرابة أن يقبل علينا آخر مبتسما، تشع من بين جنباته علامات الرضا؛ لأن قلبه حدثه بأن من يقابلك في هذا المجلس، يحمل لك شيئا من الود، وشيئا من الأنس، وهكذا تتوالى أحاديث القلوب لتصنع واقعا آخر لم نعهده، ولم نخطط له، وتوجد مساحات تتسع كلما كان للقلوب فيها متسع من حديث الوسوسة، فاتساع مساحات المشاعر يمكن أن تحمل بين طياتها مشاعر متضاربة من الود، أو من الكره، وعلينا – كمتحفزين؛ لما تمليه علينا قلوبنا – أن نكون حاضرين ومستعدين لسرعة تنفيذ أوامرها التي لا تتوقف، كما علينا أن نعيش مواقف الود، ومواقف الكره، لأن قلوبنا هي الفاعل الحقيقي في كل ذلك.
لعلنا نتفق؛ على أن عمليات القلوب التي تجرى في المشافي من أكثر العمليات لأي عضو في أجسامنا، فهل في ذلك دلالة على أن القلب هو الذي يقوم بكل هذه الأدوار، غير دوره الميكانيكي في ضخ الدم إلى كل أجزاء الجسم، وتنقيته؟ وإذا عذر القلب من القيام بهذه الأدوار، فما هو العضو الحقيقي الذي يقوم بذلك؟ وإذن؛ لماذا وضع القلب في فوهة البركان لكل هذه المآسي، والمحاسن التي تعكسها سلوكيات البشر، وتسند إلى القلب؟
من جميل ما قرأته؛ هذا الأسبوع؛ ما تم تناقله عبر صفحة الـ “واتس أب” النص التالي:‏ “التخلّص من كل شيء لا معنى له زوائد تثقل كاهلك: أصدقاء سيئين؛ مشاعر مؤذية؛ أشخاص لا يشكلون فرقًا بوجودهم، ستجد بعدها مساحة كبيرة بحياتك وأشخاصًا رائعين يشبهونك وإيجابية عالية، ستجد الكثير بمجرد حصولك على هذه المساحة” – انتهى النص – وطبعا المسؤول عن هذه المهمة هو هذا البطل الصنديد (القلب) ففي كل هذه المهام صغيرها وكبيرها، سيئها وحسنها، أصعبها وأسهلها، لن يشير أحد إلى النفس، أو الجسد، أو الدماغ، ففلان قلبه كبير، وفلان قلبه طيب، وفلان قلبه سيء، وفلان قلبه شجاع، وهكذا تسترسل الألقاب، والإشادة بهذا العضو الصغير الذي يتخذ زاوية صغيرة جدا على الجانب الأيسر من هذا الجسم العملاق.
يقال: “الصداع هو الطريقة الديكتاتورية التي يعاقبك بها الجسد، حيث تستخدم رأسك أكثر من اللازم”- انتهى النص – وهذا هو النص الوحيد الذي قرأته؛ شخصيا؛ يسند مهمة الإيذاء للجسد، دون ذكر القلب، فهل الأمر هنا فقط؛ “بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب”؟.